محمد القطاري: أرقد في سلام جورج بوش رغم عاصفة الصحراء و الحصار !

محمد القطاري

مات جرج بوش الأب عراب النظام العالمي الجديد و قائد حرب عاصفة الصحراء- الحرب الحضارية الأولى كما سماه المرحوم البروفسور المهدي المنجرة -ضد العراق  الذي واجه فيها لوحده احدى و ثلاثين دولة . هناك من يعتبر الموت خروج الروح من الجسد و هناك من يعتقد  كجبران خليل جبران ” أن الانسان لا يموت دفعة واحدة وإنما يموت بطريقة الأجزاء ” ، لكن مازلت أومن أن الموت الحقيقي موت الأعماق و موت الضمير الإنساني .

وحرب عاصفة الصحراء  17يناير1991  كان  سببها المباشر هو غزو العراق للكويت 1990 – و ان كان منشأ النزاع ببن الجارتين  يعود الى اتفاقية سايس بيكو و ما قبلها – و قد عرضت العراق العديد من الحلول الدبلوماسية للأزمة إلا أن الولايات المتحدة أبطلت جل ذلك لأن ” صدام حسين مارس عدوانه على الطرف الخطأ”( ماذا يريد الهام سام نعوم تشومسكي 47 ) ، و ” برفضها للدبلوماسية حققت الولايات المتحدة أهدافها الرئيسة في الخليج  قبضنا على مصادر بترول الشرق الأوسط، وقبضنا أرباحها الهائلة لتحسين اقتصادنا و اقتصاد حليفتنا بريطانيا . كذلك أحكمنا سيطرتنا على امدادات البترول للعالم و دعمنا سيدتنا عليه، و أعطينا للعالم درسا في أن الحكم للأقوى”( ماذا يريد الهام سام نعوم تشومسكي51)  . كما ان هناك خمسة أسباب لغزو العراق حسب البروفيسور المهدي المنجرة ” أولها أن الولايات المتحدة الأمريكية و هي تحاول إعادة ترتيب النظام العالمي الجديد هي  القطب  الواحد بعد تحلل القطب السوفياتي كقوة للتوازن، لم تستسغ ان تكون بمنطقة الخليج العربي ..دولة تنمو و تتجه نحو الاستقلال عن سلطتها، هذه الدولة التي هي العراق. و ثانيها أن العراق لما حاول أو استطاع تحقيق استقلال تكنولوجي عن الغرب بدأ يهدد أمن مصالح الغرب كله سواء لتأهله لتقليص وهم التفوق الغربي أو لتهديده أسواق الغرب لبيع التكنولوجيا الجاهزة. و ثالتها أن الألة العسكرية للعراق حققت خبرة وقوة، أصبح من شأنها تهديد الكيان الصهيوني المزروع بالمنطقة كقاعدة للغرب الصليبي و للولايات المتحدة الأمريكية خاصة. ورابع هذه الأسباب أن الغرب أدرك قوة العراق الحضارية كمهد للثقافات و كأرض للذاكرة العربية و الإسلامية أو غيرها من الثقافات الأخرى . و أخيرا فإن الغرب كما يرسم في سيناريوهاته هو مضطر لتجديد ربط خيوط التبعية إليه بعد تآكل الاستعمار القديم، سواء دخل العراق للكويت أولم يدخل، فقد كان الغرب مستعدا للدخول في فترة ما بعد الاستعمار لتحقيق سيناريو التمزق من جديد (الحرب الحضارية الأولى كما سماه المرحوم البروفسور المهدي المنجرة116-117)

فالنظام العالمي الجديد الذي نادى به جرج بوش الاب المغلف في بلاغة متناهية هو موجه للشمال، أما ما خلف السطور؛  فما هو الا السيطرة على عالم ما بعد نهاية الحرب الباردة، و انهيار الاتحاد السوفياتي، ومحاربة الخارجين عن الصف خاصة من دول الجنوب العراق نموذجا” فبينما كانت القذائف تمطر سماء بغداد و البصرة، و على رؤوس الجنود الإلزاميين المختبئين في حفر بائسة في صحراء جنوب العراقـ ، أعلن الرئيس بوش أن الولايات المتحدة ستقود نظاما عالميا جديدا، تتوحد فيه مختلف الأمم على مبدأ مشترك يهدف الى تحقيق طموح عالمي لمصلحة البشرية، عماده السلام، و أركانه الحرية و سيادة القانون “(النظام العالمي الجديد والقديم لـ نعوم تشومسكي14 ) . و الخطاب يحتاج الى قراءة سيميائية  لأن جورج بوش الاب آنذاك يتحدث عن مبدأ مشترك عمداه السلام و يقوم بمذبحة في العراق؛ فالسلام مقصود به دول الشمال و بمفهوم المخالفة الحرب لدول الجنوب و العراق كانت المختبر الميداني . و عندما تحدث عن الحرية؛ فالمقصود به حرية السوق لدول  الشمال، ودول الجنوب ما هي إلا عبارة عن  أسواق استهلاكية و تصريف الفائض الإنتاجي لدول الشمال، و عندما تحدث عن سيادة القانون؛ يعني سيادة المواثيق الدولية التي تكرس للشمال حقوق و للجنوب واجبات و مزيد من الاستعباد . و بالتالي فهل تم احترام المادة 3 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان في حق الشعب العراقي “لكلِّ فرد الحقُّ في الحياة والحرِّية وفي الأمان على شخصه” .

لم يكتفي الميت بسلام !! بالعاصفة بل تلاها بالحصار حيث وضع الشعب العراقي في تجربة الفلسفة الهجلية (نسبة الى هيجل) نظرية التحطيم الذاتي “وقد حدد فريدمان مبررات ذلك الحصار بالتأكيد على ان سكان العراق يجب أن يصبحوا رهائن ليجبروا الجيش على الإطاحة بصدام. و بحسب هذا المفهوم فإنه إذا ما عانى العراقيون بدرجة كافية، فإن إدارة الرئيس بوش تعتقد بأن بعضا من جنرالات الجيش سيتقدم ليصل الى السلطة مزيحا صدام كي تحقق واشنطن أروع أيامها حين يعود العراق الى حزام التحالف الذي يضم السعودية و تركيا و أتباعهما “”(النظام العالمي الجديد والقديم لـ نعوم تشومسكي16 )

في تقديري إذا لم نفهم طبيعة العلاقة بين الشمال و الجنوب، و نتكتل جنوب -جنوب سيظل الوطن العربي عبارة عن اتفاقية سايكس بيكو متجددة عبر الأجيال .

 الى ذاكرة الألم التي تستعصي عن النسيان و الشهداء من الأطفال و النساء الذين سقطوا في مذبحة العصف المأكول حرب الخليج الثانية، و بعدها و الى حضارة بابل المندثرة ، الى  المتاحف و المآثر و المكتبات و العمران التي أصبحت في خبر كان، و الى سياسة النعام للحاكم العربي (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) آل عمران:140

المغرب

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. تحليل في الصميم ايها العزيز ينقصه فقط خيانة اذيال الاستعمار حكام العرب و خذلانهم لصدام اخر الرجال

  2. تحليل في الصميم ايها العزيز ينقصه فقط تخاذل و خيانة اذيال الاستعمار حكام العرب

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here