محمد النوباني: قراءة في اسباب الخلاف القطري السعودي الاماراتي

nobani newwwww

محمد النوباني

كون الازمة بين قطر من جهة وكل من السعودية والامارات والبحرين ومصر من جهة اخرى اندلعت في اعقاب الزيارة التي قام بها الرئيس الامريكي رونالد ترامب الى الرياض والقمم الثلاث التي عقدها هناك وما صدر عنها من قرارات تتعلق بمحاربة معسكر المقاومة والممانعة في المنطقة تحت عنوان مكافحة الارهاب فان ذالك يشي بان لواشنطن دورا واضحا  في تفجير تلك الازمة لاسباب تتعلق بتعزيز سيطرتها الاستراتيجية على منطقة تزود العالم بحوالي ثلث احتياجاته من الطاقة وتحديدا النفط والغاز , ولابتزاز المزيد من الاموال الخليجية لانقاذ الاقتصاد الامريكي من ازماته .

ولمزيد من التوضيح فان ادارة  ترامب التي حصلت من المملكة العربية السعودية على مبلغ يناهز النصف تريليون دولار , بالابتزاز والتهديد ارادت اشعال نيران ازمة بين دول تابعة لها في المنطقة لكي تدير هي تلك الازمة وتنجح من خلالها في ابتزاز قطر وتخويف نظامها من سقوط مريع ان لم يسارع بدفع المعلوم لتلك الادارة لكي يجد الامريكيون فرص عمل جديدة وينقذون اقتصادهم المنهار بصفقات سلاح ضخمة

وقد كان ذالك جليا في تصريحات وتغريدات ترامب على تويتر , حيث اكد في بداية الامر ان دول الخليج اكدت له انها سوف تعتمد نهجا حازما ضد تمويل التطرف وكل الدلائل تشير الى قطر مؤكدا بان ذالك قد يكون بداية نهاية لرعب الارهاب .

ولكن في اليوم التالي تغيرت لهجة ترامب حيث اتصل هاتفيا مع امير قطر تميم عارضا عليه التوسط في حل الخلاف من خلال استضافة قمة تجمع كل اطرافه في البيت الابيض وفي نفس الوقت اشادت وزارة الخارجية الامريكية  بالتقدم الذي احرزته الدوحة في مكافحة الارهاب وفعلت الشيء ذاته وزارة الدفاع الامريكية التي اشادت هي الاخرى بالتعاون العسكري مع قطر والدورالذي تلعبه قاعدة العديد في عمليات القصف التي تقوم بها الطائرات الحربية الامريكية لقواعدداعش في سوريا والعراق على حد زعمها .

ولكن عندما رفض الامير تميم تلبية تلك الدعوة الترامبية , خوفا من ان لايعود الى قطر كما قيل , عادت لهجة ترامب الى التشدد مع قطر وصدر سيل من المواقف الامريكية التي تدعو الى المزيد من التشدد معها وصولا لاعتبار الملك سلمان صديقا له   في اشارة ضمنية الى تاييد للموقف السعودي مما ادى الى اشتداد الازمة تفاقما .

وهنا ورغم القناعة الراسخة بان اللاعب الامريكي هو الذي يتحكم بالدرجة الاولى في ادارة الازمة الخليجية كونها تجري بين دول كلها تدور في الفلك الامريكي وتتسابق على التبعية له وتقديم فروض الطاعة والولاء للكيان الاسرائيلي , كمدخل دائم ومضمون الى قلب البيت الابيض , الا ان من الخطأ اختزال اسباب الازمة في الرغبات الامريكية لوحدها .

فهناك لاعبين صغار مثل قطر والسعودية لكل منهما اجندات خاصة وتوجهات اقليمية لا يمكن من دون التعريج عليها فهم اسباب اندلاع الازمة و سبراغوارها وبالتالي وضع تصور لسيناريو الخروج من منها

السبب الاول للازمة في اعتقادي ؤهو اقتصادي يتعلق برغبة سعودية سيما بعد ما دفعته لترمب بالاستحواذ على نسبة من اموال قطر , التي لديها 330 مليار دولار كاش واصول بنكية تصل الى 1,1 ترليون ريال واستثمارات بمئات مليارات الدولارات في كبرى شركات العالم وبنوكه بالاضافة الى احتياطي غاز طبيعي مسال , يقدر بزهاء 900 ترليون متر مكب , واهداء الباقي ؤللولايات المتحدة عبر استبدال النظام القطري الحالي بنظام يلبي الرغبات السعودية والامريكية بشكل افضل ويتخلى عن مشروع اعطاء قطر وزنا اقليميا ودوليا اكبر من حجمها بكثير من خلال توظيف الاموال والرساميل في اكبر بنوك ومتاجر ومؤسسات العالم العقارية وشركات التكنولوجيا الكبيرة والبرمجيات وخلافها .

اما السبب الثاني , فهو سياسي يتعلق برغبة سعودية في تاكيد تصدرها وزعامتها للعالم العربي لا سيما بعد ما دفعته من اموال لترامب ورفض اعطاء دفة القيادة لدولة صغيرة المساحة وعدد السكان مثل قطر .

ولعل السبب الثالث يتعلق بالانهيار الذي اصاب العصابات التكفيرية المسلحة في سوريا المدعومة من السعودية والامارات وقطر وقرب الاعلان عن الحاق الهزيمة الكاملة بها وعجز الاصيل الامريكي والاسرائيلي عن انقاذها مما  ادى الى تصدع جبهة الداعمين وتحول الفشل الى ازمة داخلية عنيفة بينهم .

في حين ان هنالك سبب رابع جوهري يتعلق بفشل العدوان الذي شاركت به كل من السعودية والامارات وقطر ودول اخرى , بدعم امريكي على اليمن والذي وصل بفعل بسالة الشعب اليمني وفي طليعته حركة انصار الله والجيش اليمني , الى طريق مسدود وفضيحة سياسية واخلاقية .

 ويجب  ان لايغيب عن الذهن ان السبب الخامس يتغلق برغبة سعودية جامحة في القضاء على التجربة القطرية لانها اكثر اتساقا وانسجاما , رغم تبعتها , مع روح العصر من التجربة السعودية , حيث ان في قطر مستوى دخل يصل الى 170 الف دولار في العام في حين انه لايزيد في السعودية وفي احسن الاحوال عن 130 الف ريال , ناهيك عن تفوق قطر الهائل على السعودية في مجال الحريات والاعلام والصحة والتعليم والانفاق على البحث العلمي والشفافية ومكافحة الفساد وغير ذالك الكثير .

اما السبب السادس فيتعلق بوجود بعد قبلي لهذه الازمة , حيث ان من عادة القبائل على غرار تلك الحاكمة في السعودية والبحرين والامارات وقطر ان تتصارع على الثروة كما كانت في الازمنة الغابرة تتصارع على العشب والماء مما قد يؤدي الى صراعات وحروب دامية تقضي على استقرارها وقد تؤدي الى تفككها وتشرذمها وتشظيها الى دويلات .

ان هذه الازمة التي تعيشها اليوم منظقة الخليج هي تعبير عن ازمة اكبر تعيشها الولايات المتحدة على المستوى الكوني جراء تراجع وزنها الاقتصادي وتحولها الى اكبر دولة مديونة في التاريخ .

فهي ان جاز التعبير باتت تعتمد على السرقة المباشرة لاموال وخيرات دول الخليج العربي من خلال الابتزاز و التهديد باسقاط انظمة واستبدالها باخرى  وابقاء حالة من التوتر المفتعلة , بما يضمن لها بيع اسلحة ومعدات حربية بمئات مليارات الدولارات لانعاش اقتصادها المتهالك واعادة انتاج الحياة في امريكا لتاجيل امد تفككها الحتمي , كما تفكك ذات يوم الاتحاد السوفييتي السابق .

ان نهوض روسيا في عهد بوتين وعودة العالم الى حالة من الثنائية القطبية  بما يكفل منع انفراد واشنطن به , مضافا اليه تعملق ايران وتحولها الى دولة اقليمية عظمى لا يمكن تجاهلها وتجاهل دورها لدى البحث في مصيرا لمنطقة وتنامي قوة معسكرالمقاومة وتمكنه من تحقيق توازن رعب مع اسرائيل وفي الاتجاه المعاكس تراجع دور اسرائيل الوظيفي في خدمة المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة , كل ذالك اوصل المشروع الامريكي في الشرق الاوسط الى طريق مسدود , بعد ان وصل مع كندا والمكسيك ودول اوروبا الى نفس الطريق لان هذه الدول رفضت ان تدفع لواشنطن كما فعل العرب .

واخيرا وليس اخرا  فان التصور الذي اعتقده لسيناريز الخروج من الازمة الحالية بين قطر والدول المتصارعة معها هو التوصل على الاغلب الى حل وسط “كومبرومايس” على قاعدة لا غالب ولا مغلوب , لان  اي تفكيرفي اعتماد الخيار العسكري قد يدخل المنظقة في حالة من الفوضى غير الخلاقة اي عدم المسيطر عليها ويؤدي اليه اندلاع حرائق وننزاعات عسكرية كبرى وتفكك دول مثل السعودية باسرع مما يتوقع البعض

وصدق وزير الخارجية الروسي عندما طالب قبل ايام بنزع فتيل الازمة الحالية في الخليج لان المنطقة يكفيها ما بها من ازمات وحروب ولا تحتمل المزيد منها .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here