محصّلة الجوع والخوف معاً!

صبحي غندور

هناك داخل العاصمة الأميركية واشنطن عشرات الألوف من المشرّدين، كما في مدن أميركية أخرى، وفي عواصم أوروبية عديدة. وهؤلاء المشرّدون يعاني القسم الأكبر منهم من مشكلة الجوع إضافةً إلى محنة التشرّد، رغم محاولات جهات عدّة لمساعدتهم ولـتأمين مأوًى لهم وتوفير أطعمة وألبسة لمن أمكن الوصول إليه منهم.

فكيف نفسّر هذا التناقض الخطير الذي تعيشه مجتمعات كثيرة في العالم، بين قلّة تملك الكثير وكثرة تملك القليل أو لا تملك شيئاً كحال هؤلاء المشرّدين في الشوارع؟!. وكيف أنّ أميركا، التي صرفت أكثر من خمسة آلاف مليار دولار على حربيها في العراق وأفغانستان، والتي ميزانية وزارة الدفاع فيها تتجاوز مبلغ 700 مليار دولار، يعاني الكثيرون فيها من التشرّد وعدم الرعاية الصحّية ومن الجوع أو حتّى الاضطرار إلى إخلاء المساكن، كما حدث في السنوات الماضية نتيجة العجز عن تسديد قروض المنازل؟!.

هناك في العالم الآن عموماً حالة انحسار للطبقة الوسطى وازدياد مخيف لعدد الفقراء ولقيمة ثروة الأغنياء. وقد  نشرت المنظّمة العالمية للغذاء والزراعة (الفاو) معلومات أشارت فيها إلى مخاطر الأزمات الاقتصادية العالمية والتي دفعت بأكثر من مليار شخص في العالم إلى مستوى حالة الجوع، ويعني هذا أنّ هناك جائعاً واحداً من كل ستّة أشخاص في العالم، هذا العالم الذي ينفق على التسلّح سنوياً حوالي 1500 مليار من الدولارات!!

طبعاً، غالبية الجياع هم من أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، وكذلك هي حروب العالم المعاصر. وكأنّه كُتِب على شعوب الدول النامية والفقيرة أن تجمع بين الابتلاءين: الجوع والخوف معاً!

فالعالم اليوم يدفع ثمن مزيج من العوامل التي تراكمت في العقود الماضية وجعلت الكرة الأرضية موزّعةً في أزماتها السياسية والعسكرية بين “شرق وغرب”، ثمّ في أزماتها الاقتصادية بين “شمال وجنوب” بحيث لم تسلم بقعة على هذه الأرض من آثار ما فعله “الإنسان” المستخلف عليها لرعايتها وإعمارها، حتّى القطب الشمالي المتجمّد مهدّد بالذوبان بفعل ما خلّفته “الحضارة الصناعية” من تأثيراتٍ سلبية على المناخ.

وإذا كان مفهوماً ما تخلّفه الحروب والكوارث الطبيعية من حالات تشرّد وجوع وبطالة، فما تفسير هذه الحالات في مجتمعاتٍ لا هي في حروب ولا تعيش مخلّفات كارثة طبيعية إلا أن تكون هذه المجتمعات مفتقرة للعدل الاجتماعي والسياسي وغنية بالفساد والاحتكار وسوء توزيع الثروات الوطنية وهيمنة الجشعين الفاسدين فيها على مقاليد الحكم.

  قد تكون الحروب بين الدول هي مسؤولة أحياناً عن وجود حالتيْ “الخوف والجوع”، لكن قد تحدث الحروب أيضاً بسبب تفاقم مشكلة “الخوف من الآخر”، كما قد يشهد العالم حروباً إقليمية لأسباب اقتصادية ترتبط بالخوف من الجوع نفسه، أو محصّلة لضغوطاتٍ وعقوبات اقتصادية. فحالتا “الخوف والجوع” عوامل سببية لحروب كما هي حصادٌ طبيعي للحروب نفسها.

وتتزامن في هذه الفترة من رئاسة ترامب للولايات المتحدة قضيتان تزداد الخلافات حولهما بين واشنطن والعديد من دول العالم، وهما: السياسة والاقتصاد، وكلاهما معاً يشكّلان مفاهيم الأمن السياسي والأمن الاجتماعي، على مستوى الحكومات، وهواجس محاولة تأمين لقمة العيش والخشية على العيش نفسه، على مستوى الشعوب. فالجوع والخوف هما أسوأ ما يُبتلى به فردٌ أو جماعة أو أمّة.

وقد انشغل العالم في العقود الثلاثة الماضية بمقولة الديمقراطية السياسية بعدما انهارت تجربة الأنظمة الشيوعية التي كانت تهتمّ بمسألة العدل الاجتماعي فقط، وتقف سلباً ضدّ قضايا الدين والقوميات والحرّيات العامّة وصيغ نظام الحكم الديمقراطي.

ولا أعتقد أنّ الديمقراطية وحدها فقط هي العلاج السحري الناجع لحالتيْ الجوع والخوف. فليس بالضرورة أن ترتبط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية وبالأمن الاجتماعي وبالقيم الأخلاقية. ولعلّ خير مثال على ذلك، الأنظمة الديمقراطية الغربية عموماً التي حرصت على النظام الديمقراطي داخل مجتمعاتها بينما أباحت لنفسها استعمار واحتلال شعوب أخرى. فهي ديمقراطيات عنصرية لأنّها استباحت شعوباً أخرى لصالح مصالحها، وهي حتّى غير عادلة في مجتمعاتها أحياناً، كما هو معظم “الديمقراطيات الغربية” التي لم تقم أصلاً على العدل الاجتماعي بين الناس حيث ما زال القوي الغني يأكل الضعيف الفقير، وهذا سياق طبيعي للترابط الحاصل في الغرب بين الديمقراطية في نظام الحكم السياسي وبين مقوّمات الاقتصاد الرأسمالي القائم على تشجيع الفردية والمنافسة الحرّة.

ولم تتحقّق رفاهية العيش في مجتمعات الغرب حصيلة وجود الديمقراطية فقط، وإنّما أيضاً حصيلة أحد أمرين أو الاثنين معاً: السيطرة على شعوب أخرى ونهب ثرواتها.. والنظام الاتّحادي التكاملي الذي أوجد قدراتٍ اقتصادية هائلة، كما هو حال الولايات المتحدة والاتّحاد الأوروبي والاتّحاد الروسي والصين الكبرى.

وهاهو العالم اليوم يعاني من تجاهل مسألة العدل الاجتماعي وحقوق النّاس في لقمة العيش والعمل والسكن والضمانات الصحّية والاجتماعية بعدما انشغلت أممٌ عديدة في صراعاتٍ حول قضايا “الدين والقومية والديمقراطية”!. ونجد أيضاً في أزمنة وأمكنة مختلفة مشكلة انحسار المفاهيم الصحيحة لهذه القضايا الكبرى المعنيّة البشرية جمعاء بها. فالرسالات السماوية كلّها حضّت على العدل بين الناس وعلى رفض الظلم والطغيان والجشع والفساد، وعلى إقرار حقّ السائل والمحروم، بينما تتحوّل المناسبات الدينية الآن في معظم أرجاء العالم إلى “سوق تجاري كبير” وإلى موسم رحلات سياحية!!.

والمنطقة العربية ليست بشواذ عمّا أشرت إليه وعمّا يحدث حولها في الغرب والشرق، فهي جزء من “ساحات الحروب” الماضية والمعاصرة، ومعظمها مبتَلٍ بصراعاتٍ داخلية وبحكوماتٍ هي أفضل مصدر لحالتيْ الجوع والخوف معاً!.

ففي تقرير “تحدّيات التنمية في الدول العربية” الذي أعدّته الجامعة العربية منذ سنواتٍ قليلة بالاشتراك مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هناك أرقام مفجعة عن مستوى نسبة الفقر والبطالة في الدول العربية حيث ذكر التقرير أنّ ما نحو 140 مليون عربي يعيشون تحت خطّ الفقر الأعلى، أي حوالي 40% من عدد سكان المنطقة العربية. ووفق هذا التقرير، فإنّ معدّل البطالة بين الشباب في هذه المنطقة هو نحو 25% ممّا يجعل من معدّل البطالة بين شبابها الأعلى في العالم كلّه.

ولقد نشرت آنذاك وسائل إعلام عربية هذا التقرير في اليوم نفسه الذي نقلت فيه عن مجلة “أرابيان بيزنس” لائحة أسماء أغنى 50 عربياً والذين تصل ثرواتهم لحوالي مبلغ 300 مليار دولار!. فهذه صورة قاتمة لما هو قائمٌ في البلاد العربية من ازدياد في معدّل نسبة الفقر والبطالة، مقابل زيادة ثرواتٍ لأفراد!.

طبعاً الفقر والبطالة ليسا من من مسؤولية هؤلاء الأفراد العرب، بل هي أولاً وأخيراً مسؤولية الحكومات المؤتمنة على ثروات أوطانها ومقدّرات شعوبها وعن إدارة الإنتاج في مجتمعاتها. وبعض هذه الحكومات يمارس الرشوة والفساد وسرقة المال العام، وهولاء يستحقّون المساءلة والمحاسبة.

هنا أهمّية العدل السياسي من أجل تحقيق العدل الاجتماعي، وهنا الرابط بين “تذكرة الانتخابات” و”لقمة العيش”، وهنا ضرورة بناء المجتمعات على أساس الفصل بين السلطات فيها تحقيقاً لأهداف الرقابة والمحاسبة.

هنا أيضاً أهمّية التكامل المنشود بين الدول العربية حيث متطلّبات التنمية والتقدّم تفرض حدوث التكامل الاقتصادي بين أقطار الأمّة العربية، فكما لا أمن لأي بلد عربي بمعزل عن الأمن القومي العربي، كذلك فإنّ التنمية العربية الشاملة لا تتحقّق من دون التكامل الجاد بين اقتصاديات الدول العربية.

إنّ “الديمقراطية والاتّحاد” هما الآن في أوروبا وجهان لمشروع أوروبا الواحدة. أوروبا التي عانت في القرن الماضي من حربين عالميتين، ومن تقسيم سياسي وأمني بين القطبين الأميركي والروسي لأكثر من نصف قرن، أوروبا التي هي قوميات ولغات وثقافات وطوائف مختلفة، تبني الآن حلم “الاتّحاد الأوروبي”، وتفتح حدودها وأسواقها لكل شعوب دول الاتحاد، وترى في ذلك ضمانة استمرار استقرارها السياسي والأمني والاجتماعي.

فعسى أن ينشغل المعنيّون بصناعة القرار في البلاد العربية بكيفيّة تحقيق “الاتّحاد الديمقراطي العربي” لمعالجة حالات الفقر والبطالة، إضافةً إلى مواجهة مخاطر التقسيم والتشرذم والتدخّل الأجنبي!.

*مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن.

 Twitter: @AlhewarCenter

Email: [email protected]

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. ياترى هؤلاء الفقراء والمهمشين والمتسكعين في الولايات المتحده من اي عرق او لون او لغه وهل هم ضحايا المجتمع ام ضحايا انفسهم و بيئتهم وعقليتهم الاتكاليه التي تحمل فشلها للاخرين رغم نجاح البعض . ان امكانبات امريكا الشماليه ( كندا .الولايات المتحده ) وجغرافيتها تستطيع استيعاب من 2 الى 4 مليار نسمه بكل اريحيه من نوع العصاميين المكافحين المنتجين المغامرين المنظمين . وفي جميع الاحوال اظن بأن الولايات المتحده على وجه الخصوص ستنتهي بنزاع داخلي عميق خلال المئة سنه القادمه سيفضي اما الى طرد عنصري الافارقه و اللاتين او تقسيم الولايات المتحده على اساس عرقي الى ثلاث دول .

  2. لكل البداية النهاية وعلى هؤولاء العصابات المافيا الذين يحكمون بلداننا بأوامر و قرارات الإستعمار القرن الماضي وهمهم الواحد أنفسهم ومصالحهم الذاتية أن يعلمون أن الشعوب العربية والإسلامية هم أناس صابرين من أحباب الله ويشاهد و يراقب معانتهم ولا يمكن أن يبقى هذا الظلم حاضرا وقويا إلى أبد الأبدين ولا يمكن الصمت عليه والقبول به و عدم الإعتراض له والطاعة والولاء لطغاة السلطات الحاكمة بل إخواننا يريدون تجنب و عدم تطبيق أو تكرار الحالات العراقية والسوري والليبية والسودانية واليمنية أيضا بأوطانهم فقط التواضع لله وحل المشاكل والأزمات و خلافات بالعقل والسلم وكتاب الله القرأن الكريم الدستور المركزي للمسلمين جميعا وسنة ومناهج الرسول الخيار الأمثل والأفضل أم العناد والتحدي لإرادة الله والشعب المستضعف بلغة القوة والعنف وإستغلال الجيش لمواجهة المواطن مطالب بحقوقه المشروعة والمسلوبةمنه من أجل حماية عصابات السلطة الحاكمة وليس من أجل تحقيق الأمن والسلم لوطن وأهله سيكون خواتم ونتائج هذا العمل الإرهابي والديكتاتوري باهظة الثمن لرؤوس العصابات المسيطرة على ثروات وخيرات وممتلكات الشعب المظلوم.

  3. تحية تقدير لكم الدكتور صبحي غندور، وكل العام وانتم بخير، والامة العربية على احسن حال من حالها الراهن…
    سعدت بقراءة مقالك التحليلي الشامل لمشاكل الفرد والمجتمع والأمة في المجتمعات المعاصرة..والامم الغنية والمقهورة…
    لقد ابدعت في تقديم رؤى كونية، ومنهج تحليلي عام، ووقفت في توظيف مفاهيم العلوم الانسانية.
    وهذه الرؤى الكونية، غيبت في الدراسات التحلياية،نظرا لتوظيف المنهجين: البنيوي والوظيفي التجزيئيين.
    لكن ألا ترى معي ان الأولوية في النظر إلى متغيري” الخوف والجوع”، باعتبارهما نواتج، للمتغيرين الرئيسين : الأمن السياسي، والأمن الاقتصادي، وقد يحل محلهما: سوء التسيير السياسي، والفساد المالي كما في وطننا العربي، فترتبت عليهما النتائج المفزعة” الخوف والجوع”؟

  4. كل عام وأنتم بخير … هذا من باب الأمل والتمني والرجاء … لكن الحقيقة وبكل صراحة إننا لسنا بخير … مع الاعتذار لهذه السوداوية.
    لا أبالغ ولا أجامل إن قلت لك بأن مقالك هذا من أهم المقالات التي قرأتها منذ مدة طويلة.
    لقد وصل مقالك هذا لبعض قراء هذه الصحيفة الإلكترونية، وهذا جيد، ولكنه غير كاف، فالمفروض أن يصل الى أصحاب القرار، وأن يصلهم كل ما تنتجه مراكز الفكر والدراسات “الوطنية العربية الحرة”، ليس إيصالها فقط وإنما متابعتها والحرص على إبداء كل الأراء البناءة لأولي الأمر وتشجيع كل من يؤمن بها ويلتزم بها قولا وعملا، وهذا ليس بالأمر اليسير، فالخوف غريزة إنسانية، ولكن أصحاب الفكر والرأي لن يعدموا الوسيلة التي تجنبهم الأذى، وهذا لن يتأتى إلا إذا تضافرت الجهود التي تهدف إلى المصلحة العامة وليس لها أية أجندات خاصة. والله ولي التوفيق.

  5. اين هم صناع القرار العرب ؟؟؟؟

    مرحلة اليوم هي استرداد الحكم من الرويبضة، وهذا في حد ذاته يمثل مشروع لكل وطن عربي. إذ الطريق والاستراتجية والتكتيكات لم تتضح بعد. كل من نعرفه اليوم هو نهج السلمية.

    بعد هذا تأتي مشاربع بلورة الهويات. هنا ايضا لا نعرف بوضوح اي طريق نأخذ. اللهم كما ذكرت استاذ التاريخ السياسي الاوروبي مع التحفظات.

    …. واخيرا الاتحاد الحتمي.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here