محتشد الرقاب … تونس على مفترق طرق.. ومعركتها ليست ضد الاسلام

اسيا العتروس

اقترن اسم تونس على مر العصور باسماء علماءها و فلاسفتها و مؤرخيها و باحثيها فكانت دوما عنوانا للمعارف و العلوم فكيف يمكن لتونس التي لا يمكن ان يتسع لهذا الركن لذكركل الاسماء التي قدمت ثمار بحوثها الفكرية و العلمية لانارة درب الانسانية ان تقترن اليوم باوكار الفكر الظلامي الذي ينسب ظلما وزورا للاسلام …من الامام ابن عرفة الى العلامة ابن خلدون و الطاهر بن عاشور و المصلح خير الدين و الثعالبي وحشاد و الحداد و بورقيبة  و جعيط و غيرهم تبقى تونس ارض التطلع الى الانفتاح و ارض العلوم و هي و ان كانت اليوم تشهد تراجعا خطيرا في مختلف المجالات الاجتماعية و الاقتصادية و العلمية و المعرفية فانها تظل ارض الابداع و الفن و الحياة و لا يمكن ان تتحول الى مشروع مستنسخ لطالبان افغانستان و لا غيرهم من الحركات المعادية لثقافة الحياة و الازدهار ..طوال الاسبوع الماضي طغت على الاحداث فضيحة الرقاب و التي و الحق يقال لا يمكن اعتبارها لا مدرية و لا قرانية و هي اقرب الى المحتشد الذي يؤسس لجيل معاد لحاضر و ماضي و مستقبل هذه البلاد .و لسنا نبالغ اذا اعتبرنا أن تراجع سلطة القانون و المؤسسات وراء ظهور مثل هذا الفضاء الذي تتحول الدولة الغائبة تداعيات كل ما يمكن ان يرتبط بوجود فضاء معزول في الجنوب التونسي يعمل بتمويلات مجهولة المصدر وتحت غطاء ديني على تنشئة الاطفال و شحن ادمغتهم الصغيرة بثقافة غريبة عن المجتمع التونسي كل ذلك بعلم عائلاتهم التي سلمتهم طواعية لجلاديهم ليغتصبوا عقولهم الصغيرة و ينتهكوا انسانيتهم و يصادروا طفولتهم ..

و هو ما يعني أن كل المحاولات لقلب الاحداث و تصوير الامر على انه عداء لتدريس القران استهزاء بالعقول ..فلا احد اليوم في تونس يمكنه ان يمنع العائلات من تعليم اطفالهم القران و المدارس القرانية تكاد توجد في مختلف المساجد و في كل القرى و المدن طالما كانت هذه المؤسسات تعمل في العلن و تحت سلطة القانون

-معركة تونس ليست  مع الاسلام

معركة تونس ليست  مع الاسلام  و لاهي ضد تعليم القران …و الاصرارعلى ذلك مجانبة للصواب و تزييف للحقائق و نشر للرسائل الخاطئة في الداخل و الخارج .فلا الاسلام و لا القران في خطر و من يدعي ذلك يشكك في قوله تعالى “انا أنزلنا الذكر وانا له لحافظون “..و لا شيئ اليوم يمكن أن يمنع اي مواطن من تعلم القران او حفظه في المؤسسات و المدارس القرانية التي تنشط في العلن وفي  اطار دولة القانون  و بما يحترم مكانة الدين و يعلي شأنه بعيدا عن كل الممارسات الظلامية المريبة …و لكن معركة تونس الحقيقية التي لا تريد النخب التوقف عندها معركة صعبة لم تبدأ بعد ضد الفساد المالي و السياسي و ضد الارهاب والتهريب الذي يستنزف اقتصاد البلاد و ضد كل انواع الترهيب الفكري الذي  ينشر الجهل والتطرف و  التخلف و يدمر التعليم ويدفع الى افلاس  و انهيار المؤسسات العمومية ونشر ثقافة التواكل والامبالاة و التطاول على القانون  و يلغي سلطة الدولة ..وهي معركة معقدة لم تدرك بعد الحكومات المتعاقبة كيف تمسك زمام الامور فيها لتجنب البلاد الوقوع في المحظور و الانسياق الى المجهول..و لاشك أن ما كشفته فضيحة محتشد الرقاب التي قد تكون الشجرة التي تخفي الغابة  بما يؤكد و اكثر من اي وقت مضى أن الرهان الذي يتعين على تونس كسبه ليس بالامر المحسوم ..

اذ و في الوقت الذي يبدو أن الازدحام  سيكون على أشده  بين المتنافسين من مختلف الاحزاب و الانتماءات على الطريق الى قصرقرطاج , فان الخوف كل الخوف أن يكون المال الفاسد و صراع الايديولوجيات سلاح المتنافسين على اصوات الناخبين بدل المشاريع و المبادرات الوطنية التي يحتاجها التونسيون …نقول هذا الكلام و في البال ثلاث مواقف لثلاثة شركاء سياسيين سابقين  وعدوا بالكثير و لم ينجزوا الا القليل , اولهما لزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي الذي استعجل الامور و خرج مبشرا التونسيين بانتهاء ازمة التعليم بين النقابة و الوزارة  قبل ان يدعوه الاتحاد من خلال بيان رسمي  الى الانظباط,   و الثانية لرئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي أطل على التونسيين في كلمة مستعجلة بدوره ليفرض نفسه على الاحد الرياضي و يستعيد ما سبقه اليه الغنوشي مصرا على انه صاحب الانجاز في الغاء الاضراب في الوظيفة العمومية و تحقيق الاتفاق في ازمة التعليم , و اما الموقف الثالث فقد جاء على لسان رئيس الدولة الباجي قائد السبسي  العائد من القمة الافريقية باديس ابابا و الذي ذكر التونسيين بأن توازن القوى السياسية لم يعد ذلك الذي كان قائما في 2014 و ان رئيس حركة النهضة بات المساند الرسمي للحكومة …و هو ما يجعل كل السيناريوهات والاحتمالات قائمة في هذه المرحلة التي تسبق الاعلان عن رزنامة الانتخابات التشريعية و الرئاسية بما يعني أن كل التحالفات أيضا تبقى ممكنة وفق مقتضيات لعبة المصالح و الحسابات التي لا تعرف لغة المستحيل ..على أنه و في انتظار أن يزول الغموض عن  مكونات الخارطة السياسية و ما تستعد له الاحزاب الفاعلة في السلطة أو خارج السلطة يبقى مصدر الخوف و الانشغال من استنساخ التجارب  الانتخابية السابقة التي تغلب منطق الاحزاب و المواقع و تفرض مجددا الاولوية لعقلية الغنيمة التي أفسدت مصالح البلاد و العباد و نشرت الاحباط وقطعت جسور الثقة الهشة مع الناخبين بما  يمكن أن يفاقم العزوف في المحطات الانتخابية القادمة …

نقول هذا الكلام و نحن نتابع أطوار  جلسة المسائلة التي شهد اطوارها مجلس نواب الشعب في أعقاب فضيحة محتشد الرقاب  و التي من شأنها أن  تؤكد ان تونس التي ينتظرها استحقاق انتخابي مصيري قبل نهاية العام تسير على مفترق طرق خطير في ظل تحولات و تحالفات سياسية لم تتضح معالمها حتى الان …و لعل في دعوة خمسة وزراء في حكومة الشاهد لمسائلتهم في الفضيحة التي صدمت التونسيين و هم على التوالي وزيرة المراة نزيهة العبيدي ووزير الداخلية هشام الفوراتي وزير الشؤون الدينية احمد عظوم و وزير التربية اضافة الى محمد محفوظ وزير العلاقات مع المجتمع المدني,  ما يعني خطورة و حساسية ما حدث بالنظر الى  تعقيدات  و تداعيات هذا الملف  الانية و المستقبلية على أكثر من صعيد و بينها ما يتعلق بالجانب الامني و الاستخباراتي والثقافي و الاجتماعي و بمصادر تمويل هذا المحتشد و منها ما يتعلق بمصير مريديه و الاهداف من عزل الاطفال و المراهقين فيه  و انقطاعهم عن بيئتهم الطبيعية و حاضنتهم العائلية وحقيقة اعدادهم للجهاد , و منها ايضا ما يتعلق بمسؤولية الاطراف الرسمية في ظهور هذا المحتشد و مواصلته نشاطاته منذ نحو أكثر من خمس سنوات تحت غطاء ديني متناقض مع المجتمع التونسي  في اعتداله و انفتاحه و تطلعه دوما الى أن يكون العقل البشري الذي أعلى الاسلام شأنه أن يكون  البوصلة في الحياة ..

لسنا نريد استباق الاحداث و لكن كل المؤشرات تدفع الى الاعتقاد بأن المعركة الانتخابية القادمة ستتحول الى معركة ايديولوجية بامتياز لتؤكد أن ما كنا نعتقد أنه وراءنا بعد 2014 سيكون حطب المعركة الانتخابية الرئاسية و التشريعية القادمة بما يعني مزيد اهدار الفرص والوقت في البحث عن جنس الملائكة و دورها في انقاذ البلاد من أزماتها … الحقيقة أن في محاولات البعض داخل او خارج قبة البرلمان تبريرما لا يبرر و اعتبار ا ردود الفعل الرافضة لمحتشد الرقاب مردها رفض تعليم القران انما يتنزل في اطارمحاولات  التضليل الفاشلة و تزييف الحقائق بل و الاخطر فان في ذلك محاولة لارضاء المتطرفين و الجهلة و تجار الدين  و سماسرة الاوطان الرافضين لدستور الدولة المدنية و لدولة القانون و المؤسسات …

اعلامية وكاتبة تونسية

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. نحن لا ننكر على تونس عروبتها و تشبثها بالاسلام لكن ما فعله الحبيب بورقيبة (الدي دكرته من اعلام تونس ) يؤسف له لانه هو من ميع الدين و اخرج تونس الى فضاء العلمانية و اسقط حتى الصيام عن التوانسة و الحجاب عن النساء و افطر جهارا مما اعقبه جيل علماني متسببا فيما يحدث الان لتونس !! و المقصود من هدا يعني استهداف تونس هي الجزائر سواء ا ايديولوجيا او سياسيا او عسكريا مع الاسف …لان تونس امرها منتهي من زكان ..
    للتصحيح عبدالرحمان الثعالبي ليس تونسي بل جزائري ولد فيها و مدفون فيها ..
    شكرا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here