محمد الحــــوات: تفـاوت الثروة في العالـم

محمد الحــــوات

لم يكن عالمنا بهذا الثراء من قبل، فنادراً ما كان كذلك بهذه الازدواجية وهذا الاستقطاب بسبب انفجار عدم المساواة التي أضحت مسألة مستدامة وشاملة. فنموذج النمو المتفاوت عالميا  هو أساس كل التوترات والأزمات الكبرى على جميع المستويات. فخلق الثروات تبقى قضية حضارية من أجل تلبية هائلة للحاجيات الاجتماعية والاقتصادية والجوانب الثقافية للمجتمعات البشرية.

لم تنتج الإنسانية مثل هذا القدر من الثروة في تاريخها، ففي غضون 25 عامًا ، ازداد عدد سكان العالم بنسبة 38 ٪ ، و الناتج المحلي الإجمالي في العالم تضاعف وتم تحقيق ما يقرب من نصف النمو الاقتصاد العالمي ، حيث يمثل الجنوب الآن 32٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (مقارنة بـ 20٪ في التسعينيات) بينما تراجع الشمال من 80٪ إلى 68٪.  ويبقى العالم كفسيفساء من أنظمة غير متجانسة للغاية : فالنرويجي مثلا ينتج من الثروة سنويا أكثر ب470 مرة من آخر يقطن بجنوب الكرة الأرضية من سكان بوروندي .. فالأرض واحدة و ميزان الثروة العالمي مختل بين الشمال و الجنوب.

مع 78٪ من ثروة العالم ، يبقى الشمال المسيطر الأكبر على الثروة العالمية بسبب ميراث الجغرافية التاريخية حيث يتحكم فيها على أساس ثلاثية التراكم، التنمية و الهيمنة، و بالرغم من صعود البلدان الأخرى النامية : فالصين قد التحقت بنسبة مخزون الثروة لليابان مثلا، في حين يفوق مخزون ثروة الولايات المتحدة 27 مرة مجموع ما تنتجه القارة الإفريقية.

عدم المساواة آخذة في الاتساع في كل شيء ، فالفئات الاجتماعية الميسورة هي المستفيدة في المقام الأول من تحرير التجارة المتزايد و من حركات رؤوس الأموال العالمية، ووفقا للبنك السويسري للقروض، فإن 400 مليون شخص بالعالم بنسبة 8% فقط من سكان العالم تمتلك 86% من الثروة ؛ و ضمن نخبة من الأثرياء في العالم تمثل فقط  0,7% تستحوذ على 45%  من هذه الثروة الكونية. في المقابل هناك 73 % من السكان راضون بالفتات (2,4%)؛ في ظل هذه الظروف ، تبقى ما يسمى بالطبقات الوسطى محدودة ، على الرغم من ازدهارها الأخير في بعض البلدان الناشئة : إنهم يمثلون أقل من 20٪ من سكان العالم ، لكن لديهم 11.4٪ فقط من الثروة. هذه الهياكل المتفاوتة ترتبط إلى حد كبير بالتنمية منذ سنوات الثمانينات و التسعينات لنظام التراكم المالي الجديد؛ حيث إن قيمة الأصول المالية حطمت أرقام السجلات التاريخية من خلال الوصول إلى 128.5 تريليون يورو في ديسمبر 2016 ، فإن 10٪من أغنى الناس يملكون 79٪  مقابل 1٪ من السكان الأفقر عالميا الذين يمثلون 50٪ من السكان .

في بداية القرن الحادي والعشرين ، فإن عالمنا به هياكل قديمة للنظام العالمي البائد، فكيف لنا أن  نتفاجأ من هذه التوترات الاجتماعية و الهجرات المستمرة و النعرات السياسية التي تؤثث عالم اليوم؟

فالاستيلاء و الهيمنة على ثروات العالم ليست فقط  تشكل صدمة أخلاقية، لكنها اقتصاديا و اجتماعيا غير مجدية لتمثل عالم مستقر في جميع ربوعه . على الرغم من الانخفاض الحقيقي في مستوى الفقر المذقع ، و الذي  لا زال يجتاح أكثر من 850 مليون شخص ، يتنافى مع الهدف المتوخى  للأمم المتحدة للقضاء عليه بحلول عام 2030  حيث يبقى ذلك حلما صعب المنال.

  • ازدواجية الأقطار العالمية

هذه التفاوتات في الثروة هي عوامل رئيسية لتنظيم الأقاليم والمجتمعات على جميع المستويات الجغرافية،  فكما يتضح من جغرافية الثروات الكبرى في العالم، 13 مدينة و أنتربول تستضيف ربع مليارديرات العالم و 50 مدينة تضم النصف،  و بواسطة القوى الاقتصادية والمالية والسياسية للثروات المرصودة واستراتيجياتها السكنية ، فإنها تلعب دورًا مركزيًا في إعادة تشكيل المساحات الحضرية في المدن الكبرى العالمية. في العديد من المدن الكبرى في الشمال في العالم وكذلك في الجنوب (ميكسيكو ، ريو دي جانيرو ، ساو باولو ، لاغوس ، شنغهاي ، إلخ) ، تميل هذه الأوليغارشية الجديدة غالبا للانفصال عن مواجهة تصاعد التوترات والعنف الاجتماعي من خلال الانغلاق على الذات الداخلية للأحياء السكنية “المجتمعات المغلقة” التي تحرسها الميليشيات الخاصة.

ففي الجزر البريطانية ، لندن الكبرى تستقطب 56% من إقامات الأثرياء  الكلاسيكيين مثل دوق وستمنستر ، أو مليارديرات العالم الجدد ، مثل الهندي لاكشمي ميتال. في حين نجد المناطق الصناعية القديمة (ميدلاندز ، يوركشاير ، الشمال الشرقي ، إلخ) انخفضت إلى حد كبير ، مما يدل على التحولات العميقة لهياكل المملكة المتحدة في قرن واحد.

فالشرق الأوسط ، المنطقة الأكثر انعدامًا للمساواة من العالم وفقًا لتقرير عدم المساواة العالمي الذي نشر في عام 2018 بواسطة المختبر العالمي للتفاوتات ، كانت حصة الدخل القومي تذهب فقط إلى 10% فقط لأعلى دخل عالمي سنة 2016، 37٪ في أوروبا ، 41٪ في الصين ، 46٪ في روسيا ، 47٪ في الولايات المتحدة وحوالي 55٪ في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والبرازيل والهند . في الشرق الأوسط ، بلغت 61٪ من الدخل القومي لأعلى دخل مما يجعلها الأكثر تفاوتًا في العالم.

تمويل أم مضاربات ؟

ولدت في القرن التاسع عشر مع العولمة الثانية ، الشركات عبر الوطنية (FTN) فهي الآن على حد سواء تعكس دورها المركزي في العولمة  الاقتصادية والمالية والثقافية. ومع ذلك ، فإنه لا توجد شركة عالمية حقيقية ما دامت تبسط قبضتها الخانقة على الفضاء العالمي، فلازالت عالميتها تشكل تحديا جراء الهيمنة، فقد تم تقويض الغرب الآن بسبب صعود  دول الجنوب.

فتحرير الأسواق وإلغاء الضوابط التي تم إطلاقها خلال بناء نظام تراكمي مالي جديد في العقود 1980-1990 لصالح الأوليغارشية الضيقة، أدى إلى أزمة عالمية غير مسبوقة في عام 2007 منذ  أزمة عام 1929. إنه النظام المالي العالمي المصمم لتمويل الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية للشركات والدول ، أصبحت متضخمة وفوق كل شيء مضاربات مالية. فأصبح الكوكب المالي يسير على رأسه. فالأسواق المالية (الأسهم ، الديون ، العملات والمواد الخام وما إلى ذلك)  هي الإنشاءات السياسية ، القانونية والفنية والاجتماعية الراسخة في المناطق العالمية، إنها تمثل قضايا المؤثرات الجيواقتصادية والجغرافيا السياسية الرئيسية لعالم اليوم، وبالتالي فإن المخزون العالمي الوحيد من الديون للقطاع العام والخاص يتجاوز 160 تريليون دولار في 2016 (235٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي) ، جبل جاهز للانهيار أدنى شك على أصحابه. هذه الأسواق يتم تنظيمها من قبل الجهات الفاعلة العامة (الدول والهيئات التنظيمية والمصارف المركزية …) والخاصة (البنوك ، شركات التأمين ، صناديق التقاعد ، صناديق المضاربة …) التي تمتلك استراتيجياتها وأهدافها مما له تأثير فوري على الحياة اليومية لمليارات البشر.

كما يتم تنظيم سوق الأسهم العالمية بنحو الستين من أسواق الأسهم ، لكن عشرة منها فقط تستقطب 80٪ من أسواق الأسهم في رسملة السوق العالمية ، منها 41٪ لبورصة نيويورك وحدها ونيويورك ناسدايك. ومع ذلك ، فقد شهدت المراكز المالية في الجنوب  في هذه التجربة عقود من النمو السريع (الصين ، الهند ، البرازيل ، إلخ) مما يجعل تخوف الغرب من نهايته و لو بعد حين.

و في المواد الخام الزراعية أو البترولية أو التعدين ، تحتفظ الأقاليم  الغربية بدور رئيسي (لندن ، نيويورك،  شيكاغو ، باريس ، روتردام) بالرغم من تكاثر الأماكن الثانوية المتخصصة في نفس القارة و لنفس المنتوج (كوالا لامبور،  سنغافورة ، سيدني ، وينيبيغ…). ففي الأسواق المترابطة والمتشابكة عولميا ، تلعب الجهات الفاعلة على مدار الساعة فيما يتعلق بالمناطق الزمنية للتوقيت العالمي ، لأن العالم لا يعيش نفس الوقت. بالإضافة إلى أن “الوقت يساوي المال” : ففي عام 2017 ، اتصلت بورصة لندن إنتركونتيننتال (ICE) بساعة النظام الذري البريطاني لتكون قادرًة على تحديد التاريخ والتتبع لكل 100 ميكرو ثانية بعد كل معاملة كمبيوتر ذات الترددات العالية في المعاملات المالية.

بينما 63٪ من السوق العالمية للعملة مملوكة لعشرة بنوك غربية فقط . فواشنطن تستخدم  الدولار كأداة لبسط سلطتها المالية و خدمة مصالحها بفرضها منذ عام 1977 خارج الحدود الإقليمية لقوانين الولايات المتحدة. فأي جيش أو دولة يستخدمون الدولار في معاملاتهم ، بما في ذلك في أعماق الغابات الآسيوية  وتخضع  لإملاءات أمريكية و للملاحقات القضائية والغرامات المحتملة  و الحظر الأمريكي على إيران شاهد على هذا وكذا الاتفاق النووي 2015  الذي يمنع على الأوروبيين الاستثمار في البلاد ، و على طول طريق الحرير الصيني لا زال العمل قائما بالدولار.

فالأرض واحدة و التفاوتات قائمة و لا زال الجنوب يشق طريقـه بثبات و حذر…

المرجع بتصرف:  . Dir. Frank Tetart..Grand Atlas 2020 autrement

                                                                                                                   أكاديـــــر – المغــرب

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here