“مجلس أوروبا” والمغرب، أو الفتوى والجنس”!

زكية حادوش

كما يقول الأستاذ “خوليو” (نعم هو نفسه المغني الرومانسي الذي تعرفون)، فكلما حلَقنا على ارتفاعٍ منخفض كلما أطلق الناس علينا الرصاص بنية القتل. وهذا ينطبق على كل شيء، فمن يريد التحليق عليه التحليق في الأعالي حتى لا يصاب بالنيران العدوة والصديقة على حد سواء.

كانت هذه النصيحة دائماً تعجبني وما زالت، مثلما كنتُ دائماً أنصح من يريد السباحة ضد التيار بأن يدع عنه جانباً، أولاً وقبل كل شيء، الخوف من الابتلال!

هذا ينطبق على كل شيء في هذه الحياة، بما في ذلك الخوض في الشأن العام أو في أي نقاش عمومي. العقل يقول فقط بالابتعاد عن النقاشات المغلوطة والاشكاليات المصطنعة التي تهدف بالأساس إلى صرفنا عن الإشكالية الأم، أي توزيع الثروة إنتاجاً واستفادةً وبالتالي توزيع السلطة… الابتعاد عن إشكاليات من قبيل المرأة ضد الرجل، العرب ضد الأمازيغ، الشباب ضد الشيوخ…الخ، فما هي سوى ثنائيات مصطنعة لإلهائنا عن الإشكالية الأم السالفة الذكر.

هذا لا يعني الامتناع عن إبداء الرأي في “نوازل” ينصب عليها نقاش المغاربة بين الحين والآخر، وقد يحتدم هذا “النقاش” ليتحول الموضوع، رغم أنه ثانوي بالمقارنة مع أم الاشكاليات، إلى قضية خلافية…مثل بعض القضايا المرتبطة بوضعية المرأة في المجتمع ولا أقول “حقوق المرأة”، فقد عقدتني هذه العبارة من كثرة استهلاكها من طرف الراكبين والراكبات على ظهر هذه القضية وتزييفها للوصول إلى ريع حقيقي أو سلطة زائفة أو دقيقة مرور في التلفزة! هذه الوضعية التي تجعل النقاش حول مسائل مثل الإرث أو التحرش أو حق الكد والسعاية أو أحكام الزواج والطلاق … يتحول إلى حلبة صراع للديكة بين المتنطعين من هذا الطرف أو ذاك.

آخر هذه الصراعات (عفواً الصرْعات لأن الأمر كالموضة يظهر بقوة في موسم ثم يختفي في الموسم التالي)، هو قيام مجلس أوروبا من خلال تقييمه للشراكة مع البرلمان المغربي باعتبار المملكة “شريكاً” للاتحاد الأوروبي منذ 2011، بدعوةِ المغرب إلى رفع التجريم القانوني عن العلاقات الجنسية الرضائية بين البالغين… هذه الدعوة أثارت زوبعة بين المتنطعين المتمسحين بالدين من جهة، الذين اعتبروها تحريضاً على الفساد لأن أي علاقة خارج “مؤسسة الزواج” تعتبر حراماً، كأن الزواج في المغرب كما هو عليه الآن ليس “بدعة” استعمارية بحكم أن ما يسمى عند العامة “كاغيط” لم يوجد إلا نادراً جداً في مغرب ما قبل الاستعمار، وأتحدى أي كان أن يقول بأن أسلافه تزوجواْ بغير الفاتحة. إذاً فشروط الزواج في الإسلام معروفة، ومن بينها “إشهار” هذه العلاقة بغاية إثبات نسب ذرية محتملة وفق القاعدة الفقهية “الابن للفراش”.

من جهة أخرى اعتبر “المركمجون” على قضية المرأة أن استمرار القانون الجنائي المغربي في تجريم العلاقات الرضائية سواء بين شخصين من جنس واحد أو من جنسين مختلفين هو ضرب من التخلف ويجب إلغاء هذه الأحكام فوراً كأن التشريع عصا سحرية تغير العقليات بين عشية وضحاها. فبمجرد صدور رفع التجريم في الجريدة الرسمية سينام مغربيو العام الثاني بعد الهجرة ليستيقظواْ في الصباح الموالي في القرن الواحد والعشرين، وهي معجزة لم تحدث إلا مع أهل الكهف وكلبهم!

سبحان الله، لا أجد ما أقوله سوى توجيه سؤال واحد لهؤلاء “المناقشين”: مَنْ منكم اِطلعَ على توصيات مجلس أوروبا في نفس السياق بشأن المتابعات القضائية عقب أحداث الحسيمة؟ من أجاب بنعم ولم يبد أي اهتمام بهذه القضية مقابل قضية العلاقات الحميمية فلا داعي لتذكيره بأنه يفكر بعضو آخر غير عقله وقلبه!

كاتبة مغربية

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. *إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون*كل فاشل فهو ناقد،من فشل في تربية نفسه وبناته يبيح الحرية الجنسية ليهرب من الخزي الذي يعيشه.الحمد لله على نعمة الاسلام وكفى بها نعمة .بسم الله الرحمان الرحيم:ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانافه له قرين.
    فالشيطان يوحي الى أوليائه وأتباعه زخرف القول ليجادل به الحق وأهله .ومن يعش منكم سيجد إختلافا كثيرا.صدق رسول الله ص

  2. قبل كل شيء انا لا اؤيد على الاطلاق العلاقات الشاذة التي على ما يبدو ان الاستاذة زكية تؤيدها.

    لكن اجد العلاقة الرضائية المقننة كما عند الامم المتحضرة لا تتعارض مع الزواج الاسلامي الذي يحافظ على النسب.

    أنا أعيش في الغرب منذ ثلاثة عقود، ووجدت ان غالبية الشعوب الغربية تمارس النكاح عن طريق العلاقة الرضائية أكثر من زواج الكنيسة الرسمي، ومن هنا أجد الغرب حل مشكلة الكبت الجنسي وقضى على توابعها من المشاكل.

    أخيرا:
    من المحتمل أن تكون العلاقة الرضائية حلا غير ناجع لمشكلة الكبت الجنسي في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، لكن علينا ان لا نركن الى الركود ونبقى عالقين أمام هذه المشكلة.

    الاسلام دين مرن يواكب كل عصر، وعلى الفقهاء ان يجتهدوا لايجاد الحل المعاصر.

  3. للأسف ان كاتبة المقال تنظر للقوانين الأوروبية وتتجاهل القوانين الالهيه . ثم تعاير غيرها بتأثرهم بحقبة الاستعمار و تناست نفسها و كلامها و مظهرها اللذي لا يمت لهويتها الاصلية بشئ. الذنوب و المعاصي بكافة أنواعها موجودة منذ بدء الخليقة . و لكن المجاهره بها هي الشعره اللتي تقصم ظهر البعير و هي اللتي توجب العقوبة الشرعية و هي اللتي تجلب الهلاك و الغضب الإلهي. بما أن الكاتبه مبهوره بالقوانين و الحياة الأوروبية فأنا ادعوها ان تتركنا في حالنا و ان تذهب إلى أوروبا و تعيش الحياة اللتي ترتضيها لنفسها و لا نرضاها لأنفسنا فهم كما وصفهم الله في كتابه الكريم ” بل هم كالأنعام بل أضل سبيلا “.
    اهتمي بنفسك فقط يا حضرة الكاتبة فبقيتنا نهتم ببعضنا البعض و نحرّض بعضنا البعض على البر و التقوى و نأمر بالمعروف و ننهى عن المنكر و البغي.

  4. يا سيد عاصم انت لا ترى الموضوع كما قالت الاستاذة بعضو اخر غير العقل .انت لا ترى في الزواج الرسمي الا تقييدا لحرية الشباب في الاستمتاع و اشباع الكبت اما المشاكل الناتجة عن الحرية الجنسية فلا تخطر لك على البال ولا بأس ان اذكرك بأن الغرب الذي سار في اتجاه تحرير العلاقات الجنسية قد دخل في مستنقع لا يعرف كيف يخرج منه .ولا يغررك دعاة الليبرالية الجنسية الذين ترتفع اصواتهم بهدف تدنير المجتمعات بل انظر الى الميزانيات الضخمة التي تصرفها هذه الدول لاصلاح الخسائر الناتجة عن هذه الليبرالية واليك بعضا من اوجه صرف هذه الميزانيات :
    1- اليبرالية الجنسية تخلف اطفالا او ما يسمى بالمهات العازبات وهؤلاء الاطفال يعتبرون من مسؤوليات الدولة
    -2 نشير الدراسات ان الاطفال المولودين بهذه الطريقة يعانةن من مشاكل نفسية معقدة نتيجة غياب الاب في حياتهم وهؤلاء يستلزمون علاجا نفسيا تتولى الدولة تكلفتها
    3- الاطفال المولودين بهذه الطريقة هم اكثر عرضة للانحراف واستعلاك المخدرات وهؤلاء تصرف عليهم الدولة ميزانيت ضخمة في برامج محارة المخدرات والتوعية بمخاطرها
    4- معطم الجرائم الخطيرة حسب هذه الدراسات يقوم بها اطفال متخلى عنهم او مولودين خارج اطار الزواج ويمكنك الرجوع الى الاحصائيات بنقرة على محرك البحث في غوغل
    اما اخطر النتائج فهي عزوف الشباب عن الانجاب مع ما يعنيه ذلك من شيخوخة المجتمع على المدى البعيد واضطرار هذه البلدان الى فتح المجال للهجرة من اجل تعويض النقص في عنصر الشباب الذي تعاني منه هذه الدول .وهذا له نتائج وخيمة على بقاء النوع الاوروبي برمته وما نراه من صعود لموجة اليمين المتطرف المعادي للهجرة الا نتيجة لهذا الوضع

  5. عندما نتعمق في دراسة مفهوم الزواج من الزاوية الاسلامية المحمدية، سنجد العلاقة الرضائية لا تختلف عنه، لكن غالبية عوام الناس والاسلاميين المتشددين لا يبيحون ممارسة النكاح الا عبر الزواج الذي هم رسموا حدوده!

    العلاقة الرضائية هي أعظم حل لمعضلة الكبت الجنسي الذي يعاني منه الكثير من أبناء الامة، هذا الكبت نتج عنه اختلال في توازن الشباب، والذي أدى الى تعاستهم وساهم في عدم نجاحهم في شتى مجالات الحياة، أيضا نتج عنه كوارث، مثل الدعارة، وقتل الاجنة في عيادات اسقاط الجنين الغير قانونية، وقتل الشرف وعشرات الواو بهذا الصدد.

    ومن هنا أجد هذا المقال وضع الاصبع على مشكلة حقيقية تعاني منها الامة في كل الأقطار الإسلامية.

    شكرا للأستاذة زكية حادوش

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here