محمد الخليفي: ثلاث مشاريع جوهرية في تحديد معالم نظام التعدية القطبية

محمد الخليفي

تشهد العلاقات الدولية المعاصرة دينامية عميقة و متسارعة في آن واحد في اتجاه ترسيخ نظام عالمي جديد يتزحزح تدريجيا عن نظام الأحادية القطبية و ما يرافقها من هيمنة و استحواذ على قرار الحرب و السلم العالمي، إلى نظام ينحو بثبات نحو تعددية قطبية تسمح للكثير من الكيانات و التكتلات الإقليمية و الدولية بلعب أدوار متنامية و مؤثرة على المسرح الدولي، ما أدى إلى بروز عدة قوى دولية و إقليمية تبحث لنفسها عن مكانة في خضم كل هذه التحولات و تطمح للعب أدوار غير تقليدية في محيطها الإقليمي و الدولي، فمنذ تفكك “الاتحاد السفياتي” و انهيار “جدار برلين” و الذي سمح باستفراد “الولايات المتحدة الأمريكية” بزعامة العالم و تكريس نفسها “قوة خارقة” لعالم ما بعد الحرب الباردة ، فإن هذه القوة ما فتئت أن وجدت نفسها أمام واقع دولي يعمل بشكل حثيث على تفتيت عوامل الهيمنة الأمريكية و يعمل على تآكلها في كل فرصة، و هكذا برزت مجموعة من المشاريع و الرؤى و التصورات التي  تستهدف خروج النظام الدولي من حالة الأحادية القطبية إلى حالة التعددية القطبية التي لا مكان فيها للهيمنة الأمريكية.

في الواقع ثمة العديد من المشاريع المهمة التي استهدفت البحث عن لعب أدوار دولية و إقليمية بشكل مستقل عن الإرادة الأمريكية و توجهاتها سواء في أمريكا اللاتينية أو قارة آسيا أو غيرها من المناطق، إلا أن المتأمل في كل هذه المشاريع يمكنه حصرها في ثلاث مشاريع جوهرية و هي:

  • مشروع أوراسيا الروسي: تتمحور فكرة المشروع الأوراسي و التي تعد أحد أهم اتجاهات الفكر السياسي الروسي، حول استغلال الموقع الجيوسياسي لأوراسيا بحيث تكون فيه روسيا مركزا للعالم الأوراسي، و بشكل يسمح لهذه الكتلة الجغرافية الواسعة التصدي لنزعة الهيمنة لدى الحضارة الغربية و ذلك عبر العمل على إيجاد نوع من الإتحاد بين شعوب أوراسيا و تحقيق التعاون و التكامل فيما بينها دون إغفال لمسألة الأمن الجماعي لهاته الشعوب، و قد كان إنشاء منظمة “شنغاي” و كذا معاهدة “الأمن الجماعي” تجسيدا عمليا لهذا المشروع الروسي الذي يرجع ظهوره في الواقع إلى القرن الماضي، إلا أن تولي “بوتين” للسلطة في روسيا بعد فترة من الانكفاء و المشاكل التي تخبطت فيها روسيا مباشرة بعد تفكك “الاتحاد السوفياتي” و ما تلاه من محاولات أمريكية من أجل إضعاف و محاصرتها عسكريا و اقتصاديا و سياسيا، أعاد إحياء هذا المشروع و بشكل متزامن مع عودة روسيا القوي للعب أدوار مؤثرة على المسرح الدولي.

  • مشروع الحزام و الطريق الصيني:بعد فترة ليست بالقصيرة على انتهاج الصين لسياسة خارجية تتسم عموما بالانعزالية، و جدت الصين نفسها أمام وضعية دولية تتحتم عليها التخلي عن سياستها الخجولة و الانخراط تدريجيا في قضايا السلم و الحرب و التعاون و التنمية الدولية إن هي أرادت تتوج نفسها قوة اقتصادية و عسكرية أولى في العالم و ما تتطلبه من جهد اقتصادي و تنموي و حتى و عسكري لحماية شبكة المصالح الصينية في العالم و حاجتها الملحة لإمدادات هائلة من الطاقة و المواد الخام، و في هذا السياق يأتي مشروع “الحزام و الطريق” باعتباره إحياء لطريق الحرير القديم، و الذي يمكن الصين من ربطها بالعالم عبر شبكة ضخمة من الطرق البرية و البحرية و ما يتطلبه ذلك من استثمارات كبيرة في البنى التحتية على طول امتدادات هذا الطريق الذي يضم أكثر من سبعين بلدا تحذوهم الرغبة في التعاون مع الصين لتحقيق تنمية تخرج عن المفهوم الأمريكي للتنمية، و في الواقع لقد أثار مشروع “الحزام و الطريق” الصيني مخاوف كبيرة خاصة لدى الولايات المتحدة الأمريكية لما له من تأثيرات حتمية على مكانة و زعامتها للعالم حيث وصف هذا المشروع بكونه:” يمثل حقبة جديدة من المنافسة العالمية بين أمريكا و الصين”.

  • مشروع الممانعة الإيراني:تعتبر إيران (سواء اتفقنا معها أم اختلفنا) من بين الدول المؤثرة في المشهد الإقليمي و التي تمتلك أوراق كثيرة و متجذرة تساعدها على تكريس نفسها كقوة إقليمية صاعدة لا يمكن تجاوزها في الكثير من الملفات الساخنة بالمنطقة، و قد عملت هذه الدولة و منذ اللحظة الأولى من انتظامها في شكل “جمهورية إسلامية” من إرساء مجموعة من المعادلات التي تجسدت في مشروعها الممانع و الذي يتسع ليضم رقعة جغرافية واسعة و حساسة جدا، و يمكن للملاحظ أن يلخص أركان هذا المشروع في ثلاث نقط أساسية:

  • العمل على مقاومة و التصدي و عرقلة المشاريع الأمريكية و الإسرائيلية في المنطقة.

  • اعتبار مسألة السيادة الكاملة و الاعتماد على الذات مدخلا ضروريا لبناء قدرة صناعية و عسكرية و ثقافية مستقلة.

  • اعتبار امن المنطقة و تنميتها منوط بتعاون و تكاتف دوله و ليس اعتمادا على أي قوة خارجية.

و في الواقع فقد استطاع هذا الشروع و بالنظر لما نلحظه في ميدان السياسة الدولية من تحقيق انجازات مهمة في اتجاه العمل الحد من هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية و الخروج بالنظام الدولي نحو أفق أرحب متسم بتعدية قطبية لا مكان فيها لسيطرة قطب واحد على الزعامة العالمية، و ما نشاهده من تصادم يأخذ أشكال مختلفة بعبر عن هذه الولادة العسيرة لهذا النظام الدولي، كما يعبر من جهة أخرى عن تآكل خطير لقوة الولايات المتحدة الأمريكية و ما يرافق ذلك من تداعيات إستراتيجية على مستوى تشكيل الوعي و بناء صور نمطية جديدة و تحطيم أخرى و الذي لا يقل أهمية عن المعارك ذات البعد المادي الصرف، فمعركة تشكيل الوعي تعتبر بمثابة الحد الفاصل بين الموت و الحياة ، بين النهوض و السقوط الحضاري، و هذا ما تفهمه أمريكا جيدا و تنفق عليه الكثير من الأموال في الدعاية و الإعلام و غيرهما، و بالتالي لا يمكن لها بأي شكل من الأشكال أن تسمح بخدش هيبتها و لو تحت يافطة نظرية “المؤامرة و الاتفاق” التي تروق للكثيرين.

في الختام يمكن التأكيد على أن العالم يعيش مرحلة ولادة عسيرة لنظام دولي متعدد الأقطاب يبدأ بتعددية اقتصادية على المدى القصير و المتوسط ليرسو على بر نظام متعدد الأقطاب كلي يشمل الاقتصاد و العسكر و الأيديولوجيا على المدى الاستراتيجي، فعلاقة الترابط و التداخل بين المشاريع الثلاث المشار إليها آنفا كبيرة جدا، لا تبدأ بحجم التبادل التجاري بين بلدان كل مشروع اعتمادا على العملات الوطنية التي من شأنها الحد من هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على النظام المالي العالمي، و ليس انتهاء بالتكامل العسكري بين كل مشروع حيث أنه لم يكن واردا و لا ممكنا بأي حال من الأحوال بروز روسيا بهذه القوة على الساحة الدولية و تدخلها في سوريا لولا قوة مشروع الممانعة و إمساكه بالكثير من الخيوط على الأرض و الذي بدونه لا يمكن لروسيا مثلا التدخل في سوريا و مجابهة مشروع الولايات المتحدة الأمريكية فيها، من جهة أخرى فإن الدينامية السريعة التي خلقتها هذه المشاريع على الساحة الدولية سمحت للعديد من الكيانات و الدول و بالرغم من ارتباطاتها مع أمريكا بلعب أدوار مستقلة عن الإرادة الأمريكية كما هي حالة تركيا ذات الارتباطات الأطلسية و التي استشعرت توجهات النظام الدولي و عملت على توزيع بيضها على أكثر من سلة، كما أبانت عن قسط مهم من القدرة على اتخاذ القرار وفقا لمصالحها القومية و الإستراتيجية درئا لكل التداعيات الوخيمة التي حتما ستطال العديد من البلدان والمناطق، عملا بالحكمة الأمازيغية الريفية التي تدعو إلى “توخي الحذر قبل وقوع الخطب، فإذا وقع فلا فائدة من ذلك لأن السيل يكون قد جرفه”.

باحث (المغرب)

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here