الأسير كميل أبو حنيش: مجاز “الخارج” وانقلاب الأدوار في زمن الكورونا

 

 

الأسير كميل أبو حنيش

هل نحن خارج حسابات الزمن؟ كم سيمضي من الوقت حتى ندرك بعض الحقائق المفزعة، ونحن نرقب بدهشة الأطفال، العالم الذي ينكمش على ذاته، والخارج بالنسبة إليه، مجرد شرفة يطل من خلالها على العدم، وإذا حالفه الحظ فبضع خطوات خارج الباب كي يتذكر أنه لا يزال حرًا… أما نحن المنذورين للحياة خلف الأبواب الموصدة، نحن من نحيا انفصالًا قسريًا عن الزمن .منا من شارف على إنهاء أربعة عقود في جوف الحوت، تلك العلب الإسمنتية الباردة التي أسماها البعض بمدافن الأحياء، تختلط الأشياء علينا في زمن الوباء ولم نعد نفهم بعض المفردات في قاموس العالم.

ماذا تعني الجهات الأربع؟ الفصول الأربع؟ المقهى، الشارع، السيارة، الشجرة، الأطفال..

وقائمة طويلة من المفردات التي ماتت في قاموسنا، ماذا يعني الداخل والخارج؟!!

لكن لا بأس في الخارج مجرد عالم باتت تجتاحه هستيريا الوباء، فزع العالم ولم يتسنى لنا أن نفزع كما البشر في كافة أنحاء الارض، العالم يهرب ويختفي خلف أبواب البيوت، فيما لم نمنح أي فرصة ولو بالتظاهر بالفزع أو بالفرار.

يعيش العالم تجربة حظر تجوال لم يشهدها في تاريخه الطويل، ويغدو الخروج للشارع حلمًا، فتتحول جهاته الأربع إلى سجن كبير، لم نعد وحدنا المسجونين وإن كان ثمة فارق هائل بين سجن وآخر، غير أننا في سجننا لا نعرف الهستيريا، وربما كانت سجوننا هي المكان الوحيد الذي لم تصله الجائحة، ليس لأننا محتاطون من إمكانية تفشي الوباء، وليس لأن الدولة الاحتلالية توفر لنا كل ما من شأنه أن يمنع هذه الأفعال، وإنما لأننا خارج حسابات الزمن وحسب.

في زمن الوباء تنقلب الأدوار ويغدو السجان متهمًا بالإصابة ويتعين عليه أن يثبت كل ساعة أنه ليس موبوءا كي يسمح له بالاقتراب من حجراتنا لتأدية مهام وظيفته، ويحظر عليه الخروج من حجرته المحصنة أسوة بكل المحجورين والمحظور عليهم ملامسة الخارج ووحدنا من لم يحظر علينا الخروج للخارج، فالخارج بالنسبة هو مجرد خارج الغرفة، أي الساحة أو الفورة، وحدنا من بقينا نتحادث ونصافح بعضنا ونتعانق في الأعياد والمناسبات ولم يفرض علينا مبدأ “التباعد الاجتماعي”.

يبقى العالم قابعًا وراء الأبواب الموصدة خوفًا من الوباء المتربص على عتبة الباب وفي المصعد والسيارة والمطعم ودرج المكتب وسلم الطائرة، أما السجان ففرض عليه مبدأ التباعد عن أقرانه من السجانين، أما نحن الأنقياء من أي الوباء صار يتحاشانا ليس لأنه لا يرغب في نقل العدوى إلينا، وإنما لأنه أدرك في أعماقه انه موجود بعقدة، الدونية وأنه قابلٌ للإصابة بكل أنواع الأوبئة، وأن الفيروسات لا يمكنها الاقتراب من البشر الأكثر مناعةً ونقاءً.

لا زلنا بخير، وتأكد لنا سلامة حسّنا الإنساني، ينتابنا الحزن على الضحايا الذين يذهبون إلى حتفهم كل يوم، ويساورنا القلق على سلامة شعبنا وأهالينا، أما نحن فلم يداخلنا أي خوف من إمكانية تسرب الوباء إلى صفوفنا.

فرضت علينا الإدارة الكثير من إجراءاتها الطارئة، وكلها إجراءات عقابية وإن تسترت بستار الإجراءات الوقائية، ولقد مُنعنا من زيارة الأهل، والتنقل بين السجون، والخروج للعيادات والمشافي، والتلكؤ والمماطلة في حل الضائقة المالية وسد العجز في الاحتياجات الغذائية والسجائر والملابس.

ولكن لا بأس، في زمن الكورونا لا زلنا نحظى في الخارج أو مجازه، ومن هذا المجاز نحتفي بالقليل من الحرية وبوصفنا أنقياء من الوباء فيما يقف السجان محدقًا فينا عن بعد، خلف الفاصل الحديدي يتطلع إلينا ونحن نمشي في الساحة فرادى وجماعات لا يخالجنا أي شعور بالفزع أو الهستيريا، يقف السجان مرتديًا لكمامته وقفازاته يتأملنا جيدًا، عيناه تشعان بشيء من الغيرة والحسد لإنه قادمٌ لتوه من مدينته الغارقة في صمتها، وقد تحولت إلى مدينة أشباح.

ربما خطر بدهنه انقلاب الأدوار، وقد صار الأسرى وحدهم من يمتلكون مجازات الحرية، في الوقت الذي يغرق فيه العالم بالصمت ويعيش حجرًا صحيًا شاملًا وقسريًا.

فيما هؤلاء السجناء ليس لديهم ما يخسروه ووحدهم من لا يعيشون حالة الذعر والقلق والإكتئاب.

ربما هتف بنفسه: “ليتني كنت سجينًا ..”

سجن ريمون الصهيوني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. ندعو الله ان يفرجها علىيكم وعلى شعبنا وأمتنا. قلوبنا معكم لن يطول الليل بإذن الله. ما بين غمضة عين والتفاتتها يغير الله من حال الى حال

  2. اقسم بالله اننا سجناء اكثر منك.سجناء بتعب يومي.بخجلنا امام رحولتكم.ربما تقول هذا مجرد كلام.ربما تثول اي شيء.لكنني احسد شجاعتك وانك تمارس الجهاد كل يوم.كل انسان عربي ومسلم يشعر بدونية الا انت.أنت حر امام نفسك.انت حر،وثمة نذالة نراها بغيرنا وبانفسنا أنت أيام سجنك جعلتك بريء منها.نحن نذل بحواره نذل.وانت حر بجواره حر.اما سجانك فانه اقذر الكائنات الحية.لذلك أنا لا احزن عليك ولا على الشهيد،بل أحزن علينا نحن جميعا.

  3. الحرية لأسرى الحرية
    رسالة محزنة تعبر عن مأساة عميقة يعيشها أبناء فلسطين خلف الأبواب الموصدة حيث يعيشون المعاناة بأشكالها وأنواعها من قبل سجانيهم وقاتليهم لكنها تعبر في نفس الوقت عن روح التحدي للسجان ومشاعر الحرية والتميز بالأفضلية على سجانيهم ولو في مساحة بسيطة من الحياة
    كما أنها تخاطب الشعب بأن لا ينسونهم كونهم مازالوا على قيد الحياة ويقاومون الموت البطيئ ويعيشون حياتهم كما هي. المجد لكم يا من أنتم خلف القضبان الحديدية وخلف الأبواب الموصدة فأنتم الأحرار ونحن المعتقلين خلف سراب الوهم بأننا أحرار

  4. اللهم نبتهل إليك أن تفرج عن المجاهدين المعتقلين
    بعزتك وكرامتك ونورك الدائم وبقرآنك الكريم يارب

    عندما يكون الإنسان حراً ولا يتمكن من فعل شيء
    فإن شعوره يؤنبه بشدة وإستمرار ويتمنى السجن
    حيث يكون لديه سبب قاهر لعدم إنجاز ما يريده
    ..
    أما المجاهدون السجناء فأنتم الأبطال الحقيقيون
    وأنتم من يلهم الشعب ويدفعه للإنتفاض والجهاد
    ..
    عاش نظال شعبنا البطولي
    عاشت فلسطين حرة عربية
    .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here