مجلس النواب الأردني: هل حَلّه هو الحل بعد التداعيات الأخيرة؟

د. حسين البناء

بغض النظر عن (التوجسات و الشكوك) حول خلفيات ذلك التشويه و الهجوم الشامل على السلطة التشريعية في الأردن، إلا أنه و كما يبدو فقد اكتملت ثالثة الأثافي لإقامة الحجة على البرلمان وأدائه الضعيف بعد سلسلة التداعيات الأخيرة والتي تُوّجَت بالاهتمام الملكي الخاص بعد قضية (تعيينات أشقاء النواب) والتي وصل عددها إلى ثمان حالات أثارت تساؤلات لدى رأس الدولة، و وضعت رئيس الوزراء (د. عمر الرزاز) في موقف حرج لم يكن دفاعه عنها مقنعًا ولا شعبيًا. والأخطر ما كان قد صدر قبل ذلك بأيام من (تقرير مركز راصد حول الأداء النيابي) والذي كشف عورة كثيرين من النواب الذي اتضح بأنهم “نواب بالمراسلة” و لديهم من الأشغال ما يجعل نيابتهم مجرد “زعامة” مدفوعة الأجر و لغايات الاستعراض الشعبوي و الخطابات العاطفية، وتم بذلك كشف عدد التغيبات الكبير و المشاركات الهزيلة في عمل البرلمان.  ليس هذا فحسب، فقد اكتملت الرواية بذلك الاشتباك العنيف الذي وقع بين عدد من النواب بعد الاعتراض على كلمة أحد النواب في قضية خطيرة تتعلق (بالسلطة القضائية) ولأول مرة في البرلمان يتم تناول مثل هذا الاستفسارات النيابية. أما الأكثر إثارة بعد كل ذلك فهي الشبهات والاتهامات لرموز برلمانية و حكومية متهمة ببعض أعمال (مافيا الدخان) والتي تتسع فيها دائرة الاتهام و الشك يومًا بعد يوم.

ينص الدستور على أن “النظام نيابي ملكي …” وبرغم ذلك فقد استُؤنفت الحياة البرلمانية في الأردن عام 1989 بعد عدة تعطيلات كان من الممكن عدم اللجوء لها، و عقب الأزمة الاقتصادية الكبرى التي عصفت بسعر صرف الدينار و الاحتياطيات من العملات الأجنبية و تآكل القدرة الشرائية للمواطنين. جاء قرار عودة البرلمان  جزءًا من متطلبات اللجوء إلى الاقتراض و تصحيح الملف الاقتصادي بمساعدة و إدارة (البنك الدولي و صندوق النقد الدولي)، و جاء ذلك كله كجزءٍ من حالة تخفيف الاحتقان الشعبي العارم تحت وطء التراجع الاقتصادي و تردي الحالة العامة و مستوى نوعية حياة المواطنين، لقد كان كل ذلك بمثابة (حل سياسي مجاني) لأزمة اقتصادية لم يكن لها حل.

مجلس الأمة الأردني (المُشكّل من “النواب” المُنتَخَبين وهم ثلثي البرلمان،  و  “الأعيان” المُعَيّنين ملكيًا وهم الثلث الباقي) منوط به دستوريًا وظيفة التشريع، و الرقابة على أعمال الحكومة كسلطة تنفيذية، وهذه هي طبيعة عمل البرلمانات في العالم الحر والديمقراطي.

كانت تجربة برلمان 1989 جيدةً و معبرةً نسبيًا عن الإرادة الشعبية، و مُمَثّلةً إلى حدٍ كبير عن شرائح المجتمع الأردني، و حظي الناخبون آنذاك بفرصة الاختيار بشكلٍ لم يتكرر لليوم؛ حيث كان مجلس النواب خريطةً للأحزاب و العشائر و القوى الاجتماعية و الاقتصادية المؤلِّفة للشعب، وهو ما تم قراءته وقتها كمؤشر سلبي على هيكل السلطة و النفوذ و حسابات الدولة العميقة، فكانت الردة عندما جاء (قانون الانتخاب) المشؤوم ذو (الصوت الواحد) ومن بعده سلسلة تعديلات زادته كارثية مثل (الدوائر الوهمية) و (القائمة النسبية)  و الكوتات النسائية و العرقية و الدينية التي يدور جدل حول دستوريتها حتى اللحظة.

قانون الصوت الواحد:

قانون الصوت الواحد نجح تمامًا في تمزيق بنية المجتمع الأردني، حيث أدى على المدى القريب لتوجه الناخبين إلى منح صوتهم الوحيد لأقربائهم و أبناء عشائرهم وذلك بحكم السمة القبلية للمجتمع، مما أدى لحرمان الأحزاب و النخب الحزبية و الثقافية من فرصة الانتخاب، فكان أن تم استبعاد الأحزاب و المثقفين من البرلمان. ثم على المدى البعيد أدى إلى تمزيق وحدة العشائر حيث برزت شخصيات عشائرية جديدة راغبة في الترشح للنيابة، فوقع ذلك الصدام ما بين (الشخصيات العشائرية التقليدية و التي حظيت بفرصة الفوز سابقًا في النيابة) و (الشخصيات العشائرية الجديدة الطامحة في الظهور والعمل السياسي) فكان أن تطورت حالة التنافس على (الصوت الوحيد) إلى صدام قَبَلي عميق و دموي في بعض الحالات بين أبناء الفخذ الواحد! مما أدى لانقسام عشائري حاد تفاقم  و تعزّز مع كل دورة انتخابية لاحقة بسبب ازدياد عدد الطامحين الجدد للصعود  من أبناء العشيرة الواحدة. فكان بذلك أن تم تمزيق بنية المجتمع الحزبية و العشائرية معًا.

مجلس النواب الحاضر الغائب:

هنالك حالة انفصال واضح ما بين إرادة الناس و صنع القرار في الدولة، حيث تنعدم حالة التمكين الشعبي تمامًا في ظل تلك العدمية التي تتجسد في إرادة برلمان ما عاد يمثل رغبات و توقعات و آمال الجماهير التي لم تنتخبه أصلًا عندما بلغت نسبة التصويت 31% في الدورة الأخيرة! كل هذا جعل البرلمان كمجلس خدمات عامة، و يبدو كأداة في يد السلطة التنفيذية، و باتت المواقف تتماهى و تنسجم وكأنهما سلطة واحدة، و تجلى ذلك في إقرار البرلمان (لقانون الضريبة و قانون الموازنة العامة) بدون أي تحسس للشارع المحتقن و المتجمهر في ميادين الاحتجاج.

الحكومة النيابية:

في عدة مناسبات كانت الدعوة لتطبيق فكرة الحكومة النيابية، و لم يتضح فيما كان القصد أن تتكون الحكومة من نواب أم أن الحكومة يقرر تشكيلها البرلمان، في هذه الحالة فإننا أمام تعديل دستوري بارز حيث مازال الدستور ينيط الحكومة بالملك وليس البرلمان، كما أن هنالك جدل حول التخوف على مبدأ فصل السلطات المُقدّس في حالة كون النائب وزيرًا في ذات الوقت، والأكثر جدلًا هو حول “تأهيلية” البرلمان بشكله و نمط تشكّله الحالي لأن يمارس دور السلطة التنفيذية وهو عاجز عن ممارسة دوره الدستوري التشريعي و الرقابي.

آفاق الحل:

بعد كل الأزمات الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وفي حال استشعرت مراكز القرار في الدولة ضرورة الإصلاح للذهاب قدمًا نحو دولة عصرية ديمقراطية يسودها القانون و العدالة والتمكين، فإن عامة النخب الأردنية تجتمع على مسودة قائمة مطالب من شأنها الخروج من حالة التعثّر السياسي والاقتصادي، ولعل من جملتها: تعديلات دستورية من شأنها انتخاب أو إلغاء مجلس الأعيان، منح البرلمان صلاحيات أوسع في الشأن العام والقرار، توظيف آلية “الاستفتاء الشعبي العام” في الأمور المفصلية و الهامة، إخضاع جميع أجهزة الدولة للرقابة العامة و تطبيق مبدأ الشفافية الذي يضمن كبح الفساد و سوء الإدارة، تعزيز حريات الصحافة و التعبير عن الرأي و التجمهر، قانون انتخاب تقدمي يتجاوز التجارب السابقة العقيمة بحيث يضمن توسيع الدوائر الانتخابية و تعزيز الحضور الحزبي و الفكري في البرلمان و تجاوز الجهويات المحلية المعتمدة على تقديم الخدمات و شراء الأصوات من طرف رجال الأعمال، تعزيز استقلال القضاء التام وإنهاء دور “وزارة العدل” في شؤونه.

أكاديمي وخبير سياسات

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here