محمد الخليفي: حراك “السترات الصفر” في فرنسا: ما الذي اختلف عن الحراك في المنطقة العربية؟

محمد الخليفي

شهدت فرنسا و منذ أسابيع عديدة سلسلة من الاحتجاجات التي عمت العديد من المدن الفرنسية و على رأسها مدينة الأنوار “باريس” حيث اتخذت هذه التظاهرات منحى عنيف و خطير للغاية عكس متلازمة العنف الثوري و الاحتجاج  الذي طبع مسار الاحتجاجات و الثورات في تاريخ فرنسا، فنتيجة لمجموعة من الإجراءات الضاغطة على الواقع المعيشي للطبقات الشعبية في فرنسا و التي تراكمت عبر عقود من الزمن أقلها منذ تولي “ساركوزي” للرئاسة الفرنسية  حيث تواصل فرض الضرائب و رفع الأسعار في عهد “ماكرون” لتكون هذه الإجراءات هي القشة التي قصمت ظهر البعير و ليطفح الكيل بالفرنسيين فكانت حراك “السترات الصفر” انعكاسا مباشرا لمعانات الشعب الفرنسي، و إذا كان الحراك الشعبي في فرنسا يتشارك مع مجموعة من الحراكات الملونة و غير الملونة التي عمت العالم خاصة المنطقة العربية في مجموعة من الخصائص، فما الذي يمنعة من الانزلاق إلى مآلات الحراك العربي؟ و هل ثمة موانع و شروط تمنع احتجاجات “السترات الصفر” من تكرار الصورة المأساوية و المحبطة التي تمخضت عما سمي ب”الربيع العربي”؟

إن المتأمل في سياقات الحراكات الشعبية في المنطقة العربية و الحراك الشعبي في فرنسا و المتمثل في احتجاجات “السترات الصفر” سيرصد مجموعة من الملاحظات التي تشكل في مجملها نقاطا للتلاقي بين مجموع هذه الحركات الاحتجاجية، حيث أضحت هذه النقاط سيمة أساسية طبعت التحركات الشعبية في عصر العولمة و الانترنت، و يمكن اختصارها في أربعة ملاحظات رئيسة:

  • حراك شعبي جاء نتيجة لتراكم الضغط على الطبقات الشعبية و الطبقة المتوسطة.

  • حراك متجاوز للأحزاب و النقابات.

  • حراك بدون قيادة أو إيديولوجيا معينة.

  • حراك تبلور عبر الفضاء الأزرق و مواقع التواصل الاجتماعي.

  • جنوح الاحتجاجات إلى استعمال قدر غير يسير من العنف و الفوضى.

من جهة أخرى فإن منطق القانون الاجتماعي سوف يؤدي بما إلى تصور حصول نفس المشهدية التي طبعت احتجاجات المنطقة العربية في فرنسا أخذا بعين الاعتبار لكل هذه الخصائص المشتركة بينها، و الواقع أنه و بالرغم من اشتراك كلا الحراكين في العديد من الخصائص إلا أن ثمة مجموعة العناصر الغائبة عن المشهد الاحتجاجي الفرنسي و الذي يمنعه من الانزلاق إلى ما آل إليه الوضع في المنطقة العربية، و لعل ابرز هذه العناصر هي:

  • الضخ الإعلامي الهائل و الممنهج من قبل الأذرع الإعلامية الرأسمالية المسيطرة.

  • الضخ المالي الهائل و السخي.

  • الضخ التسليحي المؤدي إلى عسكرة الاحتجاجات.

  • الضغط السياسي عبر مواقف الحكومات الرأسمالية و أدواتها.

  • الضغط عبر استغلال مؤسسات ما يسمى بالمجتمع الدولي.

إن هذه النواقص التي تعوز الحراك الشعبي الفرنسي هو الذي يجعله حبيس حدود و أسقف لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال مهما كان حجم العنف المستخدم فيها، و بالمقابل فإن النسخة العربية و نتيجة توفر الشروط المذكورة أعلاه قد نحت و بشكل دراماتيكي نحو المشهدية المتسمة بالفوضى العارمة و تدمير الدول و تمزيقها.

 في الختام و بناء على كل ما سبق يمكن القول بأن مآلات الاحتجاجات في العالم تخضع  لهندسة دقيقة و مخطط لها من قبل دوائر الرأسمال العالمي و ذلك من أجل تكريس و خدمة مصالحها الإستراتيجية، إلا أن عملية “هندسة الثورات” هاته لا يعني أنها قدر على الشعوب المستغلة و المنهوبة إذا توفر الوعي العميق و التصور الشامل و اليقظة، خاصة إن الرأسمال العالمي قد دخل في مرحة أزمة عميقة و خطير في آن واحد،  فما يجري و سيجري في فرنسا و بلدان غربية أخرى ما هي إلا تجليات صارخة لهذه الأزمة التي أصابت كيان و بنية النظام الرأسمالي الذي دخل عصر اللبرالية الجديدة و بالتالي فإن مثل هذه المظاهر الاحتجاجية و الأزمات المالية و الاجتماعية و السياسية ستستمر في البروز على المشهد السياسي الغربي و العالمي إلى أن تؤدي و نتيجة لتراكمها  في مرحة معينة إلى انهيار المنظومة الرأسمالية المتوحشة و ذلك بشكل حتمي.

باحث من المغرب

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. ديموكتاتوريتنا و … ديمقراطيتهم

    بعد ثلاثة أسابيع من الاحتجاج العنيف في فرنسا لم تسقط ضحية واحدة، بينما في يوم احتجاج واحد يمكن لنظام عربي أن يقتل الآلاف من أبناء شعبه، بدون أن يكترث لأرواحهم.. فضلاً عن أنه لا يكترث لمطالبهم ولا يستجيبُ لها.
    فلا مجال للمقارنة بين شعوب تخرج إلى الشارع وتحتج وتعود في آخر النهار إلى بيوتها، وقد حققت مطالبها، وشعوب تخرج إلى الشارع فتعود إلى القبور بسبب رصاص القمع والاستبداد..

    دعوا فرنسا لأهلها و لنبك على أحوالنا .

  2. أسباب العنف من لدن أصحاب السترات الصفراء الحقيقية هي غير ارتفاع الأسعار هناك أسباب مبطنة؛ تراجع الدفاع عن حقوق الإنسان و الوقوف مع أنظمة المنشار و القمع من قبل الجمهورية و تراجع السياسية الخارجية الفرنسية في المجال ،

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here