محمد الفرسيوي: في معرض الكتاب الدولي بالبيضاء 2019 لوحةٌ لضعافِ البصر ولمَنْ حُرمَ من نعمةِ البصر…!

محمد الفرسيوي

   في هذا العام، وفي المعرض الدولي 2019 للكتاب بالدار البيضاء المغربية، وجدتُ نفسي أنجذبُ نحو رواقٍ صغيرٍ، يعج نشاطاً بألقِ الصغار، تطلعُ منه رائحة الطين والألوان والطفولة والقيم والآمال الرفيعة، فيُغري فضولاً بالوقوفِ والنظرِ، وبالاستكشافِ والكتابة والرهان..

   وهكذا كان…!

  الفنانة فوزية جعيدي تعرضُ لوحةً فريدةً، تُخاطبُ طاقةَ اللمسِ المبدعةِ والخلاقةِ لدى ضعافِ البصر وغيرِ المبصرين، وفي الآنِ نفسه كانتْ تُنَشطُ ورشةً إبداعيةً فنيةً تشكيليةً في الموضوع لفائدةِ جماعاتٍ مُتعاقبة من هؤلاء الأطفال، بمساهمةِ نشيطاتٍ عن الجمعية المنظمة وإسهامٍ موفقٍ من لدنِ الفنان التشكيلي المغربي سعيد جعيدي، وذلك تحت لواءِ جمعية  AMARDEV، التي تسهر في رواقٍ صغيرٍ جميل داخل المعرض (جناح D) على عرض هذه التجربة المُميزة.

   طويلاً، وقفتُ أتأملُ لمساتِ الأيدي الهادئةِ الناعمةِ العميقةِ للصغارِ والكبار، وهي تتعاقبُ على قراءةِ وتذوقِ هذه  اللوحة الفريدة لمساً، فأزدادُ انشداهاً لما يجري أمام عيني، فأرددُ مع نفسي؛ إنهم يرون بخيمياءِ القلبِ وبنورِ الله طبعاً، فأتأكدُ إلى حد اليقين، أن الفنونَ الجميلةَ كما الإبداع  والجمال عموماً تُدركُ بكل الحواس ، بل بكل دِفْءِ وتفاصيلِ الروحِ  والأعماقِ أيضاً، فيصير لها مذاق المتعةِ والاستمتاع … وفي كل الأحوالِ، وفي الذوقِ الأنيقِ، لا فرق بين مُبصرٍ وغيرِ مُبصرٍ، إلا بسمو الروحِ وخيمياءِ الجمالِ والقيمِ الإنسانيةِ الرفيعة.

   فضولي هذا، وربما سحرُ الكينونةِ في اللحظة، ومعها سحرُ الرؤيةِ بالأناملِ الصغيرةِ الناعمةِ لدى طفلاتٍ وأطفالٍ يُدغدغنَ ويدغدغون أشكالاً ورسوماً وألواناً فوق لوحةٍ أنا أراها… هذا السحرُ أو هذا الانْسْحارُ الذي عَبَرَنِي طولاً وعرضاً، حفزني على أنْ أقررَ الكتابةَ في الموضوع.

   ومن الرباط، اِقتحمتُ مُسَنْجِرْ صفحةَ الفنانة فوزية جعيدي على الفايس، حيثُ تمتْ بيننا دردشةٌ مُطولةٌ في الموضوع، أنقلُ منها للقراء، هُنا والآن، ما بَدا لي مفيداً أو كفيلاً بتسليطِ الأضواء على هذه التجربةِ الفريدة، في حيزِ المقال وشرطِ المَقام…!

   تقولُ فوزية جعيدي عن هذه اللوحة؛ لقد عرضتُ اللوحةَ في إطارِ التجريب على عيناتٍ إما مِنْ ضعافِ البصر أو مِمنْ لا يبصرون، فتبَينَ لي أن التجربةَ تشق طريقها وتحققُ أهدافها… وفي لقاءٍ حول الفيلم التربوي بقاعةِ الحسن الثاني الوسائطية بالبيضاء شهر دجنبر 2018، عرضتُ اللوحةً لأولِ مرة، حيث تجاوبتْ معها إيجابياً أناملُ ولمساتُ هذه الفئةِ من ذوي الاحتياجاتِ الخاصة، لذلك لم أترددْ في عرضها بمناسبةِ المعرض الدولي للكتاب بالبيضاء في دورته الثانية عشرة 2019…

   تضيفُ فوزية جعيدي، جواباً عن استفساراتي، “الداعي والحافز على ركوبِ مغامرةِ الإبداعِ التشكيلي لغيرِ المُبصرين ولضعافِ البصرِ عموماً، يسكنني منذ أن فَقَدَ أبي بصرَهُ فجأةً أما عيني وأنا على مرمى الحجر منه…! لا زالتِ هذه الواقعةُ وشماً حياً يُرزق، في تفاصيلِ ذاكرتي وكل أعماقي رغم مرورِ الزمن… ولعل هذه الواقعة، وهي تُعززُ سجلَ تجربتي، أعني سجلَ تربيتي وتنشئتي وقناعاتي الإبداعية والفكرية والإنسانية عموماً، هي من قادتني للتطوعِ المنتظم في العمل الجمعوي الإنساني الذي يستهدفُ هذه الفئة من ذوي الاحتياجات الخاصة بصرياً… وهنا تشكلتِ الرؤيةُ وتشاكلتْ، تبَنيتُ الصبي طه، وصرتُ أسرقُ من وقتي كل الوقتِ المتاحِ للعملِ والعطاءِ العاطفي والفني، في هذا المضمار…

   هذا ما كان…!

   لكن، أي آفاقٍ لهذه التجربة الفريدة، في أوضاعنا؟ ماذا بعد هذه اللوحة الفريدة؟ هل تصيرُ اللوحةُ الفنية، كما الكتاب والجمال تماماً، جزءً لا يتجزأ من استحقاقاتِ تأثيثِ بيوتنا وأمكنتنا وأرواحنا، مبصرين أو غير مبصرين…؟ هل نُطَلقُ يوماً عماءَ العقلِ والروحِ، قبل تجاوزِ اختلالاتِ البصيرةِ دفعةً واحدة، فنرتقي…؟ كيف ومتى ولماذا، ومن أجل ماذا…؟؟؟؟ هي أسئلتي، في الآتي من الوقت، في انشغالاتي، ومن ما تبقى من عمري…

   وهذا ما قد يكون…؟ وإنني أحلم!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here