محكمة مغربية تصدر حكما “غريبا” يبطل انذارا محررا باللغة العربية بدل الفرنسية.. نشطاء وأكاديميون يعتبرونه هزيمة جديدة لقضية التعريب وانتصار للوبي الفرنكفوني المتربص بـ”هوية الدولة” ومخاوف من اتخاذه مرجعا وأنه يتنافى مع الدستور 

 

الرباط – “رأي اليوم” – نبيل بكاني:

 استغرب عدد كبير من المغاربة اصدار محكمة مغربية حكما اعتبروه هزيمة جديدة لقضية التعريب، وانتصارا للوبي الفرنكفوني المتجذر في الادارة والمؤسسات والوزارات المغربية، فبعد انتصار قضائي سابق ألزم الدوائر الحكومية وغيرها باستعمال اللغة العربية في سائر تصرفاتها واعتبر الفرنسية “لغة غير قانونية وانتهاك للسيادة الوطنية، أثار حكم أصدرته محكمة الاستئناف بالرباط، مؤخرا، جدلا كبيرا وخيبة أمل حيث قضى ببطلان حكم ابتدائي كان يقضى بإفراغ محل تستأجره سيدة حاملة للجنسية الفرنسية، بحجة أن الإنذار الموجه إليها من صاحب الملك مكتوبٌ باللغة العربية التي تجهلها المعنية.

وتعود وقائع القضية إلى دعوى مسجلة في المحكمة الابتدائية تدعي فيها “شركة الرباط ديفلوب”، أنها وجهت إلى سيدة من جنسية فرنسية تقطن في محل على سبيل الايجار، “إنذارا” لإفراغ المحل السكني من أجل الهدم وإعادة البناء، لكن بدون جدوى. والتمست الشركة من المحكمة إفراغ السيدة من المحل. وقضى الحكم الابتدائي بإفراغ السيدة، لكن هذه الأخيرة قررت اللجوء إلى الاستئناف”.

وعللت السيدة استئنافها بكونها “أمية من حيث اللغة العربية”، مما يكون معه الإنذار “غير صحيح”، واعتبرت جواب المحكمة بانتفاء الحجة لكونها تجهل اللغة العربية، غير صحيح. مشيرة إلى أن قضاء هذه المحكمة “دأب على عدم اعتبار الإنذار المحرر باللغة العربية الموجه إلى الجاهل، بهذه اللغة”. وبذلك اعتبرت أن الحكم “بني على إنذار باطل” وأنه لما كان الأمر كذلك “وجب تحرير الإنذار باللغة الفرنسية”، وأن تحريره باللغة العربية “يجعله غير منتج لأي أثر”، في مواجهة الموجه إليها، مما يجعل دفعها بالأمية بخصوص لغة تحرير الإنذار “قائم على أساس”،  باعتبار أن الأمي “هو الشخص، الذي لا يحسن القراءة والكتابة، باللغة التي حرر بها الإنذار”.

الحكم أثار استياء واسعا في صفوف المدافعين عن مشروع استكمال تعريب الادارة المغربية والمطالبين بتفعيل الطابع الرسمي والسيادي للغة العربية التي ينص الدستور على انها لغة الدولة، حيث اعتبر هؤلاء أن هذا الحكم بمثابة عقاب لمواطن بسب استعماله اللغة الرسمية لبلاده.

وحذر أكاديميون مغاربة مما وصفوه استمرار “الشرعنة والتقنين والانتصار للوبي الفرنكفوني ضد كل ثوابت الدولة الهوياتية”، حيث قال عبد العلي الودغيري، المتخصص في الشأن اللغوي، أن الحكم الاستئنافي المذكور كانت نتيجته خسارة المشتكِي المطالِب بالإفراغ لقضيته وضياع حقّه الثابت عدلاً وشرعًا، وعُوقِب هذا النوع من العقاب لمجرد استعماله اللغة الرسمية لبلاده الموجود فيها.

وتساءل: “هل هذا الحكم الذي سوف يصبح مرجعًا للاجتهاد القضائي في المغرب، وتقاس عليه نوازل وأحكام مشابهة من الآن فصاعدا، خاصّ بالتعامل مع الفرنسيّين المقيمين بالمغرب؟، أم أن مفعوله سوف يمتد ليشمل أيضا المغاربة الحاملين للجنسية الفرنسية؟” محذرا في الان ذاته من أن ذلك قد “يفتح الباب أمام كل مغربي تعلَّم في المدارس الأجنبية (ولاسيما مدارس البعثة الفرنسية)، أو نشأ في بلد أجنبي لمدة طويلة، أن يدعي أنه لا يعرف العربية المكتوبة التي تحرّر بها الإشعارات والإنذارات والعقود والالتزامات، فيحكَم له بنفس الحكم في النوازل المشابهة”.

من جهته اعتبر الدكتور محمد الودغيري مدير المجلة المغربية للدراسات والاستشارات القانونية، أن الحكم يتنافى مع الدستور الذي أكد في الفصل الخامس على انه “تظل العربية اللغة الرسمية للدولة”.

وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها”، وبانه يمثل ايضا خرقا للقوانين والدوريات الخاصة بتوحيد المحاكم ومغربتها وتعريبها، مستندا الى قرار وزير العدل رقم 65-414 بتاريخ 29/6/1965 الخاص باستعمال اللغة العربية أمام المحاكم الذي نص في فصله الأول على انه “يجب أن تحرر باللغة العربية ابتداء من تموز/ يوليو 1965 جميع المقالات والعرائض والمذكرات وبصفة عامة جميع الوثائق المقدمة إلى مختلف المحاكم”.

كما اشار الخبير القانوني الى الحكم الصادر في 2017 والقاضي بإلغاء القرار الإداري الصادر عن وزارة الصحة الموجهة الى احدى الطبيبات بسبب تحريره باللغة الفرنسية.

وجاء في الحكمة ان “إصدار وزير الصحة لقرار محرر باللغة الفرنسية مؤثر في المركز القانوني للطاعنة يعد عملا مخالفا لقواعد الدستور، وهو بذلك مشوب بعيب المخالفة الجسيمة للقانون، ذلك أن اللغة الرسمية المقررة بنص دستوري تعد مظهرا من مظاهر سيادة الدولة، في بعدها الثقافي والتاريخي ذي الامتداد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، ولذلك فإن استعمال الإدارة للغة أجنبية بديلة عن اللغة الرسمية في المجالات المذكورة أعلاه يشكل تنازلا عن هذه السيادة في أبعادها المشار إليها، وانتهاكا لإرادة المواطنين المُجسدة بنص الدستور الذين اختاروا العربية والأمازيغية لغتين لمخاطبتهم من قبل الدولة وجميع المرافق العمومية الأخرى”.

ولفت المتحدث الى قاعدة “المعاملة بالمثل” التي تعد من قواعد العرف الدولي، حيث تقضي بتعهد دولة ما بمعاملة ممثلي دولة أخرى ورعاياها وتجارتهـا بشكل مماثل أو معادل للمعاملة التي تتعهد هذه الأخيرة بتقديمها لها.

ففي هذا الإطار وعلى سبيل المقارنة فإن الاجتهاد القضائي لمجلس الدولة الفرنسي ومحكمة النقض الفرنسية ذهبا إلى القول بأن اللغة الفرنسية هي لغة الوثائق وجوبا استنادا إلى مقتضيات الأمر الملكي المؤرخ في 10/08/1539 والموقع عليه من طرف الملك فرنسوا الأول والذي نص على أن جميع المستندات القانونية والموثقة  يجب أن تحرر باللغة الفرنسية.

من جهته، قال الدكتور فؤاد بو علي رئيس الائتلاف الوطني للدفاع عن اللغة العربية، ان كل الدول تتعامل في تدبيرها اللغوي واختيار لغة التعامل والتواصل مع المواطن الذي يحمل الجنسية الوطنية للدولة وليس مع المقيم. موضحا ان “الدولة التي تحترم نفسها وسيادتها تجعل المواطن هو صلب السياسة اللغوية؟، لكن الحكم غير المعادلة في زمن الفوضى حيث غدا المقيم الأجنبي هو الذي يحدد طبيعة السياسة اللغوية ويرسم معالمها. مما يعني أننا أمام حالة ارتهان لغوي آت من خارج الوطن، يضيف المتحدث.

واعتبر ان الحكم ينقض حكم سابقا أجبر مديرية الضرائب تعريب وثائقها بعد دعوى قضائية تقدم بها النقيب عبد الرحمن بن عمرو للمحكمة الإدارية بالرباط. كما جاء في حكم اخر أن “القرارات الإدارية المحررة باللغة الفرنسية تعد غير مشروعة، لأنها مخالفة للدستور، ومشوبة بعيب المخالفة الجسيمة للقانون، ومآلها الإلغاء من طرف القضاء الإداري.

وتساءل المتحدث عما “إن كان هذا الأجنبي من أي دولة ينبغي أن يخاطب بلغته الخاصة أم أن الأمر خاص بالفرنسيين؟” لافتا الى ان المغرب تقيم فيه العديد من الجنسيات من أفريقيا وآسيا وأوروبا، وهو ما يطرح التساؤل، حسب بوعلي، بشأن ما كان “ينبغي أن نخاطب كل واحد بلغته فنغدو أمام فسيفساء لغوية غير محدودة ولا قابلة للحصر؟.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

9 تعليقات

  1. أذا تحججت السيدة الفرنسية بجهلها مضمون الأنذار باللغة العربية فكيف فهمت حكم المحكمة المكتوب بالعربية ؟ أم أنها تعلمت العربية في الفترة الزمنية بين الأنذار والحكم ؟

  2. قياسا عليه يحق لجميع المغاربة والجزائريين المتواجدين في فرنسا الطعن في أي وثيقة تصلهم لأنها مكتوبة بالفرنسية ، والتي هي ليست لغتهم الأم …
    هل معقول هذا الأمر؟
    المحكمة إلتمست للسيدة الفرنسية عذرا غير مقبول. في العادة تكون رسائل الإخلاء والتنابيه مضمونة الوصول لاهميتها . والضاهر أن هذه السيدة لا تنفي وصول تنبيه الإخلاء إليها بل تتعلل بكونها لا تجيد القرائة . فالأصل المحكمة يجب عليها رفض إلتماسها ، وإلا فمن باب المساوات يمكن لأي شخص أمي أن يتنصل من أي مكتوب يصله لكونه لا يجيد القرائة ويستشهد بهذا الحكم الذي أصدرته المحكمة لصالح السيدة الفرنسية .

  3. اللغة الفرنسية ومع الأسف هي اللغة الرسمية غير المعلنة لدول المغرب العربي الثلاث (تونس-الجزائر والمغرب) رغم أن الدساتير الثلاثة تنص أن العربية هي اللغة الرسمية وما يغيض أن تسمع الفرنكوفيليين بالجزائر مثلا أي عاشقي الفرنسة وفرنسا وحتى بعض المسؤولين الكبار يقولون أن اللغة الفرنسية غنيمة حرب ويجب عدم التفريط فيها !!! فبئس الغنيمة إذن أن تهجر لغتك وتتخذها هزوءا وهي الرابعة عالميا بينما تساهم في إثراء ونشر لغة مستعمر الأمس وهي الثامنة عالميا !!
    فاللغة الفرنسة سلبتنا هويتنا فصرنا مثل البلدان الإفريقية التي تجعلها لغتها الرسمية مثل الكوت ديفوار والطوغو وغيرها … بينما احتقرنا لغتنا وهجرناها،، فحتى الصهاينة يكتبون بالعبرية والصينيين بلغتهم والروس بلغتهم وهكذا إلا نحن بالمغرب العربي نقوم بالتغريب بدل التعريب وأضافوا على العربية المهجورة أصلا اللغة الأمازيغية كضرة لا وجود لها في الواقع لأن الأمازيغية لهجات متعددة لا يوحدها شيء سوى كلمة أمازيغية!!! فلله المشتكى مما يحدث وحسبنا الله ونعم الوكيل!!!!

  4. الحكم يتعلق برسالة إنذار موجهة من الطرف المالك للمحل المؤجر الى المنتفعة من المحل المؤجر وليس بحكم قضائي الحكم القضائي صدر بالعربية وهو يبطل فعالية رسالة الإنذار المرسلة من طرف مدني إلى أجنبية وليس في هذا انتقاص للغة العربية.

  5. هذا حكم ليست له قيمة قانونية، إنه صادرٌ بأوامر سياسية..

  6. إلى حسن
    نحن المغاربة عرب عند أنفسنا وبقناعتنا وتاريخنا ولغتنا وثقافتنا، لا ننتظر من غيرنا أن يؤكد لنا عروبتنا يا الرفيق المعلوم، ولن تجرنا بتاتا للنقاش الذي ترغب فيه يا مستر واعزي..

  7. وهل تبطل محاكم فرنسا أنذارا وجه لمغربي بلغة البلد الفرنسية بحكم جهله لهذه اللغة ؟ ولفرنسي في روسيا وجه اليه انذار باللغة الروسية وتحجج الرجل بجهله باللغة الروسية فهل تعتبر المحكمة الروسية الأنذار باطلا ؟ وقيسوا كما تشاؤون. انه فتح جديد في القانون أرجو تعميمه في العالم ليستفيد منه كل الغرباء والأميين. بدعوى جهلهم بلغة الأنذار

  8. هذه من مصائبنا نحن المغاربة لا نحن بعرب عند العرب ولا فرنسيين عند فرنساولايراد الاعتراف بامازيغيتنا وبين هذا وذاك تضيع كفاءات لا لشيء الا لانها لا تتقن لغة المستعمر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here