محمد الحوات: هل في إمكان المجتمع العلمي أن يكون مستقرا؟ رؤية برتراند راسل الفلسفية أسباب عدم الاستقرار و حدوده

محمد الحوات

 أصبح العلم مصدرا للتقنية الاقتصادية منذ بداية القرن الثامن عشر، و خلال مئة و خمسين سنة كحقبة زمنية وجيزة، برهن العلم على كونه قوة ثورية ذات قوة هائلة. و بهذه المدة الوجيزة التي سمت فيها قوة العلم و سيطرته نعتقد أننا ما زلنا في بدايات عمله في إعادة تشكيل حياة الإنسان.

فتأثيراته المستقبلية لا تزال موضع حدس و تنبؤ بالكثير،  يطرح برتراند راسل ( Bertrand Russel) إشكالا فلسفيا عميقا حول إمكانية مجتمع الفكر و التقنية أن يستمر في استقراره لفترة طويلة، محاولا تفصيل الأمر بين المعرفة العلمية و التقنية المرتبطة به. فالمجتمع يعتبر علميا اعتمادا على الدرجة التي تؤثر فيه المعرفة العلمية و التقنية على الحياة اليومية و الاقتصاد و المؤسسات السياسية. فالعلم في عصره الحالي بدأ بتغيير الحياة العادية للإنسان بوتيرة متزايدة و باستمرار، ولا زال اعتماد المجتمعات على العلم بصورة اكبر في المستقبل.

لكن أيهما أفضل الاستقرار أم عدمه؟ يتساءل راسل، ففي ظل نقاشه الموسوم بحكمته الراسخة، يورد بأننا نتأرجح وسط سباق بين مهارات الإنسان التقنية و بين طيشه و رعونته إزاء الغايات. فاستمرار وتيرة الطيش و الحروب هي طريق نحو الأسوأ.

وعند تصنيفه المنطقي لأسباب عدم الاستقرار للمجتمعات العلمية، يورد ثلاثة أسباب رئيسة تتمثل في الأسباب الطبيعية و البيولوجية و السيكولوجية.

  1. الأسباب الطبيعية

    حسب راسل، فإن الزراعة و الصناعة بدخولهما مجال التصنيع و التقنية، قد أدتا إلى هدر موارد العالم من المواد الطبيعية بصورة تزداد سوءاً، ففي المجال الزراعي أصبح الطلب على الغذاء ملح بدرجة كبيرة، مما يتطلب حكومة قوية لتطبيق الإجراءات اللازمة مع حدة ازدياد عدد السكان في العالم.

فالمواد الخام على المدى الطويل ستمثل مشكلة للعالم الصناعي كالنفط، و الحاجة تستدعي التعويض عن المواد الخام و مصادر الطاقة، لكن هذا سيضمن تناقصا تدريجيا لغلة مقدار محدد من الأرض و الجهد. و هو ليس إلا حلا مؤقتا؛ و طالما بقي العالم صناعيا، و هذا شيء مؤكد، فعليه الاستمرار بذلك. و هذا مصدر من مصادر عدم استقرار المجتمع و لا يمكن التخلص منه.

  1. الأسباب البيولوجية

    تقترن هذه الأسباب بزيادة سكان الأرض، هذه الزيادة التي تطورا كبيرا عن طريق تبني الزراعة و الثورة الصناعية و التطور الطبي، و منه أصبح الجدل قائما حول انتفاع الإنسان بكميات المحاصيل الغذائية المتوافرة. و مما ساهمت به التقنية العلمية في زيادة عدد السكان كانت مع الآلات الزراعية و الأسمدة المصنعة و الفصائل المحسنة للمحاصيل الزراعية و إنتاجية ساعات العمل و تحسين وسائل النقل.

لكن هل هذه القاعدة تكون صحيحة دائما في زمن الحرب؟ يتساءل راسل، فإذا لم يتم إيقاف هذا الازدياد في الساكنة سيحدث انخفاض كبير في مستوى المعيشة، و نقص للطلب على البضائع الصناعية مما سيؤدي إلى كساد صناعي .

و يخلص إلى نتيجة للسيطرة على زيادة السكان، بتبني تحديد النسل في العالم بأكمله، فهي الوسيلة الوحيدة الممكنة التي تجنب البؤس و الحرمان لغالبية الكائنات البشرية. و هذا يوجب مجتمعا علميا عالميا بحكومة عالمية إن أراد أن تكتب له الاستمرارية.

  1. الأسباب السيكولوجية

يناقش راسل هذه الأسباب النفسية التي تؤثر بوثيرة أكبر على الإنسان في مجتمع التقنية، فالعديد من المهتمين بالسياسة في مجتمعات التصنيع، لم يحاولوا تطبيق نظريات علم النفس الحديثة لتفسير الظواهر الاجتماعية المدمرة كالدعوة إلى الحرب و الانخراط في المغامرة المدمرة و عدم التواني في خوض المخاطرة التي تؤذي الإنسانية و ذلك نتيجة أمراض عميقة تاريخيا بسبب انعدام الانسجام بين مزاج

و أسلوب الحياة الحديثة.

و من مسببات هذه الأمراض في المجتمع الحديث هو سرعة تغير الظروف المادية و صعوبة توافق الإنسان بين الوعي و اللاوعي و تغير حياة الإنسان، ذات الجذور الثقافية العميقة، على تحمل الحياة في عصرنا الحالي.

  فالعلم قد سرع التغيير الخارجي لحياة الإنسان إلا أنه بالمقابل لم يجد طريقة مجدية لتسريع التغير النفسي.

و تنبع المشكلة النفسية من طبيعة المجتمعات الحديثة نفسها، و التي تتميز بالارتباط العضوي الشديد بين أفرادها بدرجة عالية عما كانت عليه المجتمعات “ما قبل صناعية”، الشيء الذي يكبح الطموحات

و الإرادات و المبادرات الفردية.

  • فماذا يجب على العالم العلمي أن يحققه لكي يكون مستقرا على مدى تاريخه المستقبلي؟

يقدم راسل مجموعة من الاقتراحات التي جاءت في محاضراته و ضمنها في متن كتبه المتعددة بكل جرأة معرفية و نقد بناء لكل الأنظمة و المجتمعات العلمية إن هي أرادت أن تتغلب على مخاوفها المستقبلية، حيث يورد جملة من التوصيات:

أولا، نزع الأسلحة المدمرة و إبرام اتفاق متبادل بين كل القوى الكبرى، إذ لا سبيل إلى التخلص من الحقد و الكراهية إلا بإيجاد جو دولي عقلي و أخلاقي يحقق الضمانات للعيش المشترك؛

ثانيا، تحرير الشعوب التي لا زالت مستعمرة أو خاضعة لطغيان غيرها من الدول؛

ثالثا، إنهاء الشرور القائمة على المنافسة و حب السلطة و الكراهية و ذلك عن طريق تربية أفضل و نظام سياسي أمثل[1].

.نحو عالم مستقر:

  من ضمن الخلاصات، كون أي مجتمع علمي يستطيع ضمان ثباته إذا توافرت له شروط معينة؛ أولها، حكومة موحدة للعالم كله تستطيع فرض السلام؛ و ثانيها، انتشار الرخاء و الرفاهية بين الجميع بحيث لا يكون مجال للفرق بين كل أجزاء العالم. و ثالث الشروط، فيتمثل في انخفاض معدل مواليد العالم في كل مكان بحيث ثابتا أو شبه ثابت؛ أما الشرط الرابع فهو توفير سبل الابتكار الفردي و المبادرة الشخصية في كل من العمل والسعادة لكل الأفراد، مع أكبر قدر ممكن من توزيع القوة بما يتفق و المحافظة على الإطار السياسي و الاقتصادي الضروري.

و إلى أن تتحقق هذه الشروط، يظل العالم العلمي معرضا لأخطار شديدة، أبشعها هو القضاء على الجنس البشري في حرب كبيرة، و خطر السقوط في الفوضى عبر العالم و الهبوط العام في مستوى المدنية و الاستبداد و النزعة الفردانية.

فلا بد للعقل أن يتطلع إلى رؤية العالم ينعم باستقراره.

   إن الإنسانية الحكيمة لا تأتى في السياسة كما في غيرها، إلا بأن نتذكر أن كل الجماعات حتى أكبرها، تتكون من أفراد. و أن الأفراد يمكن أن يكونوا سعداء أو تعساء، و أن كل فرد غير سعيد في العالم يمثل فشل الحكمة الإنسانية و فشل الإنسانية نفسها؛ و من ثم ينبغي ألا تكون أهداف السياسة أشياء مجردة، بل يجب أن تكون معينة وواضحة. فالعالم في حاجة إلى الحكمة و العطف الإنساني بدرجة متساوية، و كلاهما يفتقر إليه العالم في الوقت الحاضر[2].

فماذا يمكن أن تكون الخطوات الأولى في مثل هذا المأزق الإنساني- الوجودي؟

يرى راسل( B.Russel) أنه ليس هناك سوى وسيلة واحدة لتأمين العالم ضد الحرب، بان تكون القوة العسكرية و السياسية بيد هيئة واحدة على شكل حكومة عالمية، و يجب أن تحدد الحكومة العالمية قواعد معينة لاستخدام قوتها العسكرية في حال قيام نزاع في العالم، كما يتطلب الأمر سيطرة كاملة على نظم التربية التي تحظى بموافقة هذه الهيئة، و تكون مهمتها الأساسية منحصرة في الأهداف الثلاثة الرئيسية:

  • حل مشكلة السكان بوسائل الحد من التزايد المستمر في جميع أنحاء العالم و توفير المأوى و الغذاء المناسب لهم؛

  • تسوية المشاكل العنصرية بإلغاء الفوارق بين جميع الأجناس؛

  • إنهاء مشكلة التطاحن المذهبي و العقائدي و ذلك بتقريب وجهات النظر و تبديد المخاوف و الانفعالات القديمة التي تكمن في أعماق النفس البشرية[3].

إن كل زيادة في التقنية إذا أريد لها أن تكون مصدرا للزيادة في السعادة الإنسانية، تتطلب زيادة مقابلة في الحكمة.

لقد حدث خلال المائة و الخمسين سنة الماضية زيادة لم يسبق لها مثيل في التقنية و الأساليب العلمية، و ليس هناك ما يشير إلى أن هذا المعدل سينخفض؛ لكن بالمقابل لم يحدث في هذه الفترة من تاريخ الإنسانية أية زيادة في الحكمة الإنسانية بمعناها الفلسفي الأخلاقي الإنساني.

فقواعد السياسة لا تزال كما كانت سائدة حتى قبل القرن الثامن عشر(ق18م )، و تصريحات السياسيين لا زالت تافهة كما كانت (خطابات السياسيين الأمريكيين و الأوروبيين حاليا). فالجشع الإنساني المتسم بقصر النظر يعمي بصيرة المجتمعات عن مصالحها البعيدة. فالتقنية بدون حكمة هي أصل البلاء، فلن يكون السبيل مجرد نمو في التقدم و التقنية بل نموا في الحكمة بما يتطلبه العصر.

فالواجب الذي يتحتم علينا جميعا في السنوات الخطيرة المقبلة- و هو يتحدث عن ما بعد الحرب العالمية الثانية-، هو أن نكافح في استبدال الانفعالات البدائية القديمة من حقد و جشع و طغيان بحكمة جديدة تقوم على إدراك الخطر المشترك الذي يواجه الإنسانية جمعاء.

فالشيء الوحيد الذي يحرر الجنس البشري هو التعاون، و أول خطوة في التعاون تتم في قلوب الأفراد. و المألوف هو أن يتمنى المرء الخير لنفسه، بيد أنه في عالمنا الحالي، الذي وحدته الأساليب الفنية و التقنية لا يجدي كثيرا إذا لم يصحبه استحضار الآخر. و هو مبدأ قديم بشر به الحكماء في مختلف العصور، لكن دون جدوى.

 فالآن، أصبح الأمر بحيث إنه إذا أردنا البقاء لأي منا فلا بد للسياسة العملية أن تدخل في اعتبارها نوعا من الحكمة و هي أفضل ما يستحقه هذا العالم.

أما عن أكبر خطر يهدد مستقبل البشرية عند راسل، فهو عسكرة الشعوب الشيء الذي يفتح الباب واسعا أمام الحروب و النزاعات القاتلة و المدمرة. فالمعضلة الأساسية في العالم الحديث تكمن في نفسية الأفراد و في مكر الأهواء الفردية، و إذا ما أردنا مستقبلا أفضل للإنسانية فإنه يتوجب على حكومات العالم بأسرها العمل على التخلص من الفقر، و التركيز في مناهج التربية على ما هو إنساني مشترك، و على فكرة أن الإنسانية عائلة واحدة ذات مصالح مشتركة و أن التعاون أهم بكثير من التنافس المدمر.

مؤطر تربوي /أكادير. المغرب

mohamedhowat@gmail.com

[1]-محمد كمال الدين، راسل الداعي الى السلام،مجلة الفكر العربي،ع61،مارس1970،ص76.

[2]– برتراند راسل، الوضع البشري، مرجع سابق، ص207.

[3]– محمد كمال الدين، راسل الداعي إلى السلام العالمي، مجلة الفكر العربي،ع61، مارس1970، ص70.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. هذا العلم وهذه النظريات الفلسفية لم تتبناها الشعوب التي إنحدر الفيلسوف منها والتي هي بأمس الحاجة لتلك النظريات و أبسط دليل على ذلك هو إنتخاب ترامب وجونسون
    أما الشعوب التي تخاطبها الأخ الحوت فهي بحاجة لعقيدة و فلسفة حياة تقويها وتحفزها و تقيها من شرور هذا الغرب المتوحش و ممارساته

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here