مبادئ ثورة 23 يوليو: خارطة طريق لمصر والأمّة العربية

maan-bashour1-

 

معن بشور

بعد 62 عاماً تعود مبادئ ثورة 23 يوليو المصرية وصورة قائدها الراحل جمال عبد الناصر إلى الواجهة من جديد لا لظهورها في ميادين مصر قبل عام ونيّف فحسب، ولا للتنافس الواضح على ادعاء حمل رايتها والانتساب لتجربتها كما في الانتخابات الرئاسية المصرية الأخيرة فقط، بل لأنها باتت تمثل حاجة للمصريين في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يواجهونها، كما أصبحت طوق نجاة للأمّة بأسرها بعد محاولات إغراقها بكل أنواع الفتن العرقية والدينية والمذهبية على امتداد الوطن الكبير، لا بل أصبحت مبادئ هذه الثورة رمزاً حياً متجدداً على مستوى حركة التحرر العالمية نفسها حيث يتردد صداها على لسان أكثر من زعيم من زعماء هذه الحركة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، كما يتم الإشارة إلى قائدها جمال عبد الناصر كواحد من أبرز رموز الاستقلال الوطني ومكافحة الاستعمار والعنصرية بكل أشكالها.

إن هذه الاستعادة المصرية والعربية والإسلامية والأفريقية والعالمثالثية والدولية لثورة يوليو وقائدها تؤهلها لأن تكون بمبادئها وتجربتها وسيرة قائدها بمثابة خارطة طريق تخرج مصر، ومعها كل العرب، وكل حركات الاستقلال والتحرر والنهوض في العالم إلى عالم أكثر عدلاً ورخاءً وتوازناً واحتراماً لحقوق الشعوب ومواطنيها.

وتبقى استعادة هذه المبادئ والعمل بها هي الوسيلة الفضلى لإحياء ذكرى قيام ثورة يوليو بعيداً عن خطأ التمجيد العاطفي والتعداد المتكرر للإنجازات وخطيئة التحامل على ثورة لم تستطع قوى كبرى أن تزيل معالمها ومعانيها من ذاكرة الأمّة ووجدانها.

إن بعض مبادئ ثورة 23 يوليو التي ينبغي استحضارها والاسترشاد بها اليوم مصرياً وعربياً وعالمياً تتلخص بالآتي:

المبدأ الأول: تكامل الوطنية المصرية مع القومية العربية فلا طغيان لواحدة على الأخرى، ولا مقايضة بينهما، ولا تفضيل لهذه أو تلك، بل أدراك عمق التلازم بين الهويتين والدائرتين إذ لا سبيل إلى الوحدة العربية إلاّ بتعزيز الوحدة الوطنية وصونها من كل محاولات الاختراق،  ولا تحصين للوحدة الوطنية إلاّ بتأكيد الانتماء القومي الجامع لأبناء القطر الواحد على قاعدة المواطنة والمساواة التي لا تفرق بين الانتماء لدين أو لآخر، لمذهب أو لمذهب ثانٍ، لهذا العرق أو ذاك، فمن يدعو الناس إلى احترام عقيدته الدينية، وهويته القومية، وسيادته الوطنية عليه احترام عقائد الآخرين الدينية، وانتماءاتهم القومية، وسيادتهم الوطنية.

لهذا جسّدت ثورة 23 يوليو هذا التلازم بين الوطني والقومي مثلاً، حين تبرع قائدها بأرض في وسط العاصمة المصرية لبناء الكاتدرائية الأكبر للأقباط ودعا المصريين جميعاً، بمن فيهم أسرته الصغيرة، إلى التبرع لبنائها.

والأمر ذاته تكرّر مع اعتماد الأزهر الشريف، بتوجيه من ثورة يوليو، المذهب الجعفري مذهباً خامساً لتدريسه في الأزهر مع المذاهب الأربعة في الدين الحنيف، كما تجلّى احترامه للسيادة الوطنية يوم اعترض على محاولة الزعيم العراقي الراحل عبد الكريم قاسم ضمّ الكويت بالقوة مسارعاً إلى اعتماد الحلّ العربي لتلك الأزمة بدلاً من استدعاء التدخل الأجنبي، ليكرّر الأمر نفسه حين احترم إرادة الرئيس اللبناني الراحل فؤاد شهاب بعقد اجتماع مشترك معه، وهو رئيس الجمهورية العربية المتحدة بأقليميها الشمالي الجنوبي، في خيمة على الحدود اللبنانية – السورية في إشارة تحمل العديد من المعاني، وتطمئن هواجس بعض اللبنانيين التاريخية من وحدة اندماجية تبتلع الكيان اللبناني.

المبدأ الثاني: هو التلازم بين العروبة والإسلام عبر إدراك مبكر لقائد ثورة يوليو بأهمية الإسلام كدين لغالبية المصريين والعرب وكمكوّن حضاري وثقافي لكل مصري وعربي، وكدائرة إستراتيجية هامة لمصر وأمّتها، اكتشف أهميتها جمال عبد الناصر مع كتابه الأول “فلسفة الثورة”.

لذلك كان عبد الناصر قائد مصرياً وعربياً وإسلامياً في آن، اهتم بتعليم القرآن ونشر الاسلام في العديد من بلاد العالم، لاسيّما في إفريقيا التي أخضعها الاستعمار الأوروبي باسم “التبشير”، فأرسل بعثات من الأزهر الشريف إلى أصقاع الدنيا مدركاً أن الإسلام جسر بين العروبة وأمم عديدة في العالم التي يربطها القرآن بالعربية، وتجمع مواسم الحج الملايين منهم في ديار العرب المقدّسة، وترسم لهم قضايا العرب العادلة، لاسيّما في القدس وفلسطين بوصلة للتحرر في بلادهم.

لم يكن الإسلام في ثقافة ثورة يوليو عصبية للتنافر مع مؤمنين من ديانات أخرى، ولا بالتأكيد عصبية مذهبية للتناحر داخل الدين الواحد، بل كان حصنا آخر من حصون المواطنة المصرية، ومخزوناً روحياً وحضارياً ضخماً للقومية العربية، فلم يجد جمال عبد الناصر ضيراً في الانتصار لمطران قبرص مثلاً في كفاحه ضد الاستعمار البريطاني، ولا في احتضان ترشيح الزعيم الماروني حميد فرنجية رئيساً لمؤتمر التضامن الشعبي العربي الذي انتصر لمصر أبان ازمة تأميم قناة السويس وما تلاها من عدوان ثلاثي عام 1956.

كما لم يتأخر ناصر لحظة واحدة  عن بناء كتلة عالمية كبرى تضم بين قادتها سوكارنوا المسلم، ونهرو الهندوسي، وشوإن لاي الشيوعي من بيئة البوذي، وتيتو الشيوعي من بيئة أرثوذكسية، وأحرار امريكا اللاتينية المسيحيين، مدركاً ان الايمان واحد وان تعددت السبل واساليب التعبير عنه,

المبدأ الثالث هو مركزية القضية الفلسطينية في النضال الوطني لمصر، والكفاح القومي للعرب، والتحرر الانساني في العالم، وليس من قبيل الصدف ابدأ ان تلمع فكرة الثورة المصرية في عقل جمال عبد الناصر ورفاقه الضباط الاحرار خلال الحصار الصهيوني لهم وللجيش المصري في الفلوجة (فلسطين) خلال حرب 1948، مدركاً ان الانتصار على العدو الصهيوني وحلفاءه يبدأ بتحرير القاهرة نفسها من نظام التبعية والفساد والقهر الاجتماعي.

لم يكن ادراك عبد الناصر لارتباط الصراع مع الاستعمار وربيبته الصهيونية بالنضال من اجل الحرية والاستقلال والتنمية والوحدة، واقامة مجتمع الكفاية والعدل، نابعاً فقط من طبيعة الفكر الوطني والقومي والتحرري الذي حملته ثورة 23 يوليو، ولا ناجماً عن التزام اخلاقي وقومي وانسانية بحق الشعب الفلسطيني في ارضه وحريته فحسب، بل كان أيضاً وليد رؤية استراتيجية عميقة للأمن القومي  لمصر وامتها باسرها، مدركاً ان اكثر المخاطر التي تهدد ذلك الامن انما كان مصدرها غزوات قادمة من فلسطين وبلاد الشام، وان الدفاع الاستراتيجي عن  استقلال مصر ومستقبلها انما يكون في مواجهة تلك المخاطر والغزوات التي لبست عبر التاريخ لبوساً متعددة، آخرها اللباس الصهيوني العنصري الاغتصابي.

كما انه ليس من قبيل الصدف أيضاً ان تبدأ نقطة التحول في سياسة مصر  الخارجية وبناء علاقات مع الاتحاد السوفياتي، كما مع دول عدم الانحياز، حين رفض الغرب تسليح جيش مصر لموجهة الاعتداءات الإسرائيلية على غزة لا سيّما عام 1955، فأقدم ناصر على كسر احتكار السلاح وتوجه شرقا نحو المعسكر الاشتراكي، وعقد صفقة السلاح مع تشيكوسلوفاكيا، كما أنجز اتفاقاً مع موسكو لبناء السد العالي (حجر الزاوية في تنمية مصر المستقلة) بعد أن سحب البنك الدولي، بإيعاز من واشنطن، تعهده بمساعدة مصر على بناء ذلك السد عقاباً لمصر على توجهها التحرري في صيف 1956.

وليس من قبيل الصدف أيضاً، أن تكون مواجهة مصر للعدوان البريطاني – الفرنسي- الإسرائيلي رداً على تأميم قناة السويس، نقطة التحول في قيادة عبد الناصر للأمة العربية التي التفت جماهيرها حوله في مواجهة ذاك العدوان الذي تجلى من خلاله، وبوضوح، حجم التطابق بين المشروع الصهيوني والمشروع الاستعماري بعد أن وقع العديد من الزعماء العرب في وهم خديعة التمييز بين الصهيونية وداعميها من القوى الاستعمارية في العالم.

فلسطين بالنسبة لثورة 23 لم تكن إذن قضية شعب مشرد من أرضه فقط، ومنطلق  مشروع استيطاني احتلال ممتد من “الفرات إلى النيل” فحسب، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من أمن مصر وحقها في الاستقلال والتنمية والتقدم.

وهنا بقيت شعارات ثورة يوليو التي أطلقها عبد الناصر “ما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة”، ” والمقاومة وجدت لتبقى”، وستبقى، شعارات خالدة في الوجدان العربي ومقياساً لسلامة المواقف ومعيارا لوطنيتها والتزامها القومي.

المبدأ الرابع التوازن الدقيق بين الصلابة المبدئية والمرونة السياسية النابع عن التمييز الناضج بين المبدئية السياسية والجمود العقائدي الذي كثيراً ما قاد ضياع الخطوط الفاصلة بينهما إما إلى الانزلاق في مساومات وتنازلات جوهرية أو إلى ما يشبه الانهيار أو الانتحار نتيجة الانسياق وراء شعارات دوغمائية متحجرة.

وبهذا المعنى، كانت رحلة الثورة المصرية بقيادة جمال عبد الناصر عبارة عن حرب كاملة مع الأعداء، حصل  فيها تقدم حين لاحت الفرص، كما حصل تراجع حين إضطربت موازين القوى، فواجهت حملات مغرضة ممن يتهمها بالتطرف وممن يتهمها بالتفريط، لكن التفاف الشعب المصري والأمة العربية حول ثورة يوليو وقائدها والثقة بهما حال دون وصول تلك الحملات المغرضة إلى غاياتها، فكان أعداء مصر يلجأون إلى العدوان الخارجي بعد أن تسقط مؤامراتهم أمام حائط المناعة الشعبية الداخلية، كما رأينا في حربي 1956 و 1967، وكلاهما كانتا فرصتين ليكتشف المصريون والعرب حجم التحالف بين أعدائهم المحليين والإقليميين والدوليين.

وما كان ممكنا لثورة 23 يوليو أن تترجم هذا التوازن الدقيق إلى فعل مؤثر في حياة مصر والأمة، لولا أن قائدها اعتمد منذ اللحظة الأولى آلية “الخطأ والتجربة” في مقاربته لمختلف التحديات الداخلية والخارجية ، فأسس بذلك لما يمكن تسميته اليوم “بثقافة المراجعة النقدية” للسياسات والتجارب والرؤى التي ما اعتمدها اليوم حزب أو جماعة أو نظام إلا وخرج من عثراته منتصراً، وما امتنعت جهة عن اعتمادها في ظروف المحن إلا ووجدت نفسها على طريق التراجع والانهيار.

 بفضل هذه السياسة كان جمال عبد الناصر، قائد ثورة يوليو، صادقاً في اجراء المراجعات الضرورية، وشجاعاً في التراجع عن الأخطاء ومعالجة اوجه التقصير، متحملاً المسؤولية حتى ولو أدى الأمر إلى تنحيه عن رئاسة مصر (كما حصل بعد حرب 1967)، والى إعفاء أقرب المقربين إليه من مناصبهم، بل والى محاكمتهم، وصولاً إلى اعتماد هذه المراجعة دائما لتطوير أساليب تنظيمه السياسي من حركة التحرير إلى الاتحاد القومي إلى الاتحاد الاشتراكي، وصولاً إلى “التنظيم الطليعي” الذي أراده عبد الناصر تنظيماً سرياً خوفاً من تسرّب الانتهازيين إلي صفوفه، كما كان يحصل مع التنظيمات السابقة.

فإذا كان “التراجع عن الخطأ فضيلة” كما تقول الحكمة الإنسانية، فان “المراجعة الدائمة للتجارب” تبقى أم الفضائل في العمل السياسي، وقيادة البلاد والعباد، لا سيمّا حين  يستهدف هذا العمل تغييراً بحجم طموحات ثورة يوليو، وتحريراً بحجم تطلعات شعب مصر والأمة العربية.

المبدأ الخامس هو الانشغال الدائم بهموم الفقراء والكادحين في مصر خصوصاً والأمة العربية عموماً.

فلقد كانت ثورة يوليو مسكونة منذ أيامها الأولى بأوجاع فقراء مصر وكادحيها من عمال وفلاحين وكسبة ومحدودي  الدخل، وهو ما عبّرت عنه “بالأهداف الستة” المعلنة لثورة مصر لدى انطلاقها، كما عبر عنه، منذ الأيام الأولى للثورة، تمليك صغار الفلاحين سندات ملكية أرضهم التي حرموا منها  على مدى قرون، والتي كانت فاتحة لسلسلة إجراءات اشتراكية شملت قطاعات الإنتاج الرئيسية في البلاد، وتسببت بنهضة صناعية كبرى في مصر، حيث أتى وقت يُشاد فيها مصنع كل ساعة، كما قال يوما أبو الصناعة المصرية الحديثة الراحل الدكتور عزيز صدقي حين حل علينا ضيفاً في المنتدى القومي العربي في لبنان في احد احتفالاته السنوية بذكرى ثورة يوليو.

كانت إستراتيجية “ثورة يوليو” في بناء مجتمع “الكفاية في العدل” تقوم على التلازم بين فكرة  التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية لا باعتبارهما هدفين ساميين لكل رؤية تقدمية إنسانية فحسب، بل نتيجة وعي علمي دقيق بأن الطريق إلى العدالة والاجتماعية الحقيقية يمر عبر تنمية الموارد  وتعزيز قطاعات الإنتاج، وتقليص البطالة ، وتوسيع السوق الداخلية، وفتح الآفاق الخارجية، ومحاربة الفساد ووقف الهدر، وتوفير الفرص المتكافئة، ومكافحة الأمية، وديمقراطية التعليم، إذ حينها تتوفر للبلاد ثروات  يمكن  توزيعها بالعدل بين الناس.

كذلك كانت ثورة يوليو من التجارب الرائدة في التأكيد على ان طريق التنمية الحقيقية يمر بالضرورة عبر توفير عدالة اجتماعية تعزز تكافؤ الفرص، وتوسع قاعدة الإنتاج للسوق الداخلية، وتحاصر اقتصاد الريع وما يرافقه من فساد وهدر وبيروقراطية، وتقلّص الفوارق بين الطبقات وتشرك أوسع شرائح المجتمع في العملية الاجتماعية ، وتوفر حوافز مشجعة لليد العاملة لكي ترفع من مستوى الإنتاج  بعد أن تطمئن إلى مشاركتها في أنصبة الأرباح.

قد يأخذ البعض هنا على السياسة الاقتصادية لثورة مصر (وشعارها”مجتمع الكفاية والعدل” المتلازم مع شعار “الخبز مع الكرامة” الذي ربط التنمية بالاستقلال كما ربط الاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي). وقوعها في بعض ألأخطاء وحتى الخطايا، لا سيّما حين لم تنج من براثن البيروقراطية التي تنشب أظافرها في قوت الناس وتعرقل عملية الإنتاج، كما لم تنجُ أحياناً من التسرّع في بعض القرارات نتيجة ظروف سياسية، كما لم تنجح كذلك في إتاحة الفرص اللازمة للمبادرات الاستثمارية الخاصة في التكامل مع القطاع العام في عملية الإنتاج القومي، لكن أحداً من هؤلاء لا يستطيع أن ينكر إن السياسة الاقتصادية الاجتماعية لثورة يوليو قد وفرت لفقراء مصر الحد الأدنى من متطلبات العيش، ولشباب مصر فرصاً وافرة للعلم والعمل معاً، وللمهارات المصرية عموماً، أن تبقى في وطنها متقية شرور الغربة، بل ان توفر لمصر خطط تنمية خماسية ناجحة، كثيراً ما كان توقيت الحروب على مصر متلازماً مع انطلاقها، كما توفر لمصر قاعدة إنتاج صناعية وزراعية ضخمة بات المصريون جميعاً يدركون حجمها، ويأسفون لتفكيكها منذ أن بدأت مشاريع “الخصخصة” تعطي نتائجها الكارثية على الاقتصاد المصري.

المبدأ السادس تلازم الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية:

لا نغالي إذا قلنا ان جمال عبد الناصر، كان مسكوناً دائماً بالآليات القادرة على ترجمة دقيقة وعميقة لمفهوم الديمقراطية مع الانتباه إلى المضامين الاجتماعية والاقتصادية لهذا المفهوم وضرورة تحصينه على نحو يحفظ الاستقلال الوطني ولا يسمح باستغلاله لخرق هذا الاستقلال.

لقد كانت التجربة الحزبية المصرية سلبية عشية قيام الثورة مما دفع قيادتها إلى حل الاحزاب مع اقرارها بأهمية التنظيم السياسي والشعبي، فكان تجربة حركة التحرير أولاً في السنوات الاولى للثورة ، ثم الاتحاد القومي بعد قيام الوحدة مع سوريا عام 1958 ثم الاتحاد الاشتراكي العربي في ستينات القرن الماضي وحتى رحيله، وكذلك كان التنظيم الطليعي ومنظمة الشباب محاولتين لبناء عمود فقري للتنظيم الشعبي الواسع وكضمان لاستمرار الثورة وتحقيق اهدافها.

لا بل تشير الوثائق والشهادات ان عبد الناصر قد وصل في نقاشاته مع اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي العربي إلى حد طرح فكرة قيام حزبين داخل مصر يتنافسان ديمقراطياً في خدمة اهداف الثورة.

هذه المحاولات والمناقشات ان كانت تشير إلى أمر فهو إلى وعي جمال عبد الناصر ورفاقه ضرورة الخروج بصيغة للعمل السياسي تتجنب ديمقراطية الاقطاع والرأسمال الريعي والربوي ، كما لا تسقط في استبدادية الانظمة الشمولية.

من هنا كان تأكيده المستمر على تلازم الديمقراطية السياسية بالديمقراطية الاجتماعية عبر بناء مجتمع الكفاية والعدل الذي لا يوفر لابناء الطبقاع الفقيرة والوسطى والمحدودة الدخل مجرد صوت في صناديق الاقتراع، بل يوفر كذلك لهذا الصوت الحرية الحقيقية للتعبير بعيداً عن تأثيرات المال والنفوذ والحاجة إلى صناديق المعونات الغذائية.

ربما لم ينجح عبد الناصر تماماً في ترجمة هذا التلازم بالشكل الذي كانت تطمح اليه الثورة، وهو ما كان يعبّر عنه بصيغ متعددة ودعوات مستمرة للمراجعة، لكن تجربة ثورة يوليو نجحت في لفت الانظار إلى ضرورة الانتباه للمضمون الاجتماعي والاقتصادي للديمقراطية، وضرورة اخراج الفقراء والكادحين من دائرة التهميش والاقصاء، لا بل  نجحت تجربة عبد الناصر القصيرة في عمر الشعوب(18 سنة) في ان تفسح المجال لطاقات قيادية مصرية وعربية ان تنطلق في خدمة بلادها، وان تصون مبادئ الثورة في كل الظروف، بل ان تطلق اجيالاً، ما زالت تتواصل، من شباب مصر وفقرائها وكادحيها تعيد التمسك بمبادئ ثورة يوليو وتدافع عنها.

لكن الادراك النظري للتلازم بين الاجتماعي والسياسي في المسألة الديمقراطية لم يكن كافياً للحيولة دون بروز مراكز قوى بيروقراطية داخل مؤسسات الدولة واجهزتها العسكرية الامنية. لعبت أدواراً سلبية داخل التجربة، واستسهلت المعالجات الامنية لبعض المشكلات الاجتماعية، والاشكالات السياسية، فابعدت عبد الناصر عن قوى حليفة له في العمق، وسمحت بنمو مصالح شخصية وذاتية في نظامه على حساب المصلحة الوطنية والقومية، مما أدى احياناً إلى كوارث ونكسات، كما هو الحال في الانفصال (1961) وحرب حزيران (1967) وصولا إلى معاهدات كمب ديفيد بعد الانقلاب المريع على مبادئ ثورة يوليو إثر رحيل قائدها (1970)

       لكن احدا لا يمكن ان ينكر الجماهيرية الهائلة لجمال عبد الناصر، وهي جماهيرية مستمرة حتى بعد اربعة عقود ونصف على رحيله، ولا يمكن لاحد ان ينكر ان الملاحظات على سلوك الاجهزة الامنية ومراكز القوى وما احاط بها من قمع وفساد لا تقاس بما يمكن تسجيله من ملاحظات على سلوك هذه الاجهزة ومراكز القوى هذه الايام داخل مصر او في العديد من اقطارنا العربية

       صحيح ان حركات في مصر والوطن العربي قد سبقت جمال عبد الناصر في الحديث عن حقوق الفقراء والكادحين، وعن اشتراكية تقيم العدل بين المواطنين، لكن يبقى ان جمال عبد الناصر نجح، عبر ثورة يوليو ان يترجم تلك الافكار بشكل عملي، وان يطرح بقوة  المضمون الاجتماعي والاقتصادي ، للديمقراطية السياسية، وكأنه يستشرف منذ زمن طويل ان يوماً سيأتي على وطنه وأمته يستغل في البعض شعاراً سليماً للديمقراطية للاجهاز على الاستقلال الوطني وعلى جملة المكاسب والمنجزات الاقتصادية والاجتماعية وفي المقدمة منها القطاع العام.

المبدأ السابع عالمية ثورة 23 يوليو

       ان أهمية تسليط الأضواء على عالمية ثورة تموز التي أبرزها جمال عبد الناصر في تجربته القصيرة العمر نسبياً “1952 – 1970” تتأكد اليوم ونحن نلاحظ منذ سنوات اندفاعاً عالمياً للدفاع عن القضايا العربية، كفلسطين والعراق ولبنان، كما تجلى هذا الاندفاع بشكل خاص مع مطلع هذا القرن أثر انتفاضة الأقصى المبارك التي استشهد أول أطفالها محمد الدرة تحت شعار ناصري خالد “ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة” في 28 أيلول 2000، ثم مع ملحمة جنين عام 2002، فمسيرات عشرات الملايين الرافضين للحرب على العراق عام 2003، فالتحركات الشعبية الكبرى المندّدة بالعدوان الصهيوني على لبنان عام 2006، وصولاً إلى ما رأيناه في كل عواصم العالم من تحركات متعددة المستويات خلال محرقة غزة مع بداية هذا العام، تلك التحركات هي التي جعلت صهيونياً متوحشاً كليبرمان وزير خارجية العدو يعلن قبل سنوات: “إن أكبر مشكلة يواجهها الكيان الصهيوني الإرهابي هي التحول في الرأي العام العالمي”، وهو ما سيلمسه ليبرمان خلال زيارة لأميركا الجنوبية حيث ستخرج تظاهرات التنديد به في عواصم الدول بدءاً بالبرازيل.

وتبرز سلامة رهان جمال عبد الناصر على البعد العالمي لحركة التحرر العربية في أن مؤتمر باندونغ عام 1955، الذي أطلق بدأ اجتماعاً افرواسيوياً ثم حركة عدم الانحياز على مستوى العالم، ما زالت إشعاعاته الشعبية تضيء من خلال العديد من المبادرات والملتقيات والمنتديات العالمية،  لقد كانت روح جمال عبد الناصر حاضرة في كل هذه الملتقيات التي تتلاقى فيها وفود تمثل أمماً وشعوباً وأدياناً وحضارات وثقافات وتيارات عقائدية متنوعة.

وتتأكد تاريخية النظرة العالمية لثورة يوليو حين نسمع أبرز قادة الكفاح التحرري يعلنون على الملأ تأثرهم بنهج جمال عبد الناصر وتجربته من فيدل كاسترو ورفيقه البطل الأسطوري تشي غيفارا الذي كانت آخر زياراته قبل استشهاده عام 1967 لجمال عبد الناصر، إلى شافيز وقادة النهضة التحررية الجديدة في أميركا اللاتينية، مروراً بنلسون منديللا، والشهيد باتريس لومومبا، وغيرهما من أبطال التحرر الأفريقي، وصولاً إلى تأثيرات ناصر في أندونيسيا مع سوكارنو، وفي الهند مع نهرو، وفي يوغوسلافيا مع تيتو، وفي غينيا مع سيكوتوري، وفي غانا مع نيكروما، وفي مالي مع موديبو كيتا، وفي قبرص مع المطران مكاريوس، وفي العديد من بلدان العالم.

غير أن تأكيد هذا البعد العالمي للثورة العربية والعمل بمقتضاه يبدو بشكل خاص ضرورياً اليوم للأمة في مواجهة تحديات النهوض الداخلي والهيمنة الخارجية بكل أشكالها.

فعلى مستوى المجابهة مع المشروع الصهيوني والاحتلال الأميركي بات واضحاً أن مقاومتنا العربية أمست بحاجة ماسة إلى أن ترفد إنجازاتها وبطولات مجاهديها بالقدرة على حسم معركتها داخل الدائرة العالمية ذاتها لا سيّما إذا أدركنا دور الدعم العالمي للكيان الصهيوني وللقوى التي تقف وراءه، بل إذا أدركنا حجم التضليل السياسي والإعلامي والثقافي الذي نجح أعداء الأمة في تسويقه لعقود طويلة ضد حقوقنا ومشاريع المقاومة والنهوض في الأمة، وخصوصاً في مجال “شيطنة” صورة المقاومة وربطها بالإرهاب.

فبقدر ما ننجح في أن نكسب تفهم الرأي العام العالمي وتعاطفه لصالح قضايانا العادلة، فإننا ننجح في محاصرة أعدائنا وسلبهم أحد أبرز الاحتياطات الاستراتيجية التي يعتمدون عليها.

والتواصل العربي والدولي مع قوى التحرر العالمية، وبينها أمم وشعوب وشرائح واسعة مهمشة تماماً من خلال النظام الدولي الحالي وامتداداته الإقليمية، يشكل أيضاً الرد الاستراتيجي والتاريخي على كل استراتيجيات التفرقة والاستفراد التي تحاول قوى الهيمنة على العالم اعتمادها لمنع وحدة القوى المتضررة من هيمنتها، والحيلولة دون اجتماعها لخوض معركة مصيرية واحدة على المستوى العالمي ضدها.

وهذا التواصل، الذي حرص جمال عبد الناصر دائماً على بناء جسوره وتوطيد دعائمه، يوفر لكل قوى المقاومة والممانعة في الأمة تفاعلاً خلاقاً فيما بينها، وتكاملاً فعالاً بين خبراتها وتجاربها وطاقاتها، فلا تزداد قوتها الإجمالية فقط، بل تزداد قوة كل طرف من أطرافها، ويشتد بأس كل حركة من حركاتها..

والحرص على إقامة هذا التواصل يترك آثاره الإيجابية على خطابنا العربي والإسلامي إلى حد بعيد، فتحرره من مفردات التعصب الديني والتزمت الفئوي والانغلاق الشوفيني، والغلو المذهبي، لأن خطاب التواصل يكون موجهاً إلى شعوب وأمم وأديان وحضارات وثقافات أخرى، وبالتالي لا يكون الخطاب تواصلياً إذا لم يكن خطاباً إنسانياً حضارياً بعيداً عن النزوات العابرة، والعصبيات الضيقة، والمناكفات المريضة.

كما يسهم تحقيق هذا التواصل بين أمتنا والعالم في تحرير ممارساتنا من العديد من الشوائب التي تعلق بها نتيجة الاستعجال أو الانفعال أو النزق أو الضيق أو اليأس، فلا نندفع في أعمال أو تصرفات تبدو للوهلة الأولى أنها تؤذي أعداءنا، فنكتشف مع الوقت أنها تؤذينا بالدرجة الأولى.

والأفق الواسع الذي كان يوفره هذا التواصل مع العالم كان ينعكس إيجابياً حتى على علاقاتنا مع بعضنا البعض، إذ كيف نقصي بعضنا البعض فيما نحاول بناء جسور مع العالم، وبأي منطق يمكن أن نلغي من بيننا جماعات دينية أو عرقية أو مذهبية، فيما نحن نسعى لكي نصبح مقبولين من العالم بأسره بكل ما فيه من تنوع، فنعتمد معه معايير مشتركة، ومفاهيم متقاربة، لقيم أخلاقية وإنسانية خالدة..

لكن القيمة المضافة للتجربة الناصرية في هذا المجال تتجلى في أن جمال عبد الناصر لم يقع وهو يتوجه إلى كسب الرأي العام العالمي في خطأ وقع به كثيرون من بعده، حيث أنهم بذريعة كسب “المجتمع الدولي” فرّطوا بحقوقهم القومية وبسيادتهم الوطنية، وأنهم بحجة الحرص على تقديم خطاب مقبول في الخارج تنازلوا عن ثوابت أساسية في الداخل، فخسروا داخلاً أربكوه بسياساتهم الاستسلامية ولم يربحوا خارجاً متربصاً بنا وبحقوقنا ومسانداً لأعدائنا.

كما لم يقم جمال عبد الناصر، وهو الحريص على التواصل مع القوى الحرّة والحيّة في العالم، في خطأ البعض الذي تنازل عن خصوصيات عميقة في أمته، روحية وحضارية وثقافية باسم العالمية أو العولمة أو الكونية، بل إنه اعتبر أن العالمية لا تعني مطلقاً التحاق الأضعف بالأقوى، ولا ذوبان الأصغر بالأكبر.

إن المتغيرات المتسارعة في العالم تفتح الطريق واسعاً أمام “عالمية” حقيقية لمشروعنا التحرري والنهضوي إذا فهمنا بعمق ما يدور حولنا، وإذا تعاطينا بدقة مع التحولات المحيطة بنا، وإذا رسمنا خرائط طرقنا.

المبدأ الثامن: الثوابت والمتغيرات في تجربة ثورة يوليو

       كان لثورة يوليو منذ انطلاقتها جملة ثوابت بقيت متمسكة بها حتى لحظة رحيل قائدها جمال عبد الناصر في 28/9/1970، وهي ثوابت الوحدة الوطنية الاستقلال  السياسي، والالتزام القومي، والعدل الاجتماعي، والديمقراطية السياسية والاجتماعية، والايمان بالاسلام والرسالات السماوية.

       على جبهة هذه الثوابت جميعها خاض عبد الناصر حروباً ومعارك وواجه بسببها حملات “شيطنة” خلال حياته وبعد رحيله، كان يتقدم ويتراجع، ولكنه لم يتنازل يوماً عن ثابت منها…

       لكن تمسك ناصر بهذه الثوابت لم يحل دون التعامل مع ما يجري حوله من متغيرات، فاذا كان المتغيّر ايجابياً، سعى الى استثماره الى أبعد الحدود، واذا كان سلبياً سعى الى محاصرة أثاره دون ان ينكر حصوله.

       لقد كان جمال عبد الناصر خصماً عنيداً للاستعمار ساعياً الى اجلاء القوات البريطانية عن بلاده، والى مواجهة الاحلاف والمشاريع الاستعمارية دون هوادة لحلف بغداد ومشروع ايزنهاور لكنه في الوقت ذاته كان يقيم علاقات مع كل هذه الدول لخدمة مصالح بلاده وأمته وشعاره في كل ذلك “نصادق من يصادقنا ونعادي من يعادينا”.

       لم تمنعه صداقته الوثيقة مع موسكو ان يختلف مع قيادتها في بعض المراحل، على خلفية الموقف السوفياتي من الوحدة المصرية – السورية، كما لم تمنعه معارضته العنيفة للسياسات الامريكية في المنطقة والعالم ان يفتح الابواب لبناء علاقات مع ادارتها زمن الرئيس الامريكي الراحل جون كنيدي.

       حتى في علاقاته مع انظمة حاكمة في دول عربية واسلامية، كان الثابت لديه دعم حركة الشعوب، لا سيّما في مواجهة الاستعمار، لكنه ايضا كان  في علاقاته مع هذه الانظمة يتكيّف مع المستجدات والظروف، فلم يمنعه كل ما كان بين القاهرة والرياض من صراعات وحروب، خصوصاً حرب اليمن من 1962 الى1967، من ان يمد يده للراحل الملك فيصل بعد حرب حزيران 1967 وان يتعاونا معاً على مواجهة اثار العدوان بعد قمة الخرطوم (31/7/1967).

       ورغم احتدام الصراع بين قيادة ثورة يوليو وقيادة البعث في سوريا، وما رافق ذلك من حملات وتبادل اتهامات، فان القائد الكبير قد وجد نفسه مندفعاً لمواجهة التهديدات الصهيونية لسوريا عام 1967، في موقف رأى فيه البعض سبباً من اسباب نشوب حرب 1967 التي خاضتها القاهرة ودمشق معاً، واسستا بعدها لتنسيق عسكري وتعاون استراتيجي استمر بعد رحيل عبد الناصر (1970) وحتى حرب تشرين/اوكتوبر 1973.

       وفي الجزائر رغم الجمود الذي طبع العلاقات بين عبد الناصر والرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين على خلفية العلاقة الوثيقة بين جمال عبد الناصر واول رئيس للجزائر بعد الاستقلال الراحل احمد بن بله الذي اطاح به بومدين في حزيران/ يونيو 1965، لكن وقفة بومدين الشهيرة انتصاراً لمصر والكرامة العربية بعد حرب 1967، جعلت الرجلين يقتربا كثيراً من بعضهما البعض، وان تلعب الجزائر ادواراً مهمة إلى جانب مصر في ازالة اثار العدوان.

       اما مع القوى السياسية داخل مصر، فلقد جرت صدامات متكررة بينه وبين قوى معارضة داخلياً، ادت إلى سجن العديد من قياداتها، لكن هذا لم يمنع ان مراحل من الانفتاح كانت تطبع علاقة ثورة يوليو. بهذه القوى، بل كانت تفتح منابرها ومواقع ادارية  واقتصادية لبعض رموزها، فاقطاب اليسار المصري ادركوا ان ما يجمعهم بتجربة ثورة يوليو اكثر مما يفرقهم عنها، فتعاونا معها في مجالات عديدة:

       موقف ناصر من سوريا بعد الانفصال كان نموذجا لهذا التوازن الدقيق بين الثوابت والمتغيرات، لخصه جمال عبد الناصر بكلامه الشهير “المهم ان تبقى سوريا”، ورغم ما تعرض له من حملات من بعض المنظمات الفلسطينية على خلفية موافقته على “مشروع روجرز” (وزير خارجية امريكا) في صيف 1970 والذي دعا إلى وقف النار بين مصر والكيان الصهيوني، إلا انه دفع حياته ثمناً للارهاق الذي اصابه وهو يدعو إلى قمة عربية في القاهرة لحماية المقاومة الفلسطينية من احداث ايلول 1970، أي بعد اسابيع فقط من مشروع روجرز.

       وكان تعامل عبد الناصر مع مشروع روجرز  نموذجاً لهذا التوازن بين الثوابت والمتغيرات، فلقد كان القائد الراحل يعد خطة لعبور خط بارليف على قناة السويس، وكان شروط نجاح هذه الخطة هو توفير حائط من الدفاع الجوي للقوات المصرية في عبورها القناة واجتيازها لذاك الخط المحصّن تحصيناً استثنائياً، وهو حائط لم يكن سهلاً اقامة شبكات الصواريخ السوفياتية المتطورة  للدفاع الجوي في ظل معارك مستمرة مع القوات الاسرائيلية.

       لذلك قبل جمال عبد الناصر بخطة روجرز لوقف النار لاستكمال خطة العبور التاريخي، فيما قبل الصهاينة بهذه الخطة من اجل تجنب التكاليف الباهظة التي بدأوا بدفعها في حرب الاستنزاف  التي بدأها الجيش المصري بتعليمات من جمال عبد الناصر بعد اسابيع قليلة على حرب حزيران، واستشهد في اشهرها الاولى البطل الشهبد الفريق عبد المنعم رياض رئيس هيئة الاركان في القوات المسلحة المصرية الذي اصر على تفقّد الخطوط الامامية للجيش المصري.

       تلقى يومها جمال عبد الناصر يومها الكثير من السهام المغرضة، بعضها من سيئي النية الذين يناصبونه تاريخياً العداء، وبعضها من حسني النية لكنهم ينطلقون من جملة مبادئ دون الاخذ بعين الاعتبار واقعية السبل إلى تحقيقها.

خاتمة

       باختصار، عظمة ثورة يوليو وسبب تجذرها في ذاكرة المصريين والعرب ووجدانهم وعقولهم، هو ان حملت مشروعاً وطنياً وقومياً وانسانياً، فاهتدت بمبادئه، وتحصنت بأفكاره، وشقت لنفسها طريقاً داخل مصر، على مستوى الأمة والعالم.

       مبادئ ثورة يوليو يمكن لها مع مراعاة المتغيرات طبعاً، ومع مبادئ المشروع النهضوي العربي المعاصر، ومع كل مبادئ الحركات القومية والتحررية، ان تشكل خارطة طريق حقيقية لمصر والامة العربية من التزم بها انتصر، ومن ابتعد عنها تعثر.

الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي

رئيس المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. سيدي معن بشور:
    من حقك ان تحتفي بثورة يوليو، و لكن اسمح لي ان اختلف مع قولك ان الاسلام جسر يربط بين العروبة و أمم العالم، الاسلام اكبر من ان تجعلونه عامل سياسي، لماذا تنادون حيناً بفصل الدين عن الدولة و تدمجونهما حينا؟ و اذا كان من حقك ان تقيم الدين على هذا النحو، الا يحق لملالي ايران ان يقيموه على نحو مختلف، لاحظ أني لم ات على ذكر القاعدة و داعش و بقية العقد غير الفريد.

  2. ردا علي الدكتور الثايّر ،، حسب اسمه ،، الي من يعتبر عبد الناصر انقلابيا ، فهل انت مع الملكية ،التي كانت تحمي مصالح الانجليز علي حساب الشعب العربي المصري؟ ، ثم ما مفهوم الدكتاتورية ، وسماتها ، اذا كان عبد الناصر اتصف بها في نظر الانجليز والفرنسيين ، اّلاّنه واجههم ،؟ فاّي مبرر،لترديد الاوصاف القدحية التي وصف بها الاستعمار كل وطني ناهض الوجود الامبريالي ؟، وماالمبرر في اتباعية الغرب بهذه المصطلحات ، الا اذا كان من قبيل محاكاة الببغا ؛ لمدربها؟؟ التبرير الاوحد لذلك هو الاستغراق في الاستلاب الثقافي ، والسياسي تحديدا ،، وهذا مؤسف لمن يدعيانه ثايّر، وانه دكتور،،،

  3. نعم .. إقرأ
    نعم .. إبحث
    نعم … حلل
    فتلك أصلأ صفات المؤمنين
    بغض النظر عن النزاعات والسياسة، الإنسان ماذا يقعل بالعقل الذي يحمله ؟
    سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يكن في مواجهة سياسية ومع ذلك تعرض للخطر لأنه رفض تعطيل عقله وعبادة الأصنام… قرأ المشهد الذي حوله ولاحظ وفكر وتدبر ثم ….. قرر

  4. لمن يرغب بتغيير حاله ويريد أن ينهج منهج الحرية والكرامة بوعي وفهم وثقافة وعمل تعتمد على موروث عروبي إسلامي . لمن يدعي أنه ناصري ! وسلوكه بعيد عن فكر و إنجازات عبدالناصر , لمن يتهم الناصرية ويقلل وينكر ما قدمته للعالم العربي وعشاق التحرر عالميا ! لمن يدعي إحتكارة للإسلام وفق رؤى ضيقة الفهم وتقليدية الأسلوب و منطق تكفيري يتهم الناس بجاهلية !! !! لمن يدعي الليبرالية والحداثة واليسارية والأممية وأفعاله متناقضة مع هذه المباديء وقناعاته تحددها أفكار عنصرية سلالية كهنوتية عنصرية !! لمن يقرأ كتاب أو كتابين أو ألف كتاب !! ولا نرى أثر لما قرأ وفهم وعمل من هذه الكتب !!! لا نريد منه أن يبني ويشيد آثار إرم ذات العماد أو يحرر الأقصى . أو ينهض ببني الإنسان إنما أقل شيء يقف في صف الحق والأحرار ويدعوا لهم لا يختم حياته ونضالاته ومسيرته القرآئية والقرآنية في صف الطغاة والرجعية باسم شرعيات دستورية أو وطنية مقاومة وممانعه !! تنقضها روح الدساتير وإن تغلفت بقشرة قذرة من مسميات دساتير وقوانين , في البدء كانت الكلمة و نعيد تذكيركم بقول الله تعالى (( إقرأ .. )) لكن بفهم وبعمل وإخلاص النوايا ,, إقرأ لكي تفهم عدوك ( إن سلمنا أن الناصري عدو للإسلامي والعكس ) إقرأ .. لكي تثبت أركان موضع قدمك وتعرف هل تقف على أرضية صلبه حقه ثابته علمية أخلاقية أم تقف على جرف هار ,,

  5. اللة يخليك ويستر عليك ! يا ثورة ويا مبادئ ! مصر والعالم العربي انتهوا بسبب هذا الانقلاب الذي جلب لنا العسكر المفسدين الى الحكم وتحولوا لقتلة للشعوب و حراس لدولة صهيون. انت بتقول اية؟؟؟ احنا في وكسة .

  6. اي نعم هي كذلك لشرعنة الانقلابات وتكريس الدكتاتورية وجلب الهزائم المذهلة كما حدث في عام ١٩٦٧ وتصفية الرأي الاخر وإرساء دعائم التخلف السياسي والاجتماعي والاقتصادي وتصفية النخب وفي أحسن الأحوال تدجينها ونشر الخوف والفقر والمرض وأمهم جميعا الفساد. هذه هي خارطة طريق انقلاب ٢٣ يوليو الدموي أبعدنا الله عنها وحمى الأوطان منها، فمصر ما غادرها الانقلاب والدكتاتور عبد الناصر حتى تركها أمة ضعيفة وجامعة وفقيرة بل ومتسولة.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here