محمد النوباني: قرار ادارة ترامب الانسحاب من سوريا هل هو تسليم استراتيجي بالهزيمة ام مناورة تكتيكية لاعادة خلط الأوراق في عموم المنطقة؟! هاكم ما قاله ادوارد فورد.. امريكا خسرت اللعبة.. الاسد انتصر

محمد النوباني

أثار الاعلان الرسمي الامريكي المفاجئ امس الاربعاء عن بدء انسحاب القوات الامريكية من سوريا ردود فعل متباينة في العواصم ولدى الاطراف ذات الصلة بالأزمة السورية ،ففيما رحبت روسيا على لسان الناطقة بلسان الخارجية ماريا زاخاروفا بالاعلان ورات بأنه يفتح افاقا للتسوية ألسياسية في سوريا موضحة انه جاء بعد ان ادركت الولايات المتحدة الامريكية بان معارضة عملية استانا يضر بالمصالح الامريكية ،قالت قوات سوريا الديقراطية الكردية (قصد) ان الانسحاب الامريكي من شرق الفرات هو طعنة في الظهر وخيانة لدماء الاف الشهداء، بينما اعرب رئيس الوزراء ألاسرائيلي بنيامين نتنياهو عن قلقه من تداعيات الانسحاب الامريكي مؤكدا بان اسرائيل سوف تعرف كيف تدافع عن نفسها بعد الانسحاب الامريكي . ولتحليل اسباب هذا التطور الدراماتيكي الهام يمكن الانطلاق من فرضتين ،الاولى ان قرار سحب القوات الامريكية من سوريا يأتي تعبيرا عن خشية صناع القرار الحقيقيون في الولايات المتحدة الامريكية (الدولة العميقة) من ان يؤدي استمرار بقاء القوات الامريكية في الشرق السوري الى اشعال مقاومة سورية ضد الاحتلال الامريكي اجلا ام عاجلا او الى صدام عسكري لا تريده الدولة العميقة مع روسيا او ايران التي تملك قوة صاروخية رادعة بامكانها الحاق خسائر كبيرة ليس بالقواعد العسكرية الامريكية ال ١٥ الموجودة في سوريا فقط وانما في السعودية وبلدان الخليج ابضا في حال نشوب مواجهة عسكرية وتحولها الى نزاع مسلح في عموم المنطقة لن تكون نتيجته لمصلحة امريكا ومصالحها في المنطقة.

اما الفرضية الثانية فتقول أن ما اعلنه ترامب يندرج في اطار صفقة عقدها مع اردوغان لتفريغ عملية استانا من مضمونها لاضعاف نفوذ روسيا وايران وتقاسم الشرق السوري بين الطرفين بعد القضاء على قصد ووحدات حماية الشعب الكردي ،من دون ان نستبعد بطبيعة الحال امكانية وجود مخطط أمريكي للاستعاضة عن الفراغ الذي سيتركه انسحاب القوات الامريكيةبتوريط قوات ما اصطلح على تسميته بالنيتو العربي في الازمة السورية لاشعال ألحرب في سوريا من جديد بعد ان شارفت على النهاية. واذا ما كانت فرضية الصفقه بين ترامب واردوغان هي الصحيحة فيمكن الاستدلال عليها من ثلاث ملاحظات مهمة ، الملاحظة الاولى :ان سارة ساندرز الناطقة بلسان البيت الابيض لم تقل في البيان الذي تلته بهذا الخصوص ان انسحاب القوات الامريكية من شرق الفرات سيكون شاملا بل المحت من طرف خفي ان ما يجري الحديث عنه هو عملية اعادة انتشار لتلك القوات وليس انسحابا بدليل انها اردفت قائلة بان الحملة الامريكية سوف تنتقل الى مرحلة جديدة ، اما الملاحظة الثانية والتي تتناغم مع الملاحظة الاولى فهي ما قاله مسؤول كردي سوري لوكالة سبوتنيك الروسية من ان الولايات المتحدة الامريكية نقلت تعزيزات عسكرية اضافية الى منطقة شرق الفرات قبل ٢٤ ساعة من اعلان البيت الابيض عن قرار الانسحاب وتاكيد البنتاغون ان العملية قد بدأت فعلا الامر الذي اكدته ايضا وزارة الخارجية الامريكية التي قالت بانه سيتم اجلاء موظفيها عن الاراضي للسورية خلال ٢٤ ساعة.

اما الملاحظة الثالثة فقد تمثلت باعلان مسؤول عسكري تركي وبوضوح ان الانسحاب الامريكي من شرق للفرات سيكون جزئيا ومن المناطق الحدودية التي ستكون مسرحا لعمليات القوات التركية ضد الاكرادفي حين لاحظ مراقبون سياسيون ان اعلان البدء بالانسحاب جاء بعد مكالمة هاتفية بين ترامب واردوغان ان الرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي كان قد أعلن في اذار مارس الماضي بانه اتخذ قرارا بسحب قوات بلاده من الشرق السوري ثم عاد واستبعد وضع القرار موضع التنفيذ بحجة انه لم يتم القضاء بشكل كامل على تنظيم داعش ليعود مجددا للقول بشكل واضح ان القوات الامريكية باقية في سوريا لفترة طويلة ،ليس من اجل النفط والغاز ، وانما من اجل مقاومة النفوذ الايراني لحماية اسرائيل وضمان امنها ، عاد اليوم ليقول من جديد في تغريدة له على تويتر بانه تم القضاء على داعش وبالتالي فان مبرر بقاء القوات الامريكية في سوريا لم يعد موجودا.

على كل حال فان الساعات والايام والاسابيع القادمة ستكشف اكثر فاكثر خلفيات وابعاد واهداف هذا القرار الامريكي ،ولكن الشيئ الذي يمكن الحديث عنه بكل ثقة ان امريكا ومعها اسرائيل ونظم الرجعية العربية قد هزموا في سوريا ولن يستطيعوا بعد اليوم اعادة خلط الاوراق وخلق عناصر وقوى دفع جديدة لاشعال الفتنة والحرب من جديد في ربوعها . اما أكراد سوريا الذين تلاعبت بهم قيادتهم بشكل اجرامي من خلال ادماجهم في المخطط الامريكي الهادف الى تدمير الدولة السورية وتحطيم وحدتها الجيو -سياسية طمعا بالحصول على دولة كردية يتضح لهم اليوم بجلاء ان امريكا التي راهنوا عليها وصدقوا وعودها الكاذبة تخلت عنهم و تركتهم كألكلاب الضالة لمواجهة مصيرهم عندما ازفت ساعة الحقيقة ولم يعودوا حصانا رابحا لها مقارنة باللاعب التركي.. ودونما حاجة للغوص في متاهات ودهاليز التحليل السياسي فان الرجوع الى ما قاله اكبر الخبراء في الشؤون السورية وهو ادوارد فورد اخر سفير امريكي في دمشق في مقابلته الشهيرة مع صحيفة الشرق الاوسط السعودية في الثلاثين من اذار عام ٢٠١٧ يكفي حسب اعتقادي في وضع النقاط على الحروف..

فقد اشار في هذه المقابة الهامة الى ان ترامب يريد تقليص النفوذ الايراني في سوريا،هذا ما سمعته من احد مستشاريه قبل عدة اسابيع مضيفا ان الرئيس لا يعرف ان اللعبة قد انتهت ،تاخروا كثيرا ،اوباما لم يترك له الكثير من الخيارات لتحقيق هدفه. . وتوقع في مكان اخر من المقابلة ان تعجز ادارة ترامب عن الصمود امام ايران في سوريا متوقعا ان تنسحب من هذا البلد كما انسحبت من بيروت عام 1٩٨٣ ولاحقا من العراق. وبخصوص الاكراد توقع فورد وهذا ما حصل فعلا ان تتخلى امريكا عنهم كما تخلى عنهم هنري كيسنجر ايام حكم الرئيس الراحل صدام حسين في منتصف السبعينات حيث تركتهم بعد ان تبدلت الظروف الاقليمية والدولية ليواجهوا الموت والتشرد ،وهذا ما حصل حينما حرضتهم هي واسرائيل على اجراء استفتاء انفصال اقليم كردستان العراق في ٢٥ ايلول عام ٢٠١٧ ثم تخلتا عنهم بعد ان زحفت قوات الشد الشعبي العراق ووادت مؤامرة الانفصال وهي في المهد،وهذا ما يحصل اليوم مع اكراد سوريا الذين تتخلى عنهم امريكا وتتركهم نهشا للاتراك.

وخلص فوزد الى القول بان ما يقوم به اكراد سوريا ليس فقط غباء سياسيا بل غير اخلاقي ايضا، لقد انتصر الاسد لا تراهنوا على امريكا ولكنهم لم يستمعوا الى النصيحة ولذلك انطبقت عليهم المقولة العربية على نفسها جنت براقش. بقي القول ان خروج القوات الأمريكية من سوريا سيؤثر سلبا ليس على مصالحها في الشرق الاوسط وعلى حليفتها اسرائيل وعلى النظم العربية التابعة لها فحسب بل وعلى الصيغة التي تحكم العالم ايضا ،هل ستكون احادية قطبية أمريكية كما تريد واشنطن ام تعددية قطبية كما تريد روسيا والصين والعديد من دول العالم التي سئمت من العربدة الامريكية ؟! ولذلك فان الوضع لن يكون سهلا ويييتثير معارضة من صقور المؤسسة العسكرية والكوتجرس بمجلسيه…

كاتب فلسطيني مقيم في سورية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here