محمد الفرسيوي: “الغوطة” والقناة الثانية بالمغرب؟

محمد الفرسيوي

مساء الأحد، 25 فبراير 2018، وأنا أتابعُ أخبارَ ومستجداتِ الملفِ السوري مُتنقلاً بين قناةٍ وأخرى، اِستوقفني تقريرٌ إخباري في الموضوعِ على القناةِ الثانيةِ المغربية.

 التقريرُ مصحوبٌ بالصور، عِلاوةً على صوتِ مذيعٍ مُتأكدٍ من نفسه، اِنْبرى لوصفِ وعرضِ ما اعتبرته القناة “مأساوية الوضع الإنساني في الغوطة الشرقية”، وكذا لإظهارِ معاناة ما أسمته بالمعارضة المسلحة بها جراءَ قصف النظام السوري بالبراميل وما شابهها.

 في ذاتِ الوقتِ، أو قبله ببضعِ ساعات، كان مجلس الأمن قد صادق على قرارٍ في الموضوع، لم تنجحْ أمريكا وبريطانيا وفرنسا وبقيةُ التوابعِ في تمريره مثلما تم تقديمه في الأصلِ عبر دويْلَةِ الكويت والسويد الباردة !… وذلك موازاةً مع حملةٍ إعلاميةٍ واسعة، مدروسةٍ ومنظمة، قبليةٍ وبعدية، تسعى إلى تمريرِ مسْوَدةِ القرار، وإلى التحضيرِ لتوجيهِ ضربةٍ أخرى لبلدِ الياسمين، حمايةً لمليشياتِ التوحشِ والإرهاب، انتقاماً للكيان الصهيوني (F16) من أجلِ تَغَولِه وبقائه، تكريساً لإنهاكِ سورية وإضعافِ المقاومة، واستدامةً للوجودِ الأمريكي والأجنبي فوق الأراضي السورية وفي المنطقة كلها…

الصورُ ومعها العباراتُ المصنوعةُ صنعاً في تقرير مثلِ هذه القنوات، تعكسُ هذا التهافت. سيما وأنها بالذات تلك التي عُممتْ مِنْ لدنِ الآلة الإعلامية الإرهابية والصهيونية، على مواقعِ التواصلِ الاجتماعي وبعضِ البوابات الإلكترونية، لِتتلقفها تواً وسائل الاتصال السمعي البصري التابعةِ لأمريكا وبريطانيا وفرنسا، الغربيةِ والخليجيةِ والواقعةِ تحت النفوذِ الصهيوني… وهي الصورُ المفبركةُ من أرشيفِ غزو أمريكا للعراق وحروبِ الاحتلال الإسرائيلي على لبنان وغزة وكل فلسطين… ومن مناطق أخرى جرتْ أو تجري فوق أراضيها، وبدماءِ ومآسي شعوبها، صراعاتُ مصالحِ هذه القوى الأجنبيةِ ذاتها.

 الآن، وفي القليلِ من الوقتِ المقبل، وبعد الفشلِ في تمريرِ قرارِ وَقْفِ إطلاقِ النار كما خطط له التحالف الامبريالي الصهيوني الرجعي، تَعملُ ميلشياتُ التوحشِ والإرهابِ من جديد، تحت قيادةِ التحالف الأمريكي الغربي والخليجي، على فبركةِ حالةٍ أكثر مأساوية أخرى في الغوطة الشرقية تحديداً، تتعلقُ بسيناريو إخراجٍ مُجَددٍ، يُظهرُ استعمالِ الأسلحة الكيماوية من طرف الدولة السورية… وقد شُرِعَ في بَث بعضِ الصورِ المفبركةِ هاته على بعض المواقعِ والبواباتِ ووسائل التواصل الاجتماعي، بمجردِ انتهاء اجتماع مجلس الأمن الأخير.

 القناةُ الثانيةُ هاته، المحسوبةُ قناةً مغربية، لا شك أنها تُصَرفُ موقفاً رسمياً للحكومة التي تجمعها بالأردوغانية والإخوان المسلمين روابطُ الإيديولوجيا المُدمرةِ… ولا شك أيضاً أنها تعكسُ تَمَوْقَعَ المملكةِ في صف التحالفِ الغربي والخليجي، حين تمر مُرورَ “المُنْحاز” أو المُستعجِلِ أوِ غيرِ المُكترثِ أصلاً، على ما يجري في عفرين وضفافِ الفرات، وفي اليمن المنكوبِ والقدس وكل فلسطين المحتلة…؟

 مثلً هذا الموقفِ أو هذا التموْقعِ، بات معروفاً عن هذه القناة وعن إعلامِ الحكومةِ وإذاعاتِ وصُحُفِ ومواقعِ بعضِ الدخلاءِ على مهنةِ الصحافةِ والإعلامِ ببلادنا. أما السؤالُ والحالة هذه، فَأَهَم وأبعدُ مِنْ أنْ نُطالبَ قناتنا الثانية وغيرها، بالكف – حالاً أو مستقبلاً – عَنِ الانخراطِ الأعمى في معاركِ هذه “الفبركةِ القذرة” للمآسي، تطعيماً لحربٍ ضروسٍ على بلدٍ مستقل، ذي سيادةٍ وصامدٍ بامتياز، وذلك حتى لا أقول؛ ضد بلدٍ شقيقٍ أو ذي حضارةٍ عريقةٍ جداً… فما السؤالُ الأهم إذن؟ وما الأبعادُ القاتلةُ لمثلِ هذا “التهافُتِ البليد”؟

هُوَ هَذَا تحديداً موضوعُ سطوري المقبلة. أتمنى أنْ أُوفيهِ حقه. أما الأحمقُ، فليس مَنْ يحرثُ فوق السطح، إنما الأحمقُ هُوَ مَنْ يًخَمسُ معه ! (مِنً “الخَماسْ” عندنا !، والخَميسُ من أسماءِ الحربِ في لسان العرب)…؟

 كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. خلكان
    مرحبا بابن بلد يوسف ابن تاشفين مقال اصاب الطريدة في كبدها ا القناة الثانية قناة دوغمائية اغلب برامجهاموجهة لتجنيب العقل والفكر المغربي انتظر منك المزيد لانارة الرأي المغربي شكرًا لك

  2. شكرا لك و هنيئا لك على سلاسة قلمك و غزارة علمك و عمق تحليلك و اننا نفتخر بشبابنا المنخرط في المشروع الوطني مثلك حسبتهم قد تبخروا مع العولمة و رداءة التعليم اللذي ينخر جسم المنظومة التربوية ببلادنا

  3. للإفادة فقط، “الخمّاسُ” في العُرْفِ الفلاحي في المغرب هو شخص يتعاقد مع فلاّحٍ مالكٍ للأرض مقابل “خُمُسِ” الغلّة!

  4. استاذ محمد، اتمنى أن يتمعن القراء والمحللون والمتابعون لما يجري في سوريا بكل كلمة في مقالك . تحليل منطقي وواقعي وينطلق من أخلاقيات رفيعة ودراية دقيقة بالواقع السوري وبما يخطط لهذا البلد العزيز.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here