متلازمة موريطانيا

mohamed-maghouti (2)

محمد مغوتي

ليس لهذا العنوان أية علاقة بالحالة النفسية المعروفة ب “متلازمة ستوكهولم”، لكن حضور موريطانيا بشكل كبير في المشهد السياسي المغربي هذه الأيام، يمنح للفظ “متلازمة” دلالة خاصة. ويبدو أن التصريحات الأخيرة للأمين العام لحزب الإستقلال التي أرغمت الديبلوماسية المغربية على التحرك لرأب الصدع مع موريطانيا، سيكون لها بالغ الأثر على مستقبل المشاورات لتشكيل الحكومة المرتقبة، خصوصا وأن الموقف من مشاركة الإستقلاليين في الحكومة هو الذي وضع تلك المشاورات في حالة بلوكاج قاربت شهرها الثالث حتى الآن.

نقرأ في “معجم المعاني الجامع” ( المعجم الوسيط) : تلازم الشخصان/ الشيئان : تعلقا تعلقا شديدا لا انفكاك فيه. وتوالت الأحداث متلازمة: متلاحقة، متوالية، متزامنة.

لقد تعلق بنكيران تعلقا شديدا بحزب الإستقلال وأمينه العام شباط رغم فترة الجفاء الحادة (التي ميزت علاقاتهما بعد انسحاب حزب الإستقلال من الحكومة السابقة)، والتي وصلت في كثير من المواقف بالخطاب السياسي إلى الحضيض في خرجاتهما الإعلامية والتعبوية…. وبعد عودة حبل الود بينهما، ظل بنكيران يرفض كل العروض والإملاءات التي تحثه على التخلي عن فكرة مشاركة حزب الميزان في الحكومة المقبلة. لكن يبدو الآن أن التطورات المتلازمة التي أعقبت تصريحات شباط المثيرة للجدل بخصوص موريطانيا قد تكون فرصة لانفكاك بنكيران من الوعد الذي قدمه للإستقلاليين. أو لنقل بأن قوة المتلازمة قد تنهي قوة التلازم.

قال بنكيران – خلال زيارته الخاطفة إلى ” الزويرات” حيث التقى بالرئيس الموريطاني- تعليقا على ما حدث بعد الضجة التي أحدثتها تصريحات شباط: “رب ضارة نافعة”. ويبدو أنه محق تماما، لكن الأمر لا يتعلق بفتح مرحلة جديدة من العلاقات مع موريطانيا فقط، بل هي نافعة أيضا في السياق الداخلي المغربي الذي يعيش على إيقاع المشاورات حول تشكيل الحكومة. ذلك أن بنكيران يدرك تماما أن تشبثه بحزب الإستقلال لا يعني إلا مزيدا من التعثر والبلوكاج. وها هو طوق النجاة قد جاءه من حيث لم يحتسب. فبنكيران الذي يسعى إلى إرضاء السلطة ونيل عطفها، يعرف أن البيان القوي الذي أصدرته وزارة الخارجية المغربية ردا على تصريحات الأمين العام لحزب الإستقلال، لا يعبر عن الموقف الرسمي للدولة في ما يرتبط باحترام سيادة الدول وعلاقات حسن الجوار فحسب، بل يحمل خطابا ضمنيا موحها له ( بنكيران) هذه المرة، ومفاده أن حزب الإستقلال ليس مرحبا به في الحكومة المنتظرة لأسباب يعرفها صانعو القرار أكثر من غيرهم. وهذا ما بدا واضحا من خلال ردود الأفعال التي عبر عنها حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يمتلك مفاتيح حل البلوكاج، لكنه يصر على أن الإستقلال لا يمكن أن يكون طرفا في الحكومة. وهو الموقف الذي أعلن عنه أخنوش لوسائل الإعلام بوضوح بعد آخر لقاء جمعه ببنكيران بحضور  العنصر الأمين العام للحركة الشعبية.

البيت الداخلي لحزب الميزان نفسه يعرف حالة انقسام غير مسبوقة بسبب تصريحات أمينه العام، سواء تلك التي ترتبط بموريطانيا أو في ما يتعلق بحديثه عن تدخل المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة في استوزار أسماء استقلالية بعينها في حكومة بنكيران الأولى بعد انتخابات 25 نونبر 2011. وهو الموقف الذي دفع عباس الفاسي الذي كان حينها أمينا عاما للحزب للرد على خلفه ببيان ناري يثبت أن البيت الإستقلالي تعمه الفوضى، ويحتاج إلى إعادة ترتيب… ولأن الملك قد عبر في أكثر من مناسبة عن رفضه لإقحام المؤسسة الملكية في الشأن الحزبي، فإن ما قاله شباط يجعل حزبه في مواجهة مباشرة مع القصر، رغم أن هذا الأخير تحاشى الرد عليه حتى الآن، وذلك عكس ما حدث مع الأمين العام للتقدم والإشتراكية قبل ثلاثة أشهر عندما صدر بيان من الديوان الملكي يتهجم فيه على تصريحات نبيل بنعبد الله عن التحكم.

حماسة شباط جعلته يتجاوز الخطوط الحمراء التي تفرضها الأعراف الديبلوماسية، فوقع في منزلق اندفاعه اللفظي. ومع أنها ليست المرة الأولى التي يخرج فيها بتصريحات مماثلة، حيث سبق له أن تحدث بنبرة مشابهة عندما طالب باسترجاع تندوف وبشار والصحراء الشرقية من الجزائر.( وحينها لم يثر كلامه كل هذا اللغط الإعلامي والسياسي)، فإن ردود الفعل القوية والغاضبة التي عبرت عنها الحكومة الموريطانية قد أربكت الديبلوماسية المغربية واستنفرتها، فخرجت وزارة الخارجية ببيانها المعلوم، وأرسل بنكيران إلى بلاد شنقيط لإطفاء الحرائق التي أشعلها الأمين العام لحزب الإستقلال. وهذا يعني أن ما قاله شباط – وإن كان لا يعبر عن موقف الدولة- اعتبر هدية مجانية للأطراف المعادية للمغرب، فكانت الدولة مجبرة على القيام بتحرك ديبلوماسي كانت في غنى عنه. وتلك نقطة تسجل ضد حزب الإستقلال وأمينه العام، وتزكي طرح الجهات الرافضة لانضمام الإستقلاليين للحكومة المنتظرة.

ومن الواضح أن زلة شباط هذه ستفرض مزيدا من الضغوط على بنكيران الذي يعرف أن هامش الحركة لديه بات محدودا جدا ( إن لم يكن منعدما)، فقد كان طيلة الأسابيع الأخيرة ينتظر ليونة وانفراجا ما في موقف أخنوش حتى يفي بوعده للإستقلاليين بالمشاركة في الحكومة، ويضمن في نفس الوقت تواجد الأحرار بجانبه، لأنه يدرك أن السلطة تراهن على حزب الحمامة في المرحلة المقبلة، وحضور حزب الإستقلال إلى جانبه كان من شأنه أن يجعل بنكيران في موقع قوة، ويفرمل طموحات وتطلعات حزب الحمامة نحو الإستحواذ على الحقائب الوازنة في الحكومة… أما الآن فقد أصبح موقف رئيس الحكومة حرجا، لأن عناده لم يعد مبررا على الأقل في علاقته بالسلطة بعد هذه الزوبعة التي أثارها حليفه شباط.  ويبدو أن تبعات متلازمة موريطانيا ستجعله يرضخ للأمر الواقع، وهو يهمس في أذن شباط: “مكره أخاك لا بطل”.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here