ما بين “ارحل” و”اخترناك”.. أزمة الانقسام الفلسطيني تزداد عمقا

غزة- الأناضول-

كاتب سياسي: الحملتان تؤثران بشكل كبير على المشهد الفلسطيني أمام المجتمع الدولي وتظهران التمثيل الفلسطيني مجروح وأن الشعب منقسم

ضجّت الساحة الفلسطينية، ومواقع التواصل الاجتماعي، خلال اليومين الماضيين، بأنشطة لحملتين، إحداهما معارضة للرئيس محمود عباس، وتطالب برحيله؛ والأخرى أعلنت دعمها له وتمسكها به زعيما للشعب الفلسطيني.

وانطلقت الحملة المعارضة لعباس في البداية على مواقع التواصل الاجتماعي بكتابة المشاركين فيها منشورات، تهاجم الرئيس الفلسطيني، وتطالب برحيله تحت وسم “ارحل”.

وردا على هذه الحملة، أطلق نشطاء، حملة مؤيدة للرئيس عباس، تحت وسم “اخترناك”، ونشروا من خلالها صورا للرئيس أبو مازن وتغريدات مساندة له.

**

من العالم الافتراضي لأراض الواقع

وخرجت الحملتان من نطاق العالم الافتراضي إلى أرض الواقع، حيث عُلّقت لافتات في شوارع وميادين قطاع غزة، تحمل صورا للرئيس عباس وشعارات تطالب برحيله.

كما خرجت، ظهر أمس الأحد، مسيرات في مدينة غزة طالب المشاركون فيها برحيل الرئيس الفلسطيني، واتهموه أنه “ساهم في حصار القطاع، وبتقويض المؤسسات الفلسطينية مثل المجلس التشريعي، ومنظمة التحرير، وبرفض تنفيذ اتفاقيات المصالحة”.

في المقابل، خرجت مسيرات في أنحاء متفرقة من القطاع، مساء السبت، حمل المشاركون فيها الأعلام الفلسطينية وصورا للرئيس عباس، وأعلنوا رفضهم للهجوم الذي يتعرض له.

كما أعرب المتظاهرون عن استعدادهم للدفاع عنه ومساندته بمواجهة المشاريع الإسرائيلية والأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية.

وبحسب شهود عيان، فإن الأجهزة الأمنية في غزة (تديرها حركة حماس) فرقت هذه المسيرات ومنعت أي فعالية مساندة للرئيس عباس.

ولم يتسن الحصول على تعقيب من وزارة الداخلية بالقطاع حول ما ذكره الشهود.

**

“ارحل”

ويقول محمد شقليه، وهو أحد النشطاء المشاركين في حملة “ارحل”:” نحن نطالب برحيل عباس لأنه أنهك قطاع غزة بالعقوبات، حيث قطع رواتب الآلاف من الموظفين والجرحى وعائلات الشهداء والمعتقلين بالسجون الإسرائيلية”.

وفي 7 فبراير/ شباط الجاري، قالت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان (أهلية)، في بيان وصل “الأناضول” نسخة منه، إن الحكومة الفلسطينية قطعت، رواتب أكثر من 5 آلاف من موظفي السلطة بغزة، يعملون في القطاعين المدني والعسكري، بحجة انتماءاتهم السياسية.

ولم يصدر تصريح رسمي من الحكومة الفلسطينية حول قطع رواتب موظفيها، كما لم يتسن الحصول على تعقيب.

وأضاف شقليه لمراسل وكالة الأناضول:” أبو مازن (الرئيس عباس) قام خلال السنوات الماضية، بتقويض مؤسسات الشرعية الفلسطينية فحلّ المجلس التشريعي، وعطل أي دور إيجابي لمنظمة التحرير لإنهاء الأزمة التي تعيشها القضية الفلسطينية، وهمّش الفصائل الرئيسية على الساحة مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحركتي حماس والجهاد الإسلامي”.

ورأى أن “عباس يرفض تنفيذ المصالحة الفلسطينية ويعزز الانفصال بين غزة والضفة بما يتساوق مع (الخطة الأمريكية المُنتظرة) صفقة القرن، ويواصل التنسيق مع إسرائيل ويريد استئناف المفاوضات معها رغم ما ترتكبه من جرائم ضد شعبنا ومقدساته، وهذا سبب كاف للمطالبة برحيله”.

**

“اخترناك”

على الجانب الآخر، قال صالح ساق الله، وهو أحد المشرفين على حملة “اخترناك”، إن “الحملة انطلقت لمساندة الرئيس عباس ضد الهجمة الداخلية والأمريكية والإسرائيلية، ودعما له بمواجهة صفقة القرن ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية”.

وأضاف ساق الله، لمراسل وكالة الأناضول:” الحملة لاقت تفاعلا كبيرا والتف حولها أبناء شعبنا بغزة والضفة والقدس والشتات”.

وأشار إلى أن المئات من الفلسطينيين خرجوا، مساء السبت، في مسيرات عفوية في شمالي القطاع، وبمدينة رفح (جنوب) والمحافظة الوسطى بغزة، ورفعوا صور الرئيس عباس ورددوا هتافات تعبر عن دعهم ومناصرتهم له.

وأوضح ساق الله أن الحملة بدأت على مواقع التواصل الاجتماعي وامتدت إلى الشارع بالمسيرات الشعبية، وستتواصل بمزيد من الفعاليات خلال الأيام المقبلة.

**

موقف “حماس” و”فتح”

ووجدت الحملتان المناهضة والمؤيدة للرئيس عباس، تفاعلا واسعا على مواقع التواصل وعلى الأرض، خاصة من قبل المؤيدين والناشطين في حركتي “حماس” و”فتح”.

وقال القيادي في حركة “حماس”، مشير المصري، في تصريحات لقناة “الأقصى” التابعة لحركته، إن “التفاعل الكبير لنشطاء مواقع التواصل مع وسم (ارحل) يعد دليلا واضحا على أن محمود عباس لم يعد له أي بعد وطني وغير مقبول لدى الشارع الفلسطيني”.

واعتبر المصري أن “عقوبات محمود عباس ضد غزة، أشد خطراً على الفلسطينيين من الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع”.

ويتابع:” ليس أمام عباس إلا الرحيل، وهو رجل بات عدوا للشعب الفلسطيني ويشكل خطرا على القضية الفلسطينية”.

من جانبه، أكد المتحدث باسم حركة “فتح” بغزة، عاطف أبو سيف، أن حركته تساند حملة “اخترناك” الداعمة للرئيس عباس.

وقال أبو سيف لمراسل وكالة الأناضول:” حملة اخترناك قام بها نشطاء من الشباب والشابات ولاقت تفاعلا كبيرا عبر عن مدى التفاف شعبنا حول الرئيس عباس”.

وأضاف: “الحملة جاءت ردا على محاولات المساس بالقضية الفلسطينية سواء من إسرائيل أو الإدارة الأمريكية أو من بعض الجهات الداخلية المشبوهة”.

وشدد على أن المساس بالرئيس الفلسطيني في هذه المرحلة، يأتي في إطار التساوق مع الهجمة الإسرائيلية والأمريكية عليه لرفضه لتنفيذ “صفقة القرن”.

وقال أبو سيف:” الشعب الفلسطيني من خلال حملة اخترناك، يريد أن يوصل رسالة واضحة لحماس بضرورة العودة إلى حضن الشرعية الفلسطينية وتطبيق اتفاقيات المصالحة والذهاب إلى انتخابات حرة تحدد من سيقود شعبنا بالمرحلة المقبلة”.

**

رفض فصائلي

وفي إطار الملف ذاته، أعلنت فصائل فلسطينية رفضها المشاركة في فعاليات الحملة المعارضة لعباس، وأكدت محاولاتها وقف هذه الحملة.

وفي بيان لها اطلعت عليه وكالة الأناضول، قالت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين:” نرفض الحملة الداعية لرحيل عباس ونرى أنها تضر بالعلاقات الوطنية وتعمق الانقسام بدلا من استعادة الوحدة الداخلية للتصدي لصفقة القرن”.

من جانبها، ذكرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أنها بذلت جهودا كبيرة للحيلولة دون الإقدام على إجراءات وخطوات من شأنها تصعيد حالة الانقسام الداخلي.

وشددت الجبهة، في بيان لها وصل الأناضول نسخة منه، على رفضها للتعاطي مع الحملة الداعية لرحيل عباس، معتبرة أن الأولوية يجب أن تكون العمل على توفير البيئة الصحية لإنهاء الانقسام وبناء وحدة وطنية حقيقية.

في السياق، نفت حركة “الجهاد الإسلامي” مشاركتها بالحملة والتجمعات الشعبية في قطاع غزة المناهضة للرئيس عباس.

وقالت الحركة، في بيان لها: “لم يصدر عن الحركة أي بيان بخصوص الحراك الشعبي بغزة، كما لم يتم بحث هذا الحراك من قبل التنظيمات الفلسطينية، وهو تحرك شعبي غير مرتبط بالفصائل”.

**

الحملتان تعززان الانقسام

وفي تعليقه على ما تشهده الساحة الفلسطينية، قال الكاتب السياسي الفلسطيني، طلال عوكل، إن “السبب الحقيقي وراء انطلاق الحملتين هو انغلاق إمكانية تحقيق المصالحة الفلسطينية وازدياد حدة حالة التوتر بين طرفي الانقسام (حماس وفتح) ووصلها إلى مستويات عميقة ويبدو أنه من الصعب الخروج منها”.

وأضاف عوكل لمراسل وكالة الأناضول:” الحملتان تؤثران بشكل كبير على المشهد الفلسطيني أمام المجتمع الدولي فهما تظهران التمثيل الفلسطيني مجروح وأن الشعب منقسم”.

وتابع:” الحملتان ستؤديان إلى مزيد من التدهور في الحالة الفلسطينية وستضعفان الفلسطينيين في مقابل نجاحات تحققها إسرائيل”.

ورأى أن مثل هذه الحملات، تعطي مبررات لدول عربية وغير عربية لتواصل عمليات تطبيعها مع إسرائيل تحت ذريعة الانقسام الفلسطيني وعدم وجود تمثيل فلسطيني موحد.

وشدد عوكل على ضرورة أن يتوقف “خطاب الكراهية والانقسام والتصعيد بين حركتي حماس وفتح، وأن يتوجه الجميع لانتخابات تنهي الأزمة القائمة”.

وقال:” التناقض في السياسات إيجابي، ولكن في حالتنا الفلسطينية يجب أن نبحث عن مخرج لهذا التناقض لا أن نعززه، حتى لا نعطي ذرائع ومبررات لإسرائيل وللمجتمع الدولي تضر بالقضية الفلسطينية ومستقبل الشعب الفلسطيني”.

ويسود الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس منذ عام 2007، ولم تفلح العديد من الوساطات والاتفاقيات في إنهائه.

وآخر اتفاق للمصالحة وقعته حماس وفتح كان بالقاهرة في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2017، لكنه لم يطبق بشكل كامل، بسبب نشوب خلافات كبيرة حول عدة قضايا، منها: تمكين الحكومة، وملف موظفي غزة الذين عينتهم حماس أثناء فترة حكمها للقطاع.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here