محمد الحوات: الديمقراطية والتقنية العلمية

محمد الحوات

تعتبر محاضرات الفيلسوف و عالم المنطق الرياضي البريطاني برتراند راسل(Bertrand Russel) لمحة فلسفية فاحصة لتاريخ البشرية و مستوفية لشروط الإمكان العملي في عالم اليوم، والتي جمعت على شكل كتاب لأول مرة سنة 1952، يتحدث فيها عن العلم و كيف غير البشرية عبر التاريخ و أنقذها من كثير من الكوارث الطبيعية و الآفات والأمراض التي كانت تتعرض لها في حقبها السابقة، لكنه في خضم تحليله العلمي الصارم، يبدي نوعا من التخوف من تطور التقنية العلمية و التكنولوجيا و إمكانية استخدامها بشكل غير سلمي و غير ديمقراطي.

تكمن أهمية هذا البحث في قراءة القيمة الفلسفية لفكر الفيلسوف راسل التحليلية فيما يخص قضايا العلم و التقنية العلمية و تأثيرها في المجتمع الكوني منذ بدايات المعرفة العلمية و نتائجها على الحياة الإنسانية من الناحية الفلسفية و الفكرية و الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية.

فالتقنية العلمية تتيح للإنسانية مستوى من التقدم و الرفاهية مقارنة بأي شيء آخر في العصور السابقة، إلا أن هذا التقدم قد يكون حالة آنية محصورة في الزمن و قد نفتقدها في المستقبل.

فالديمقراطية كمفهوم، يكتنفه الغموض بين المعسكر الغربي و المعسكر الشرقي آنذاك و تبقى قضية نسبية. لكن يبقى جوهر القضية هو الاقتراب من تساوي السلطة.

إن اقتران الديمقراطية بقدر كبير بالحرية للأفراد و الجماعات عند تفكير الناس بها؛ لكن الحرية نفسها، كما كانت مفهومة في القرنين الثامن و التاسع عشر ليست بذات المفهوم حتى اليوم و ذلك راجع لطبيعة المجتمع العلمي، لذلك يقول راسل، يمكن الاستعاضة عنها ب”فرصة للمبادرة” للفرد داخل المجتمع.

فالديمقراطية عبر تاريخها السياسي، و رغم دعاة الإصلاح بتحقيق العصر السعيد منذ زمن لويس السادس عشر بفرنسا، فقد منيت بالفشل في تحقيق أهدافها؛ و مع أتباع روسو(J.J.Rousseau) المتحمسون للديمقراطية إبان الثورة، كان اعتقادهم كبيرا وبأنها ستحقق الكثير مما يتوقعه المنطق السليم، غير أنهم فشلوا في التمتع بالنعم السماوية، ولذلك قرروا أنه لا ضرر في الأباطرة.

أما رؤية الشيوعية للديمقراطية و تماثلها مع التطورات التقنية في الصناعة الحديثة، فقد كانت تعطي الأولوية للمؤسسات وليس للأبطال، وهي وجهة نظر ليس للفرد فيها من اعتبار من دون الجماعة كما هي فلسفة الشيوعية للمجتمع. و كل جماعة من هذا النوع تمثل قوة اجتماعية، و السبب الوحيد لأهميته هو كونه عنصرا في هذه الجماعة.

فمقاربة راسل(B.Russel) للفلسفات السياسية السائدة آنذاك كانت تتمثل في كون المقاربة الأولى تقود إلى الديمقراطية بطرازها القديم؛ أما النظرة الثانية فتقود إلى الفاشية، والمقاربة الثالثة فتؤدي إلى الشيوعية.

وقد كانت وجهة نظر الفيلسوف إزاء الديمقراطية كونها قوة ملهمة للعمل بعزم وعليها الأخذ بما هو صحيح في الفاشية والشيوعية لاعتبار الفرد في تركيب فلسفي إنساني.

فكل وجهات النظر في أنواع الديمقراطية التي كانت سائدة تجعل الإنسان في ثلاث مواقف مختلفة:

أن يكون الإنسان إما إنسانا عاديا وإما بطلا، أو أن يكون جزءا من آلة وهو الحال في زمن المجتمع العلمي. وهنا تكمن الخطورة في تبرير نظرية الآلة أو جزء من الآلة.

فالنقطة الرئيسية هي أن التقنية العلمية تجعل المجتمع أكثر عضوية و تزيد من جعل الفرد جزءا من آلة، و هنا يبرز الطرح الفلسفي- القيمي لراسل حول تجنب هذه الحالة المزرية للإنسان كواجب إنساني أخلاقي وفلسفي كوني.

أما عن مبادرة الإنسان (الحرية)، فيلزم إيجاد طرق ديمقراطية أكثر إنسانية لإدارة المؤسسات في المجتمع العلمي إلى الحد الذي يجعل كل عضو مؤثرا في سياسة تلك المؤسسة التي يعمل ضمنها من منظور ديمقراطي. و تتسم مساهمة الأفراد في السياسة على المستوى المحلي تحديدا كمجال لحرية الأفراد و انخراطهم بشكل فعلي مما يحسن من الوضع السياسي،  وتفويض السلطات في المجال الصناعي، و إقامة أنظمة اتحادية أو تحالفية (فيدرالية) مع ترك الحرية و المبادرة للأفراد ضمن اتحاد واسع يمكن أن يشمل الحكومة العالمية بكاملها.  فوجود استقلالية المؤسسات التي هي جزء من الحكومة يعطي تصورا واضحا لمعنى مبادرة الأفراد ضمن مجتمع عضوي.

ففي المجتمع الصالح – بتصور أفلاطوني- يكون الفرد نافعا، و يكون آمنا على نفسه من المصائب و يمتلك الفرصة للمبادرة في كل الاتجاهات التي لا تؤذي الغير.

وعليه، يخلص راسل، إلى توجيهات عامة تؤطر نظرته العملية للمجتمع العلمي الديمقراطي:

1- يكون الشخص نافعا بالنسبة للمجتمع حينما يتقبل حكم المجتمع على ما هو نافع؛

2- أن الأمان أحد الأهداف الرئيسية للتشريعات الاجتماعية، و له واجهة قانونية بحيث لا يمكن مصادرة ممتلكاته أو أفكاره بدون مبررات قانونية و تشريعية؛

3- توفير فرص الإبداع و المبادرة:

فالمجتمع العلمي الديمقراطي، بفرضه العمل و منحه الأمان للأفراد فهو يعيق قدرا كبيرا من المبادرة الشخصية فيما يخص الإبداع في الفنون و الأدب و المغامرة، فالدافع إلى المخاطرة والمغامرة مزروع في أعماق الطبيعة البشرية و لا يمكن لمجتمع تجنبه إذا أراد الاستقرار.

فالفن و لأدب في عالمنا المعاصر بخصوصيتهما، تحتفظان لمن يمارسهما بالحرية الشخصية لأن التقنية العملية لا تمسهما عمليا إلا في حدود معينة.و الحرية في مفهومها القديم أكثر أهمية في هذا المجال الفني، حيث أن الأمر يتعلق بالأمور العقلية و الفكرية التي لا تمس حرية الآخر أو تنتقص من حقه، أما حيازة الأمور المادية فشأن آخر.

ففي الأمور الفكرية ، لا نرى للعدالة أو الحافز – الذي كانت تنادي به الاشتراكية أو الرأسمالية – أي أهمية، بل الأهم هو الفرصة حسب راسل. لكن رأي السلطة المتحكمة في المجتمع التقني قد تقف في وجه العلماء و المفكرين و الأدباء إذا كانت أهدافها في خطر؛ فعلماء الفيزياء النووية في أمريكا أو روسيا لا يمكنهم العمل بكل حرية دون مراقبة السلطة لذلك و الإصرار على استقامة الرأي علميا و لو بشكل غير مبرر.

و يخلص راسل إلى كون مساهمة الأفراد في السياسة على المستوى المحلي، تعتبر كمجال لحرية الأفراد و انخراطهم بشكل واسع مما يحسن من وضعهم، و تفويض السلطات في المجال الصناعي، و إقامة أنظمة اتحادية أو تحالفية مع ترك الحرية و المبادرة ضمن اتحاد واسع يشمل الحكومة العالمية بكاملها و استقلالية المؤسسات، التي هي جزء من الحكومة، يعطي تصورا واضحا لمعنى مبادرة الأفراد ضمن مجتمع عضوي.

وعلى ذلك فالعالم يحتاج قبل كل شيء إلى تحطيم طغيان صاحب العمل و يجعل العمال آمنين من الحرمان، حسب راسل، قادرين في الوقت نفسه على إيجاد منفذ للرأي الشخصي في إدارة المجمع الصناعي الذي يعيشون منه، يستطيع نظام أفضل أن يكفل هذه المزايا و من المستطاع تحقيقه عن طريق الديمقراطية، وإن كانت الديمقراطية سواء في السياسة أو في الصناعة ليست حقيقة سيكولوجية طالما بقيت الحكومات و الإدارات يشار إليها بضمير الغائب كهيئات بعيدة تعيش بطريقتها المتعالية .

فالواجب الذي يتحتم علينا جميعا في السنوات الخطيرة المقبلة- و هو يتحدث عن ما بعد الحرب العالمية الثانية-، هو أن نكافح في استبدال الانفعالات البدائية القديمة من حقد و جشع و طغيان بحكمة جديدة تقوم على إدراك الخطر المشترك الذي يواجه الإنسانية جمعاء.

فالشيء الوحيد الذي يحرر الجنس البشري هو التعاون، وأول خطوة في التعاون تتم في قلوب الأفراد. والمألوف هو أن يتمنى المرء الخير لنفسه، بيد أنه في عالمنا الحالي، الذي وحدته الأساليب الفنية و التقنية لا يجدي كثيرا إذا لم يصحبه استحضار الآخر. وهو مبدأ قديم بشر به الحكماء في مختلف العصور، لكن دون جدوى. لكن الآن، أصبح الأمر كذلك إن أردنا البقاء لأي منا فلا بد للسياسة العملية أن تدخل في اعتبارها نوعا من الحكمة وهي أفضل ما يستحقه هذا العالم.

أكادير. المغرب

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here