ما هي تحديات السياسة الخارجية الأردنية؟

 

د. شهاب المكاحله

كان الأردن على الدوام ما بين المطرقة الإقليمية والدولية وسندان الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والأمنية. فبالإضافة إلى مخاوفها من الأزمة السورية وتداعياتها على الأردن ناهيك بالقضية الفلسطينية، هناك تحديات كثيرة تتمثل في الحاجة إلى إعادة تنشيط اقتصادها المحلي نظراً لتدهور الاقتصاد والخلط بين التجارة والسياسة وارتفاع مناسيب البطالة والعجز المُطرد وارتفاع نسب المديونية.

فبعد أن أعاد الأردن وسوريا مؤخراً فتح معبرهما الحدودي بعد إغلاق دام سنوات، حاول الأردن مؤخراً استثمار ذلك لاستقطاب استثمارات خارجية واستعادة ثقة المستثمرين الأجانب باقتصاده المحلي. لكن كل ذلك مرتبط بالنهج الحكومي الذي يهرب من فكرة أن هناك مشكلة تعاني منها المملكة أو أنه ينأى بنفسه عن مكامن المشكلات التي يعاني منها المجتمع.

حتى الآن ، تمكَن الأردن من تحقيق التوازن بين العلاقات الدولية الأساسية وعدم التخلي عن أمنه الأساسي وأولوياته المحلية إلا أن التحدي الرئيس الذي يواجه الأردن هو الحاجة إلى تنشيط اقتصاده المحلي في بيئة مليئة بالمعضلات. وتشير جميع المؤشرات الاقتصادية إلى أن المملكة تمُر بمرحلة حرجة إذ أجبرت موجة الاحتجاجات الأخيرة الحكومة على سحب مشروع قانون الضرائب المثير للجدل وقامت بتعديله ورغم ذلك فقد تم التعديل بما يتماشى مع ما يريده صندوق النقد الدولي بالضغط أكثر على جيوب المواطنين المتهالكة والممزقة كآخر ملاذ لتمويل نفقات الحكومة وقد يصل الأمر إلى حافة الهاوية فيما بعد إن وصل الحال باستحالة الضغط أكثر على جيوب المواطنين في ظل ضغوطات إقليمية ودولية ممنهجة ومبرمجة على كل من الأردن وفلسطين.

حين استقالت حكومة هاني الملقي بسبب قانون ضريبة الدخل، لم تختلف الذريعة من التغيير لأن القانون البديل كان جاهزاً لاتمام ما يريده الصندوق سواء وافقت الحكومة أم لا. واليوم وبعد قرابة 8 أشهر على تشكيل حكومة عمر الرزار لا زلنا بحاجة إلى رؤيا حقيقية وتصميم وتنفيذ خطة اقتصادية قوية لمعالجة الأزمة التي تسبب بها واقع إقليمي ودولي ولكن عناصر في الحكومات المتعاقبة لم تُحسن التعاطي مع تلك التطورات واستثمارها فساهمت في تفاقم تلك التحديات التي يعاني منها المواطن الأردني اليوم.

في البدء، لا بد للحكومة من استعادة ثقة الشعب لا ثقة النواب لأن “العقد الاجتماعي القديم” قد تآكل، كما لا بد من إصلاحات سياسية حقيقية وواقعية ولا بُد من تطبيق الحوكمة بفاعلية وتطوير آليات مكافحة الفساد. وبالنظر الى واقع  كل منزل أردني، نرى أن نِسَب البطالة تزيد عن الأرقام التي يعلنها مركز الإحصاءات والتي وصلت في الفترة الأخيرة إلى حافة الـ 18 بالمائة. ولكن النظرة الواقعية تقول إن نسبة البطالة بين الشباب في الأسر  الأردنية تزيد عن 50 بالمائة. وهذه النسب قنبلة موقوته فالجوع كافر في ظل اضمحلال الطبقة الوسطى التي تُعَد “بيضة القبان” في أي مجتمع.

ونظراً لتوقع الصناديق الدولية بكساد عالمي في الفترة القادمة، فإنه من المتوقع أن يرجع الكثير من الأردنيين العاملين في دول الخليج العربي إلى بلدهم إذ من المرجح أن يصل عدد العائدين إلى نصف مليون وهذا سيشكل عبئاً مهولاً على كافة القطاعات في الدولة وعلى نموها الاقتصادي والاسقرار الاجتماعي.

وإذا ما ربطنا ما بين الاضطراب الاجتماعي والأمن لأن حالة عدم الاستقرار الاجتماعي- الاقتصادي تشكل أرضاً خصبة للتنظيمات الإرهابية والذئاب المنفردة، فإننا أمام حالة صعبة جداً لا يمكن ضبط الأمن فيها إلا بتضافر جهود الجميع وخاصة الشباب. لذلك لا يمكن ضبط الأمن في ظل وضع اجتماعي مهزوز واقتصاد متدهور وبطالة عالية ومحسوبيات في التعيينات.

إن أكثر من 80 بالمائة من سكان الأردن يعيشون اليوم في المدن والبلدات بعيداً عن الزراعة. وهذا بحد ذاته تحدٍ كبير للاقتصاد والسياسة الداخلية والخارجية للمملكة. لطالما كان الأردن قلقاً دائماً من الجمود في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. كما أن سياسة إسرائيل الاستيطانية في القدس الشرقية والضفة الغربية مستمرة، والمصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس متوقفة، والولايات المتحدة تتخذ موقفاً مؤيداً لإسرائيل بشكل واضح يعوق أي جهود وساطة. والصراع أبعد ما يكون عن الحل، فالصدامات والعنف تندلع بانتظام على الحدود بين إسرائيل وغزة ، وأصبح حل الدولتين أقل واقعية.

وكان قرار الولايات المتحدة بنقل سفارتها إلى القدس مُضراً بشكل خاص بمصالح الأردن. وهذا ما يفسر تحذير الملك عبد الله الثاني للرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في ديسمبر عام 2017 وضد نقل السفارة الأميركية إلى القدس في مايو 2018. وكان قرار واشنطن الأخير بقطع المعونة عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأونروا) عواقب وخيمة على الأردن. فليس لدى الأردن المال والموارد اللازمة لرعاية اللاجئين دون دعم دولي كما أن المملكة لا تريد أن ترضخ للضغوط التي تسعى لمنح هؤلاء اللاجئين المواطنة الكاملة لأن ذلك سيقوض القضية الفلسطينية، ويغير توازن الهوية الديموغرافية للمجتمع الأردني.

لذلك فإن الاردن أمام معضلات تستوجب وقوف الجميع صفاً واحداً ولكن على الحكومة أولاً أن تسمع للشعب الذي يشكل درعاً واقياً وحصناً منيعاً ضد كل المؤامرات والمخططات التي تحاك من وراء الكواليس بدءاً من صفقة القرن التي رُسَمت ونُفذَت كافة بنودها حتى اليوم ولم يتبقَ سوى إعلان مصير الدولة الفلسطينية وحدودها بعد تطبيع شبه مجاني بين إسرائيل مع عدد من الدول العربية.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. دكتور مكاحلة المحترم …..لا أوافقك الرأى وبما ذكرته قي الفقرة الأخيرة ….ولكن على الحكومة أولا……الخ ، سيدي الكل يعلم بأن الحكومات في الأردن ليست سوى ديكور ، الأمر كل الأمر بيد الملك ، علينا استبدال كلمة الحكومة بكلمة الملك وعندها سترى أن الشعب سيقف مع الملك للوقوف بوجه المؤامرات التي تحاك ضد الألادن

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here