محمد النوباني: بطولات إسرائيلية دينكوشيتية؟! “درع الشمال” نموذجا

محمد النوباني

 عندما احتدم ألسجال بين الولايات المتحدة الامريكية وكوريا الشمالية حول الملف النووي للاخيرة وبدا لبعض المحللين السياسيين ان الحرب النووية في شبه الجزيرة الكورية واقعة لا محالة أذكر انني كتبت مقالا في صحيفة “رأي اليوم “الالكترونية تحت عنوان “احتمالات الحرب في شبه الجزيرة الكورية تناهز 0%” أوضحت فيه ان الحرب لن تقع لأن ميزان الرعب النووي لن يسمح لترامب بتنفيذ تهديداته ،واليوم فانني اقول بان توازن الرعب والردع بين حزب الله القوي والمقتدر واسرائيل لن يسمح للاخيرة بشن حرب ضد حزب الله على خلفية ما قيل بانه اكتشاف انفاق لحزب الله على الحدود مع لبنان وبدء عملية”درع الشمال”لانها ببساطة لا تستطيع الانتصار فيها ولا تستطيع تحمل كلفتها وقد تخرج منها غير موجودة تماما مثل قرطاجنة التاريخية التي شنت ثلاث حروب خرجت بعد الاولى منها منتصرة وبعد الثانية غير منتصرة وبعد الثالثة لم تعد موجودة. ولكي اوضح ما اريد قوله فان اسرائيل بنت نظريتها الامنية منذ انشائها في العام ١٩٤٨ على اساس ركيزتين مهمتين الاولى: الحرب الخاطفة والسريعة التي قد تستمر بين عدة ساعات او عدة ايام او عدة اسابيع على ابعد تقدير والثانية :الحرب خارج الحدود بحيث تبقى تجمعاتها السكانية بمناى عن الاصابة فيما مدن الاخرين تحت القصف ونيران.الصواريخ.

ولان هذه النظرية التي صاغها دافيد بن غوريون اول رئيس وزراء لاسرائيل كانت تتطلب بالضرورة الارتكاز الى عدة عوامل منها تفوق الجيش الاسرائيلي النوعي على كل الجيوش العربية وعلى فرضية ديمومة التخلف العربي كاكبر حليف لاسرائيل وايضا على وجود انظمة عربية موالية في السر للدولة العبرية وكذلك على منع اي قوة عربية من الحصول على اسلحة محظورة كاسرة للتوازن ،فقد تمكنت اسرائيل في كل حروبها بما في ذلك حرب اكتوبر ١٩٧٣ من نقل الحرب الى مدن الخصم فيما بقيت جبهتها الداخلية تنعم بالامن والهدوء وبعيدة عن اية اخطار.

ولكن هذه الوضعية التي كانت مريحة جدا لاسرائيل وبقيت سائدة لسنوات طويلة بدأت بالتغير مع اشتداد ساعد حركات المقاومة في المنطقة العربيةوتمكنها سيما بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران من امتلاك اسلحة كاسرة للتوازن وتحديدا الصواريخ. ومما زاد الامور تعقيدا بالنسبة لصناع القرار والسياسات في الدولة العبرية هو ظهور قيادات مقاومة واعية تستند في عملها الى معطيات العلم والمعرفه وتراقب ما تكتبه وتقوله مراكز البحوث الاستراتيجية الاسرائيلية وتعرف عن كثب اماكن قوتها وضعفها وتصيغ تبعا لذلك استراتيجيات وتكتيكات مدروسة في مواجهتها.

ان هذا الوضع الاستراتيجي المستجد والذي بدات معالمه بالتبلور للأمانة والتاريخ منذ قيام المقاومة الفلسطينية بقصف المستوطنات الاسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة انطلاقا من جنوب لبنان قبل اجبار قوات م.ت.ف على الخروج من لبنان عام ١٩٨٢ ومن ثم في المعارك التي خاضها حزب الله مع اسرائيل لا سيما حرب ٢٠٠٦ وفي الحروب الثلاث التي خاضتها المقاومة الفلسطينية مع اسرائيل بن اعوام ٢٠٠٨-٢٠١٢ -٢٠١٤ وفي سلسلة المواجهات العسكرية التي تدور رحاها بين الطرفين بين الحين والاخر واخرها مواجهة الساعات الثماني والاربعين والتي انتهت بعد ان توسل نتنياهو المصريين التدخل لدى الفلسطينيين لوقف اطلاق الصواريخ الدقيقة على عسقلان وغلاف غزة واحياء التهدئة.

ان الحلقة المركزية التي ينبغي رؤيتها هنا ورغم كل مزاودات المعارضة الاسرائيلية على نتنياهو واتهامها له بالضعف امام حماس في الجنوب وحزب الله في الشمال واضعاف قوة الردع الاسرائيلية ان موازين القوى المستجدة في المنطقة لم تؤثر فقط على قوة الردع الاسرائيلية وانما على مقدرتها على شن الحروب الصغيرة منها او الكبيرة لادراك قادتها بانها لا محالة ستطال العمق الاسرائيلي لا محالة ولن تخرج منها منتصرة. امام هذا الانقلاب في المشهد الاستراتيجي فقد بدانا نلمس استعارة اسرائيلية للخطاب السياسي العربي الذي كان سائدا في العقود السابقة كتعبير عن حالة عجز مثل التهديدات عالية النبرة والتهديد بالاغتيالت السياسية والتوجه بشكاوي الى مجلس الامن .كما فعلت امس حينما تقدمت بطلب لعقد جلسة لبحث ما قيل انه اكتشاف انفاق هجومية لحزب الله انفاق لحزب الله على الحدود رغم انها لغاية كتابة هذه السطور لم تستطع اثبات مزاعمها بصور موثقة وعلى الاغلب لن تستطيع.

ان ما فعله نتنياهو حينما طار عل جناح السرعة الى بروكسل لمقابلة وزير الخارجية الامريكية بومبيو وبعد ذلك بسويعات اعلن الجيش الاسرائيلي عن اكتشاف انفاق هجومية لحزب الله على الحدود مع لبنان ومسارعة ادارة ترامب لتاييد الموقف الاسرائيلي من قضية الانفاق وقبل ذلك افتعال المشكلة مع وئام وهاب في بلدة الجاهلية في محاولة لجر لبنان لأقتتال داخلي وبالتزامن مع كل ذلك ألتصريحات التي ادلى بها السفير السعودي في واشنطن خالد بن سلمان ضد حزب الله متهما اياه بالارهاب ،كل ذلك يوحي بان ما جرى كان مجرد محاولة فاشلة لجر لبنان الى فتنة لاضعاف حزب الله وحلفائه وليس لجر المنطقة الى حرب كما حاولوا ان يوحوا في بداية الحدث لانه ليس لهم قبل عليها كما اسلفنا ..

قد يقال في اسرائيل ان نتنياهو قد افتعل قضية انفاق الشمال وعملية درع الشمال للتغطية على فضاىح الفساد التي تلاحقه وزوجته وقد يقال غير ذلك من القضايا الشكلية لتفسير ما جرى ولكن المسالة التي لا جدال فيها ان زمن العربدة الاسرائيلية ومعه زمن الحروب السهلة والخاطفة قد ولى والى غير رجعة . ومن شاهد الرسوم الكاريكاتورية الساخرة من نتنياهو التي نشرتها اليوم الصحف الاسرائيلية على خلفية مسرحية اكتشاف انفاق حزب الله الهجومية بحيث بات مادة للتندر والسخرية ،يدرك ذلك بجلاء . واخيرا فان اشد ما يؤثر على الوضع النفسي والمعنوي المعسكر المعادي للمقاومة هو صمت حزب الله عن ذلك وكأن المسالة لا تعنيه. .

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here