محسن عامر: الإستقطاب السياسي الجديد في تونس: حزب عبير موسى لن يكون نداء تونس 2

محسن عامر

عندما هرب نابوليون من منفاه في جزيرة ألبا الإيطالية كتبت الصحافة الفرنسية”الوحش يهرب من ألبا” و عندما اقترب من فرنسا كتبت” نابليون يهرب إلى فرنسا” و عندما دخل فرنسا كتبت “الإمبراطور يدخل البلاد”.

حركة النهضة و نداء تونس راهنا على معطى سياسي متطابق في نزاعهم على السلطة، و هو ما رافق الٍرأي العام الذي دُفع بوعي أو تحت ظغط الموجة نحو الإستقطاب. وتحرك هذا الرأي العام متناغما مع ارتفاع حدة أو خبو الإستقطاب الحاصل الذي بدأ بكون نداء تونس «أخطر من السلفيين» بالنسبة إلى حركة النهضة،و «النهضة و النداء خطان متوازيان» بالنسبة لنداء تونس، ومحورة هذا الصراع على هذه النقطة (إستحالة التوافق). لاحقا، استطاعت حركة النهضة تمرير التوافق بسلاسة داخل جماعة أبدت الكثير من الإنضباط نسبيا في مقابل تصدّع و تفتت نداء تونس كنتيجة محورية لهذا الإلتقاء.

الإستقطاب، هو النقطة المركزية في المشهد السياسي في تونس. نهاية نداء تونس و أخطاء اليسار الفادحة في مستوى تعاطيه مع خصومه(وتنظيم الصراعات ديمقراطيا داخل مكوناته الجبهوية) وأرخبيل التوافقات الحزبية ٱلتي تقوم يتخريب البلاد يستوجب بمنطق الضرورة تكون كيان سياسي مضاد. نداء تونس بنى ك”حزب مهمة”: تحجيم دور حركة النهضة و منعها من التغول و إقصاء مكونات المشهد القديم الذي بقي متماسكا و مستعدا لخوض نزاع بلا هوادة لأسترداد موقعه داخل هيكلية النظام المسيطر. مع وجود تيارات ليبرالية ويساررية برغماتية رأت أن إزاحة حركة النهضة مهمة ملحة تحتاج تجميع أكثر ما يمكن من الخصوم حتى غير منسجمي الروافد و المصالح تحت مظلّة وحيدة و هو العداء لحركة النهضة.

الحدث السياسي الأاكبر في البلاد، هو الصعود الصاروخي لعبير موسي وحزبها و تصدّره نوايا التصويت قبل حركة النهضة. كيف يمكن قرأة هذا؟

أولا: تأزم الوضع الإقتصادي الذي يدفع شرائح إجتماعية بأكملها نحو المجهول.المناخ السياسي العام الذي تتصدره حركة النهضة وتكوينات سياسية متهمة بالفساد و الإرهاب، والفضائح التي فجرها دائرة المحاسبات وتقرير القاضي الطيب راشد،و تصريحات وزيري الدفاع والداخلية التي صنعت جوّا من الخوف العام يهدد ما يسمى المسار الديمقراطي بأكمله. داخل هذا الضباب الإجتماعي والسياسي المخيم، تحويل الخوف إلى قضية سياسية يصبح أمرا شديد السهولة. ومع ذلك سؤال “لماذا عبير موسي بالذات؟”. من المعلوم أن تأجيج الأحقادالسائدة البديل الوحيد لمواجهة الأسباب الحقيقية للقلق الذي يواجه الشعب، خطاب على شاكلة أن حركة النهضة هي العدو الشرير حتى دون تحديد هي عدوة لمن بالظبط، ومسألة كونها شرّا مطلقا غير قابل للإندماج بدل مقولة الشراكة الوطنية والصراع الديمقراطي، خطابا قادرا على التجميع وترجمة الخوف الإجتماعيوالسياسي العام إلى موقف عام لا تقوم فيه عبير موسي سوى بتوجيه إصبع الإتهام إلى العدو والخطر المحدق بالشعب.

ثانيا: عبير موسي التي تدفع الصراع السياسي مع حركة النهضة نحو الإستقطاب الثنائي من جديد، لا تتوقف على الإلحاح على النقطة الأكثر إحراجا وإيلام لحركة النهضة: خلفيتها الدينية وعلاقتها مع حركة الإخوان المسلمين والإرهاب.حضور بسمة بلعيد زوجة الشهيد شكري بلعيد وقفة احتجاجية لعبير موسي رافعة صورة زوجها الشهيد دلالة رمزية مهمة جدا عن تحول محور الصراع وتركيبه في مواجهة حركة النهضة. ما تقوم به عبير موسي هو تحويل خلفية حركة النهضة الدينية إلى جريمة تحاول الحركة مرارا التبرأ منه. هذا مع استبسال شعبوي ظهر في البرلمان الذي يثير كثيرا المتفرجين المولعين بالفضائح و يشعرون بالملل من المسلسل الرتيب للمشهد السياسي ،جعل من عبير موسي تتحول إلى موضوع يسيل حبر الصحافة وبلاطوهات الإعلام ويصنع من وجدها حدثا سياسي “يرمّزها” كزعامة سياسية قوية قادرة على مواجهة الفشل والخطر المجسّد في حركة النهضة.

ثلاثا: عبير موسي عدى خطابها العدائي تجاه حركة النهضة، تملك ميزة تنظيمة لم توجد داخل حزب نداء تونس أول التي كانت المعجل في انهياره من الأساس. حزب عبير موسي هو عبارة على نسخة مطابقة من حزب التجمع لا في التسمية فقط، وإنما في تكوين الحزب نفسه. إن كان نداء تونس بني بفكرة تجميل روافد سياسية متعددة دستورية وليبرالية ويسارية، فالدستوري الحر تكتل “صفائي” للتجمعيين. هذه “الميزة” ستجعل الحزب اكثر تماسكا وترابطا في مستوى العلاقات الحزبية وتشابكات المصالح داخل المنتمين إليه.

خاتمة: حركة النهضة التي تكون حزب رديف لها على يمينها (إئتلاف الكرامة) لن يكون دوره امتصاص الصدمات فقط. فمع واقع أزمتها الداخلية سيكون الحزب وجهة للغاضبين والممتعضين من خطاب حركة النهضة الحمائمي،بالتالي لن يكون دائما الحليف المطيع لو تجاوز وزنه الحجم السياسي والشعبي المطلوب.حزب قلب تونس ٱلذي يلتقي للضرورة مع حركة النهضة وٱئتلاف الكرامة لا يعتبر بحال حزبا معاديا للحزب الدستوري الحر. وقد يكون داخل مناخ سياسي ما حزبا حليفا له. في المحصلة، النتيجة الثابتة في كل الحالات أننا سنكون في مواجهة تحالفات سياسي يتزاوج فيها الفساد مع المشاريع السياسية الفاشية ٱلتي لا تهدد الديمقراطية وإنما الدولة ذاتها.

إلغاء فكرة إمكانية الإلتقاء ولو تكتيكيا مع حزب حركة النهضة، وإحراق كل مراكب العودة في واقع تغيّر فيه وزن حركة النهضة سيواصل دفع الحزب الدستوري الحر نحو الأعلى وسيحدد لاحقا موقع حركة النهضة لا من الحكم فقط بل من المشهد السياسي التونسي بأكمله.الراحل الباجي قايد السبسي الذي نجح في افتكاك لقب “أب العائلة الدستورية” والذي استحال بعد رحيله إيجاد شخصية بوزنه الرمزي والسياسي، فسح المجال لصعود الزعامة الكاريزمية العنيدة التي ستجعل المشهد السياسي القادم ناسخا لما قبله.

نساخا في علاقات القوة التي تشكل مشهد الحكم واستتباعاته لا في مستقبل البلاد والإنتقال الديمقراطي المتأزم. فهو لم يعش أبدا مناخا أسوء من هذا…

*كاتب من تونس

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. هل أصبح الإسلام جريمة سياسية تسوغ تأييد أدوات الطغيان والاستبداد؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here