دكتورة خديجة صبار: على هامش زيارة ليفي لليبيا: ما تعيشه المنطقة من تفكيك ألأواصر وضرب الأمن القومي واستهداف الوعي الجمعي، يفرض العودة إلى الفكر التاريخي- مقياس المعاصرة- والنظر إلى قضايانا بالموازاة مع أهداف الغرب الإستراتيجية.

دكتورة خديجة صبار

أثارت زيارة ” برنار هنري ليفي (BHL)، الحليف العضوي لإسرائيل في المنطقة العربية وداعية التدخل الأجنبي في الشرق الأوسط، ل” ليبيا” – وتحديدا لمنبع الثروة البترولية- العديد من الأسئلة وسيلا من التحليلات: الجواب عن هذه الأسئلة آت من بعيد، ويعود إلى المشروع منطق الاستعماري ومنطقه المبني على والتهديدات بحثا عن موقع يمكنه من السيطرة لسلب الثروات.

استعمرت فرنسا وإنجلترا أفريقيا وعملتا على تقسيم القارة وتدمير مؤسساتها التقليدية، وما تزال تعمل للحفاظ على نفوذها بجميع الطرق. وكل ما تعانيه المنطقة اليوم من أزمات وانتهاكات يعود إلى تلك الحقبة، باعتبار الاستعمار مسار تاريخي وعملية طويلة المدى، لا تبدأ ولا تنتهي مع اختراق الأجانب الغزاة أرض الوطن؛ من هنا ضرورة إعادة قراءته جيدا منذ القرن التاسع عشر، حتى لا نستمر في تفويت المناسبات وتضييع الفرص. فيه أضحت “الأنا” خارج التاريخ. وما نعيشه من مشكلات وتحديات حددت معالمها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية هناك: إنه الشكل الذي صيغ فيه مصيرنا كما إمكانية المستقبل ذاتها يرتبط بجدية القراءة وبالموازاة مع ما يجري في المنطقة العربية مند سنة 2003 لتشتد وطأته سنة 2011 وما حدث فيها من تدخلات ومواجهات، للإجابة العلمية عن هذه الأسئلة الأصيلة. نحن نواجه أزمة وجود تاريخي وسياسي وثقافي وحضاري ما دمنا لم نحسم بعد في خلافاتنا الفكرية والعقائدية والفلسفية والتاريخية، وهي حقائق لها علاقة بالفكر التاريخي الذي متى توفر لأمة من الأمم رصيد منه فإنها تستطيع من خلاله امتلاك رؤية فلسفية شاملة للتاريخ البشري ولتاريخها هي، ولم نع أن الغرب عموما لا يأبه بنا أبدا ولن يفعل ذلك في المستقبل. وهذا النوع من عدم الاهتمام هو الذي جعله ينظر بعين مرتاحة إلى أي حدث أو تحرك قصد التغيير يصدر عنا:

أ‌- على المستوى الوطني: لم يسفر حصاد عقود من الاستقلال سوى على مشكلات الصراع مع التخلف الاقتصادي والاجتماعي وتعثر مشروع الحداثة والتنمية والسعي لتجاوز مصادر الإعاقة، إذ لا زالت بلدان العالم العربي تعيش تحت وطأة الحاجة والعجز عن بناء مستقبل يليق بشعوبنا، ومعرضة لخطر التفكيك. ولا زالت الشعوب تعيش تأخرها التاريخي وبؤسها الاقتصادي والاجتماعي وازدواجيتها الثقافية يؤكده صراعها من أجل الأقل الحيوي اليومي الذي فاقمه وباء كورونا، ومن أجل الصحة والمدرسة(…) بالإضافة إلى انعدام التوزيع العادل للخيرات والثروات من الناحية القانونية، والتهميش والاستعباد  وترسيخ الفوارق الاجتماعية والاقتصادية غير المبررة عقلانيا، بحيث لا يعتمد على المؤهلات والقدرات والكفاءة في إسناد المسؤوليات، علما أنه حينما لا يحقق الفرد المرتبة الاجتماعية التي يستحقها يفقد الأمل في التقدير، ومعايشة الأفراد لتجارب الاحتقار الاجتماعي تؤدي إلى الصراعات الاجتماعية والسياسية. فشلت الدولة الوطنية تحقيق مصالحة بينها وبين المجتمع، والطبقات الاجتماعية فيما بينها، والمدينة والبادية، و”الثقافة والروح والشخصية مع ذاتها وهي الممزقة بين نداء الشرق والغرب”،لماذا يا ترى ؟

       السبب الاستقلال المعطوب والسيادة الناقصة عبر التسوية والتوافق، فلم تتغير والأوضاع كثرا، بل فقط استبدل الاستعمار العسكري المباشر المكلف ماديا وبشريا بآخر محلي أقل كلفة، خاضع تماما للقوى السابقة، ترتبط مصالحه الثقافية والسياسية والاقتصادية بها، داخل إطار النعرات القبلية والقومية والقطرية الضيقة التي صنعتها أجهزة المعرفة الاستشراقية لتغذية النزاعات البينية تسويغا للنهب والسلب. خرج من الباب ليعود من النافذة بثوب جديد، عبر بورجوازيات عميلة لم تشارك في ثورات الشعوب، بل سرقتها في لحظة النصر، وتسلمت مقاليد السلطة من يد محتل لتشاركه في الغنائم، وتنوب عنه في استغلال الشعوب واضطهادها وتفقيرها وتحريضها على التمرد، وتدعيمها عندما يخدم مصلحتها. كان المحتل يحارب تحرير البشر، وفي صورته الحالية يحارب سيادة الدول الرافضة للتبعية، الراغبة في السيادة والتقدم والاكتفاء الذاتي ومثال الجمهورية العربية السورية واضح للعيان.

“الأنا” الأوربي الغربي يعتبر نفسه الذات العاقلة الواعية بذاتها وبالعالم، وما غيرها من الشعوب ليست سوى موضوعا لفعلها التحضيري منذ تبني العقل بالمعنى الديكارتي الذي نظروا إليه كما لو كان خاصية مميزه “لأناهم” وحدهم، ومعيارا للوجود واللاوجود، للحق والوهم، بالقياس إليه تثبت الذات وجودها بوصفها المالكة للمعرفة والسيطرة والحكم، كما تثبت وجود الآخرين بوصفه وجودا هامشيا وموضوعا للحكم والسيطرة والمعرفة، أي وجودا تابعا متوقفا على الذات الأوربية. فليس المجتمع الإنساني إلا طريقة في التعبير لدى كونط عن المجتمع الفرنسي أو الأوربي، وليست الإنسانية إلا أسما آخر للإنسان الأوربي، وليس التاريخ الكوني في حقيقته سوى التاريخ الأوربي، أما الشعوب الأخرى فلا تاريخ لها؛ إنها شعوب لا تاريخية، وبالتالي فالتصديق بدعوى الإنسانية التي تدعيها أوربا وجرائمها في حق الإنسان يعريه ما يقع في فلسطين وسوريا والعراق وليبيا واليمن، وقد يمتد إلى المنطقة بأسرها، لأن الغرب يستهدفها بتمامها. والديمقراطية والحرية والبرلمان والدستور والمساواة وحقوق الإنسان لا تهم عمليا- وفق المنظور الأوربي الغربي السائد- إلا الإنسان الأوربي لأنه الإنسان الحق، أما الآخر فمجرد موضوع للنهب والاستعباد والتفتيت، انتفى أن يكون “ذاتا” أي إنسانا بعد أن أصبح موضوعا لإرادة الذات الأوربية المشرعة بالقوة والعنف. المذهب الإنساني يقر “السواسية بين سائر البشر لكن أعمالهم العرقية تقول غير ذلك فما يهمها هو تحقيق أهدافها وأمجادها”. فالتأخر والتقسيم ونهب الثروات الوطنية يغذي الإمبريالية ويدعمها ويديمها، والإمبريالية تدعم إسرائيل بالنفط العربي( تصريحات الرئيس الأمريكي وممارساته وحمايته لدول قادتها وأعضاؤها ليسوا منتخبين هو الوجه الحقيقي للغرب). ألم يقل فرانس فانون:”علينا أن لا نضيع الوقت في ثرثرات عميقة أو في لغو يبعث على الاشمئزاز، فلنترك هذه الأوربا التي لا تفرغ من الكلام عن الإنسان وهي تقتله جماعات حيثما تجده، في جميع نواحي شوارعها وفي جميع أركان العالم، لقد انقضت قرون وهي تخنق الإنسانية كلها تقريبا باسم” مغامرة روحية” مزعومة ولم تتغير أساليبها.”

الغرب في آخر المطاف نفي ل “الآخر” الذي لا يملك أية متاريس تحميه حيال اعتداءاته، وأينما حل: “استولى، بكيفية أو بأخرى على مقاليد الحكم، وحطم صور الحياة الاجتماعية لدى السكان الأصليين وخرب شكلها الاقتصادي، وغير وجوده الجو الثقافي والنفساني المحيط بظهور أي مشروع إصلاحي نهضوي،” وضع عاشه آباؤنا في فترة القرن العشرين  ونعيشه اليوم في القرن الواحد والعشرين. لكن لا بد من التمييز بين الهيمنة التاريخية المنظمة للبلدان الخاضعة للسيطرة التقنية التي بات من المقطوع به أن هذا السياق التاريخي لا رجعة فيه، والحوافز التي تدفعه إلى الأمام تتبع غالبا نظام المنفعة والربح تجاه الشعوب غير الغربية، وبين ما تحقق على يد الغربيين من مكاسب معيارية وقانونية وميتافيزيقية مهمة في أفق “الأزمنة الحديثة”، والاستعمار الاستيطاني ومنطقه المكيافيلي، وما يحمله من مآس وجرائم ضد الإنسانية. فالغرب بهذا المنظور لا يرضى بالآخر كشريك بل كتابع ومجرد مستهلك. وبعبارة مركزة، فقد انخرطت الأقطار العربية في مخاض الحداثة بمقادير متفاوتة، واستفادت من بعض مكتسباتها التقنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، ولم تفلح في أن تجد لها تربة أهلية تنبت فيها من تلقاء ذاتها خارج إطار تلك الهيمنة، من هنا القول البليغ لعبد الله العروي:”كأن الغرب وجد وسيلة لا تمنعه هو من التقدم وتمنع غيره منه.” وتاريخ الغرب مهما كان ممزقا، فإنه طابق مصير العالم وصنع هياكل الحضارة الإنسانية المعاصرة، وخلق” ناديه المحكم الإغلاق” حيث ينتقد فيه نفسه ويعالج مشاكله في إطار الحفاظ على وحدته” ما لم تفلح فيه “الأنا” العربية التي يحتمي البعض منها به، ويحتل بعضها البعض الآخر مع الأسف.

ب‌-  على مستوى الخيار الوحدوي:

 الملاحظ أنه كلما انغمس العالم العربي المعاصر في التاريخية كلما نزع إلى التحول عن خياره الوحدوي المرتبط بمشروع حضاري، وعن إرادة التعايش التي بدونها تتعذر الوحدة، رغم موقع الترابط الجغرافي والتحام أجزائه بالتضامن اللغوي واستعمال اللغة العربية، ووجود شبكة من الروابط تحرك البنيات العميقة والفكرة العروبية كرابطة حضارية تشكل الإطار السياسي والثقافي للهوية العربية. وبقي رغم إمكاناته الهائلة من الطاقة البشرية والمادية فريسة الأطماع الخارجية التي في استراتيجيتها ما يمنع قيام الدول القومية بشكل متناسق. وبتنا نخشى مع الزمن فقدان حتى الحلم بالوحدة ! وإذا كانت البورجوازية الوطنية في أوربا هي من حققت الوحدات القومية فما دور البورجوازية المتمثلة في رسالة التوحيد القومي؟ إنها من جهة، نهمة شرسة منكمشة على مصالحها المباشرة، تسيطر عليها فكرة الربح التافه، ولا بعد نظر لها، عاجزة عن تمثل الأفكار الكبرى، وعن بناء الأمة على أسس خصبة وطيدة ومثمرة. ومن جهة أخرى فمحو هذا الوضع معناه أن الأواخر سيصبحون أوائل: اتحاد الأنظمة العربية معناه زعزعة بحبوحة الأنظمة الغربية، فهم يستمدون حقيقتهم أي خيراتهم من هذا الوضع القائم، وهذا لا يمكن أن يتركوه يتم.

ج- على مستوى النخب السياسية

 لم تستفد النخب السياسية من التجارب التاريخية لعجزها عن قراءة الواقع ولضيق آفاقها بل لا زال منها من يدعو إلى  الوقوف على “الحياد” كما يثار في لبنان، ويعني بالواضح إخراج هذا الوطن العزيز عن محيطه، والتسليم بالهيمنة الأميركية وبحق العدو الإسرائيلي في اجتياحه، ومعه سوريا من جميع المنافذ، متى شاء وكيف يشاء، من دون أن يجد من يقاومه ويصده ويحمي حرية أرضه وشعبه، وكأن الحرب معه ليست حرب وجود ! أما في المغرب الأقصى، الوطن العربي المسلم بالدرجة الأولى، فإن اليهودية تعود إلى الظهور بوجه آخر هو الصهيونية، أوالجريمة الصهيو- تطبيعية المفبركة عبر ما يسمى ب “مهرجان الثقافة الأمازيغية بمدينة فاس في دورته الثالثة عشرة. إذ تمت استضافة ضابط الكيان الصهيوني لفعاليات المهرجان وندواته الموازية، الأنتربولوجي المسمى “بروس مادي وايزمان”، كبير خبراء معهد موشي ديان الإسرائيلي المرتبط بجيش الحرب الصهيوني والمتخصص في دراسات الأمازيغية وشمال إفريقيا، ومنظر الأطروحة المسماة “التحالف” بين الصهيونية والأمازيغية لمواجهة التوجهات القومية والإسلامية بالمغرب، وتمرير التطبيع في الدولة والمجتمع، علما أن ما سمي بالطائفية شيء لا تعرفه الروح المغربية، يكفي التذكير بموقف المغاربة قاطبة من الظهير البربري. وتعود هذه الصيغ الازدواجية الحادة (المخزن، السيبة/ العرب، البربر) في الصورة المرجعية التي طغت على أدبيات الاسطغرافيا الاستعمارية لمغرب ما قبل الحماية، إلى سوء الفهم، لأن المفهوم الأوربي للإمبراطورية يختلف جذريا عن المفهوم الإسلامي: الأوربيون يفكرون انطلاقا من الحدود الترابية، بينما يفكر المسلمون من مفهوم البيعة، أي بيعة السكان للسلطان. ولم يكتف بحضور الأنشطة بل تم لقاؤه مع باحث وباحثة في المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية؛ ألم تخجل هذه العينة التي ترتزق بالحق الفلسطيني من مغاربة- من أصل يهودي- مناضلون ما برحوا يدافعون عن حق الشعب الفلسطين شأن أبراهام السرفاتي وسيمون أسيدون وإدمون عمران المالح وشمعون ليفي.

تاريخيا الأس العرقي المشترك للشمال الإفريقي لا نزاع فيه: كان بربريا في البداية ثم أصبح عربيا بربريا. إن الإسلام هو الذي أيقظ بلاد البربر لمصيرها وأدخلها في خضم الحياة التاريخية كما يورد المؤرخ هشام جعيط في كتاب “تأسيس الغرب الإسلامي.” وأدرك المغرب الأقصى ذاته في القرن السابع عشر:” في إطار طرقه الدينية والولاء لميراث الإسلام في الأندلس” كما يقول عبد الله العروي.”فالمغرب عربي مسلم بالدرجة الأولى، وسيكون كذلك لا بالعودة إلى التقاليد البربرية ولا بالتعثر الفلكلوري بل بإسهامه الفاعل في الثقافة العربية أولا والثقافة في مظهرها الكوني ثانيا” مع اعترافه دستوريا بالأمازيغية. وهذه الانقسامات الدينية والإثنية والطائفية والعشائرية صناعة غربية لتكون العقبة الكأداء في تحقيق الوحدة الاجتماعية، سواء على المستوى الوطني أو على مستوى المنطقة العربية، وإلا لماذا يصعد جنون الكيان الصهيوني وعدائه إلى الذروة، ومن ورائه الغرب، من المقاومة وإنجازاتها وقدرتها على المبادرة والسلوك الجماعي القار والمنظم. لقد بلغ من الإرباك والاضطراب لدرجة غدا استشهاد مقاتل من حزب الله، امتحان وجودي ونفسي لهذا الكيان ! وهذه حقيقة الشعور بالذعر خوفا من إعادة التوازن المختل إلى نصابه الذي أنجزه رجال المقاومة الذي ينطبق عليهم وصف موريس بلانشو:” الإنسان هو ذلك الشيء الغير قابل للتدمير الذي يمكن تدميره”.

تضع أوربا في حساباتها الاستراتيجية، أمام كل إنجاز، أن ثمة إمكانية بدأت تتوفر لنهوض مرتقب في المنطقة العربية، تهدف لتشكيل نهضوي قد يؤثر على ميزان القوى لا بد من مواجهته، ولتحقيق هدفه لم يتورع نمط الإنتاج الرأسمالي من استخدام كافة الوسائل للقضاء عليه؛ العدوان الثلاثي سنة67، كان ثمن الخطوات النهضوية لتصاعد القومية مابين (1945-1970)، ففي استراتيجية الهيمنة ما يمنع قيام الدول القومية بشكل متناسق. فتحرير فلسطين وإنجاز الوحدة القومية الديمقراطية والاستقلال الاقتصادي والتحرر من التبعية المالية والتكنولوجية ودخول عالم الإنتاج والتوزيع معناه، ربح أكبر التحديات التي تقف في وجه انطلاق المنطقة نحو إمكانيات وشروط تحققها الذاتي، في مجال البناء الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي، ووضع حد للتدخل الإمبريالي في الحياة السياسية العربية ووضع حد للاستعمار الجديد في صيغته الأمريكية، والذي يتم عبر القواعد العسكرية بهدف السيطرة على الثروات.   ورغم اختلاف السياق والأوضاع واختلاف اللاعبين، ولأنه من المستحيل إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فلاشيء يقض مضجع الغرب وبربك الكيان الصهيوني غير مقاومة التحدي الإسرائيلي- هذا الوجود المتولد عن مغامرة كبرى- الذي جسدته إستراتيجية المقاومة الإسلامية وثقافتها الواقعية ومصدرها الإسلامي وطاقاتها الخلاقة وإرادة للقوة والاقتدار، المناهض لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وقدرتها على امتصاص البؤس والإذلال، في عالم مشيد على القوة، علما أن وراء الكيان تقف اليهودية العالمية والقوة العسكرية والتكنولوجية للدولة الصهيونية التي حولت نفسها عقديا إلى بنية لا تنفصم، تتجذر في الزمن وتتطاول على القانون الخفي للمصير التاريخي. المقاومة ومحورها من يقول لإسرائيل بقوة إنها ما ينبغي لها أن تحدث ما تشاء، عرف كيف يحبط أعمالهم حتى لا أقول مؤامراتهم، فليس للمستعمر المستوطن غير ملجأ واحد هو القوة التي يقتل بها أولئك الذين ينهبهم، حين يبقى له من شيء، واقتلاعه لن يتم بالإقناع بل بالقوة. وليس لأصحاب الأرض إلا اختيار واحد بين العبودية والسيادة يقول العروي:” النظام الذي سنه الماريشال ليوطيLyautey، كان في واقع الأمر شكلا مهذبا للأبارتايد apartheid، كلمة لم تكن تصلح تماما لوصف ما كانت تعنيه في واقع الأمر “سياسة المراعاة”« politique des égards ».

لن ندخل التاريخ إلا بعد فهم أساليب الغرب الماكرة العتيقة ونجعلها تسحب أرجلها عن أراضينا، وربما حملت المقاومة ومحورها التي استطاعت أن توفر نقطة محورية للسلطة والتبصر الضروريين، مفتاحا نحو تحقيق الذات والتقدم في انتظار وحدة سياسية ومن تم اقتصادية لتفعيل التنافس. أختم بقول لجان بول سارتر مخاطبا الشعوب الغربية:”إنكم تعلمون حق العلم أننا سلبنا “القارات الجديدة” ذهبها ومعادينها ثم بترولها وجئنا بذلك كله إلى بلادنا، وقد حصلنا بذلك نتائج رائعة…ثم حين كانت الأزمة تهددنا كانت وظيفة أسواق البلاد المستعمرة أن تزيل الأزمة وأن تحول مجراها. وأتخمت أوربا بالثروات ومنحت صفة الإنسانية لجميع سكانها على السواء، فالإنسان في بلادنا شريك في الجريمة لأننا أفدنا جميعا من استغلال المستعمرات.”

(المملكة المغربية)

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. صح لسانك و سلمت و سلم قلمك، مقالك رائع و أصاب كبد الحقيقة.

  2. ألا يوجد ليبي شهم يمثل عمر المختار يقضي على هذا الصهيوني بدل من حمايته في أرض الشهداء

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here