محمد الحوات: الخطر الأصفر نحو عولمة مغايرة

 

محمد الحوات

“محور العالم الحديث يتحرك مع توسع المشهد التاريخي في كل الاتجاهات. هذا هو أحد الأشياء التي سيميز القرن العشرين عن القرون التي سبقتها، فحركة توحيد العالم، أعدت من قبل و منذ اكتشافات القرن 15 ، حيث أدخلت العالم كله في المجال السياسي والاقتصادي للشعوب المتحضرة. “

أناتول لوروي بوليو 1901  Anatole Leroy-Beaulieu

هل سيعود عالم اليوم إلى مقولة «نابليون بونابرت» حين قال: ــ احذروا الخطر الأصفر.

يومها، كان القائد الفرنسي يقصد بداهة مكمن الخطر الذي رآه من جانب شعوب الشرق الآسيوي الأقصى. وفيما عكف المؤرخون على تفسير هذه المقولة بأنها ربما تنصرف إلى الشعب الياباني سواء من حيث تقدمه السريع ولاسيما في النصف الثاني من القرن العشرين، فإن هناك الكثير من الاستراتيجيين من يدفع إلى التحذير في الوقت الحالي من عملاق أصفر بدوره.. هو الذي يؤرق الآن مضاجع أركان السياسة والتخطيط العسكري في الغرب.. وهذا العملاق الآسيوي يحمل اسما واحدا يتردد بتكرار كبير في مجامع البحث وأروقة السياسة الغربية و الأمريكية تحديدا، وهو: الصين.

 فقد سبق منذ أكثر من 200 سنة إلى استرعاء الانتباه إلى ما تم وصفه بأنه «الخطر الأصفر» مشيرا في ذلك إلى العملاق الصيني حين يستيقظ من غفوته و حنينه إلى حلمه القديم  ليطرق أبواب العالم الحديث.. وقد ساعد على تفعيل وتجلي هذه الظاهرة الصينية ما شهده عالمنا خلال النصف الثاني من القرن العشرين من صراع ثنائي بين القطبين الكبيرين في تلك الفترة وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي و انتهاء الحرب الباردة بالقطب الواحد.

في أواخر القرن التاسع عشر ، صاغ عالم الاجتماع الروسي جاك نوفيكوف (Jacques Novicow) العبارة في مقاله (Le Péril Jaune) “The Yellow Peril”  1897 . فيما بعد، استخدم القيصر “فيلهلم الثاني” من ألمانيا هذه التسمية العنصرية لتشجيع الإمبراطوريات الأوروبية على غزو الصين وقهرها واستعمارها، و تحقيقًا لهذه الغاية ، فأساء بذلك القيصر تمثيل النصر الآسيوي في الحرب الروسية اليابانية 1904/1905، باعتباره تهديدًا عنصريًا للمواطنين البيض في أوروبا الغربية ، وأساء عرض الصين واليابان في تحالف لغزو العالم الغربي وإخضاعه.

أوضح عالم الجينات “وينج فاي لونج” الأصول الرائعة لهذه العبارة والأيديولوجية العنصرية: “عبارة الخطر الأصفر (أحيانًا الإرهاب الأصفر أو الطيف الأصفر) … تمزج بين المخاوف الغربية حول الجنس ، والمخاوف العنصرية من الأجنبي الآخر.

 فإن القضية الماثلة الآن أمام واضعي الاستراتيجيات في العالم الغربي تتجسد حاليا في أن الصين لم تكتف بأن تصبح قوة وحسب، بل أنها انتقلت إلى حيث أصبحت قوة نامية ومن ثم قوة ناهضة Emerging  أو بالتحديد قوة صاعدة Rising  وهو المصطلح الذي عمدت إلى استخدامه تحديدا مجلة «الإيكونومست» البريطانية في دراسة نشرتها نهاية عام 2010 تحت العنوان التالي: الأخطار التي تتمثل في صين صاعدة.

  أوائل عام 2004 ، وضع كبار قادة الصين جانباً روتين حكم 1.3 مليار شخص و العمل على دراسة صعود القوى العظمى في خطوات جريئة و متعاظمة لبعث الحلم الصيني القديم. و لكم يمكننا أن تتخيل مخزون التاريخ القاتم للحرب والدمار المعروض عليهم وهم يدرسون كيف أن الإمبراطوريات التي كانت تناضل من أجل السيادة منذ القرن الخامس عشر و قبله، ويمكننا أن نتخيل تركيزهم المتنامي على  الموضوع الحقيقي لإستراتيجيتهم : ما إذا كانت الصين ستكون قادرة على احتلال مكانتها في القمة دون أن تلجأ إلى منطق السلاح، و بذلك هم ينزعون نحو القوة الناعمة.

لقد بذلت الصين، من نواح عديدة ، جهوداً لمحاولة طمأنة العالم القلق، فقد وعدت مرارا وتكرارا أنها تعني السلام فقط. لقد أنفقت بحرية على المساعدات والاستثمار ، وحلّت الخلافات الحدودية مع جيرانها وطوّرت أكمامها في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

حتى الآن ، سارت الأمور بشكل ملحوظ بين أمريكا والصين، فبينما كرست الصين نفسها للنمو الاقتصادي ، فقد ركز الأمن الأمريكي على الإرهاب الإسلامي والحرب في العراق وأفغانستان. لكن الاثنين لا يثقون ببعضهم البعض، فالصين ترى في أمريكا كقوة متضائلة ستسعى في النهاية إلى دحر صعودها، وتخشى أمريكا من كيفية التعبير عن القومية الصينية، التي تغذيها القوة الاقتصادية والعسكرية المعاد اكتشافها.

كان بعض الدبلوماسيين الغربيين حذرين في ردهم على الممر التجاري المقترح، حيث اعتبروه استيلاء على الأراضي لتعزيز نفوذ الصين على الصعيد العالمي ، ولكن لا يوجد دليل يذكر يشير إلى أن الطريق سيفيد الصين وحدها.

وقال تشارلز بارتون ، الدبلوماسي السابق بالاتحاد الأوروبي في الصين ، لصحيفة فاينانشيال تايمز إن الخطة هي في الأساس “سياسة داخلية ذات عواقب جيواستراتيجية وليست سياسة خارجية”.

ونشر تعليق سابق لوكالة أنباء الصين الجديدة (شينخواXinhua  ) التي تديرها الدولة “في الوقت الذي تتحرك فيه بعض الدول الغربية إلى الوراء عن طريق إقامة” الجدران “، فإن الصين تتطلع إلى بناء جسور، سواء كانت فعلية أو مجازية”. و هي رسالة تفصح، عن أن خطاب التهديد موّجه إلى القطب العولمي الأوحد المتمثل في الولايات المتحدة، التي ظلت تنعم بهذه المكانة الكوكبية كما نسميها على مدار عقدين أو أكثر والتي شهدت بدايته اختفاء المنافس السوفيتي من الخارطة الجيوستراتيجية الدولية، ثم استمرت هذه المكانة الفريدة والمرموقة أيضا بصورة أو بأخرى على مدى سنوات العقد الاستهلالي من هذا القرن الواحد والعشرين.

ليس هناك شك في أن الصين تنمو لتصبح ثقلًا جيوسياسيًا ، تخطو إلى الفراغ  الذي تركته الولايات المتحدة في مسائل التجارة الحرة وتغير المناخ، فهناك عدة قضايا ترسم ملامح عولمة مغايرة عن تلك التي تبناها الغرب منذ أكثر من ثلاثة عقود و تتمثل في تباطؤ الاقتصاد العالمي، و التوترات السياسية، و الحروب التجارية، و أزمة التفكيك التي طالت المجتمع الغربي: الامريكي و الأوروبي عموما.

لماذا تفعل الصين ذلك؟

أحد الحوافز القوية هو أن البنية التحتية التجارية عبر الأوراسية  يمكن أن تدعم البلدان الفقيرة إلى جنوب الصين ، بالإضافة إلى تعزيز التجارة العالمية. ومن المتوقع أن تستفيد المناطق المحلية أيضًا – خاصة المناطق الحدودية الأقل تطورًا في غرب البلاد ، مثل شينجيانغ  Xinjiang.

إن الفوائد الاقتصادية ، محليًا وخارجيًا كثيرة ، ولكن ربما الأكثر وضوحًا هو أن التجارة مع أسواق جديدة يمكن أن تقطع شوطًا طويلاً نحو الحفاظ على ازدهار الاقتصاد الوطني الصيني في المستقبل، فمن بين الأسواق المحلية التي من المقرر أن تستفيد من التجارة المستقبلية ، الشركات الصينية – مثل تلك الموجودة في النقل والاتصالات – والتي تبدو الآن على استعداد للنمو لتصبح علامات تجارية عالمية.

التصنيع الصيني هو أيضا مكسب، يمكن للقدرات الصناعية الهائلة للبلاد – بشكل رئيسي في إنشاء الصلب والمعدات الثقيلة – أن تجد منافذ مربحة على طول طريق الحرير الجديد ، وهذا يمكن أن يسمح للصناعات الصينية بالتأرجح نحو السلع الصناعية الراقية.

طريق الحرير الرقمي:

 تتضمن مبادرة الحزام والطريق أيضاً إنشاء شـبكة متطـورة مـن البنيـة التحتيـة الإلكترونية لأجل استكمال مهمة ربط الصين بالعـالم الخـارجي فـي عصـر التكنولوجيـا والمعلومات، بواسطة طريق الحرير الرقمي الذي تبنته الصـين فـي 2015 والهدف من ذلك تطوير التجارة الإلكترونية بين الصين ودول الأعضاء فـي المبـادرة عبـر شبكات الهاتف المحمول والكابلات الضوئية، وفي عام 2017 سلط منتدى مبـادرة الحـزام والطريق الضوء على طريق الحرير الرقمي وأدرج المجتمعون في بيانهم الختامي القطاعـات الرقمية ومنها الاتصالات والبنية التحتية للأنترنيت والتجارة الإلكترونية ضمن مبادرة الحـزام والطريق. وتأتي أهمية طريق الحرير الرقمي مع تنامي القطاع التكنولوجي والرقمي في الصـين حيث أسهم الاقتصاد الرقمي عام 2016 نحو (3.30 %) من الناتج المحلي الإجمـالي للـبلاد، وبحلول عام 2017 شكلت التجارة الإلكترونيـة الصـينية ( 42 %) مـن الأسـواق العالميـة والتكنولوجيا العملاقة، الأمر الذي شجع الصين على طرح مشروع الحرير الرقمـي لإتاحـة الفرص لشركاتها التكنولوجية بإيجاد أسواق خارجيـة جديـدة أمـام المنتجـات الإلكترونيـة (الأهمية الجيوإقتصادية لمبادرة الحزام والطريق الصيني وانعكاساتها على الاقتصاد الدولي أ. أحمد فؤاد حسن. ص251).

فالصين تشكل بذاتها ذلك العملاق الذي يخيف الغرب لاعتبارات قدمها الدكتور محمد نعمان جلال ( مجلة الصين اليوم) :

الأول: أنها كيان سياسي موحد في دولة مركزية وليس من السهل تفكيكه.

الثاني: أن الصين بعقيدتها السياسية الشيوعية، وعقليتها البرغماتية، ونخبها السياسية تعمل على تطوير ذاتها بمنطق براغماتي يقوم على التعايش وليس التصادم، يحافظ على المبدأ، ولكنه يستخدم الزمن لصالحه للحفاظ على كيانه التاريخي الموحد، وأخيراً يستخدم المرونة الفكرية والسياسية في التقدم بأفكار تستوعب القوى التي يمكن أن تكون معارضة.

الثالث: أن الصين في عهد الإصلاح والانفتاح اتجهت لاستيعاب العولمة الاقتصادية بصورة شبه تامة وعملت بصبر للانضمام لمنظمة التجارة العالمية وقبول معظم شروطها، وطورت الصين صناعاتها الوطنية فزاد إنتاجها وأصبحت القوة الثالثة عالمياً في مجال الاقتصاد.

هذه المظاهر الثلاثة للقوة الحديثة التي أنتجتها الصين (العسكرية، التكنولوجية والاقتصادية) جعلتها في مصاف القوى العالمية الرئيسية مما جعلها لاعباً رئيساً، وأضعف من قدرات الغرب في التشكيك في سياساتها أو استراتيجياتها المستقبلية نحو عولمة أخرى مغايرة.

أكادير – المغرب

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here