ما بين أرضٍ أميركية.. وأمّة عربية!

صبحي غندور

اضطررت في عامٍ سابق لأن أقود سيارتي على مدار أكثر من 12 ساعة في يومٍ واحد، ومن دون رفيق درب، عابراً ثماني ولايات أميركية في الوسط الشمالي للولايات المتحدة. ولم تكن تلك هي المرّة الأولى التي أتنقّل فيها برّاً بين ولاياتٍ أميركية، لكن جدّة التجربة لي كانت بأنّي أفعل ذلك دون رفقة أحد ممّا أتاح لي شيئاً من الخلوة مع الطريق، ومع جغرافية الأرض الأميركية، ومع سلسلة من البرامج الإذاعية الإخبارية التي كنت أتابع سماعها خلال هذه الرحلة.

أولى الملاحظات التي راودت ذهني هي التساؤل عن كيفية الجمع في التجربة الأميركية بين تنوّع الطبيعة الجغرافية ووحدة النظام المستخدم عليها. أيضاً، بين تعدّدية المجتمع واختلاف ألوان البشر فيه وأصولهم الثقافية والعرقية والدينية، وبين انتمائهم جميعاً إلى هويّة أميركية واحدة تجمعهم وتوحّد بينهم.

فخلال مسافة قاربت الألف ميل، عبرت ولاياتٍ ذات طبيعة جبلية وأخرى هي سهول ممتدّة. ولايات يتميّز بعضها بالتصنيع والمدن الصاخبة، وبعضها الآخر بالزراعة والحياة الهادئة البسيطة. وتجد في أيّ محطة أو استراحة على الطريق أشكالاً وألواناً مختلفة من الناس لكن جميعهم يستخدمون التسهيلات ذاتها في الولايات كلّها، ولا تعرف أنّك انتقلت من ولايةٍ إلى أخرى إلا من خلال دفع رسوم “الطريق السريع” أو من لافتات صغيرة على جانب الطريق.

وتساءلت في نفسي: لِمَ نجح الأميركيون (والأوروبيون الآن أيضاً) فيما فشل فيه العرب؟ فالمسافة التي قطعتها برّاً في يومٍ واحد هي تقريباً كالمسافة ما بين بيروت وجدّة أو بين بيروت والكويت.  فلِمَ استطاع الأميركيون القادمون من أصول ثقافية مختلفة أن يحقّقوا تكاملاً على الأرض الأميركية بين ولايات تمتدّ من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، بينما فشلت الدول العربية في تحقيق ذلك رغم ما هي عليه من وحدة ثقافة وأرض وتاريخ وحضارة ومصالح مشتركة؟

أيضاً، لِمَ نجحت تجربة السوق الأوروبية المشتركة، التي تزامن تأسيسها مع تأسيس جامعة الدول العربية، في التحوّل إلى اتّحادٍ فيدرالي بين أمم أوروبية مختلفة، بينما تزداد الدول العربية انقساماً وصراعاً في علاقاتها مع بعضها البعض، بل وفي داخل أوطانها نفسها أحياناً؟

أليست المشكلة عربياً هي في انعدام الإرادة السياسية بتحقيق التكامل والاتحاد، وأيضاً في خطايا الإدارة السياسية للأوضاع العربية؟!

صحيح أنّ المنطقة العربية هي منطقة صراعات دولية، وأنّ حدودها الراهنة هي محصّلة تسويات أوروبية تمّت في مطلع القرن الماضي، وبأنّ الأمّة العربية ينخر في قلبها جسم صهيوني غريب استنزف طاقات الأمّة لعقود طويلة، لكن هذه العوامل كلّها هي أيضاً أسباب مهمّة للتكامل والتوحّد السليم بين الأقطار العربية. فلا الأمن الوطني لأيِّ بلدٍ عربي يمكن تحقيقه بمعزل عن الأمن العربي العام، ولا التنمية العربية الشاملة ممكنة من دون تكامل الثروات والطاقات العربية المبعثرة والمستنزفة من قبل شركات الخارج، أو أحياناً أخرى في بلدان الخارج.

بلا شكّ، فإنّ المدخل السليم لتكامل الدول والأوطان هو صلاحية النظام السياسي الذي تقوم عليه هذه الدول. فالبناء الدستوري السليم هو الأرض الصلبة المطلوبة لأي عملية تكامل بين الدول. هكذا كان درس التجربة الأميركية التي وضعت أولاً دستورها الشهير قبل أكثر من مائتي عام وجعلته المرجع الوحيد للحاكمين والمحكومين في ثلاث عشرة ولاية، فإذا بهذه التجربة الدستورية والتكاملية تتطوّر على مدى أكثر من قرنين من الزمن لتضمّ الآن خمسين ولاية أميركية هي في مجموعها اليوم أكبر قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية في العالم، لكن ليس بمقدور أي ولاية منها أن تعيش وتزدهر من دون الولايات الأخرى ونمط الحياة المشتركة الرابط بينها جميعاً، فهي وحدة “الكل” الجامع لخصوصيات متنوّعة ومختلفة.

***

وفي رحلة الطريق هذه استمعت لبرنامجين إخباريين أحدهما عن العلاقة بين الدين والدولة، والآخر كان مقابلة هاتفية حول مسألة الهوية الوطنية في البلدان العربية.

وكانت ملاحظاتي على البرنامج الأول حول الدين والدولة أنّه تعامل مع الموضوع من منطلق مسلّمات في المفاهيم وليس من نسبية المعرفة والإدراك لطبيعة كلٍّ من الدين والدولة. ففي تقديري أنّ المشكلة ليست في إحداث “الفصل” أو عدمه بين الدين والدولة في أيّ مجتمع، بل المشكلة هي في كيفيّة فهم الدين وفي كيفيّة بناء الدولة. فالفصل بين الدين والدولة ليس ضمانة لتقدم المجتمع أو لتحقيق الديمقراطية أو العدالة الاجتماعية فيه بدلالة تجربة الاتّحاد السوفييتي التي جرى الفصل فيها بين الدين والدولة، ولم تنجح هذه التجربة في الاستمرار ولا في بناء مجتمعات واحدة ديمقراطية متقدّمة. وهكذا كانت التجربة التركية أيضاً في تطبيق العلمانية.

وهناك في العالم نماذج مختلفة من الدول العلمانية واللاعلمانية، وفي المجموعتين هناك أزمات كثيرة تتعلّق إمّا في كيفية فهم الدين أو في كيفية بناء الدولة. فقبل الوصول إلى الفصل المنشود بين الدولة السياسية والمرجعيات الدينية، فإنّ المجتمع كلّه بحاجة إلى فهمٍ سليم للدين يحرص على قيمه ومبادئه وغاية وجوده في الحياة من حيث الدعوة للإيمان الديني والعمل الصالح في أيّ مجتمع، كما هناك حاجة قصوى إلى بناء الدول على أسس دستورية سليمة.

أمّا البرنامج الآخر عن مسألة الهوية الوطنية في البلاد العربية، فوجدت نفسي أتساءل عن هذا الضياع العربي في موضوع الهوية، وكيف ينظر بعض العرب إلى دوائر انتمائهم بشكلٍ متناقض دون أيِّ مبرّر موضوعي لذلك. فالانتماء لأي دين أو للتاريخ الحضاري الإسلامي لا يتناقض مع الانتماء للهوية الثقافية العربية ولا مع الانتماءات الوطنية المتعدّدة في أرجاء الأمَّة العربية. تماماً كما هو حال الهوية الأميركية الآن لدى عموم الولايات الأميركية. فالمشكلة ليست أساساً في كيفية رؤية هذه الانتماءات الثلاث: الدينية والقومية والوطنية، بل هي في افتعال التناقضات بين هذه الانتماءات المتعدّدة وفي هذا التفسّخ الحاصل داخل بعض الأوطان العربية، وفي تغذية الانقسامات الطائفية والمذهبية والإثنية.

فالتخلّي عن الانتماءات الجامعة بين العرب لن يؤدّي إلى تقوية أي هوية أخرى للعرب، دينية أو وطنية، بل إنّ إضعاف الهوية العربية هو مقدّمة للتخلّي عن الهوية الوطنية نفسها لصالح انتماءاتٍ إثنية وطائفية ومذهبية ضيّقة تدفع بصراعاتها إلى حروبٍ أهلية عربية تدمّر الداخل وتفيد كلَّ مشاريع الهيمنة الأجنبية والإقليمية.

الأرض الأميركية المكتشفة من بعض الأوروبيين تحولت بمرور الزمن إلى “أمّة أميركية”، بينما يحاولون جعل “الأمة العربية” مجرد أرض فقط تُنتهك وتُستباح.!

***

كانت رحلة سفر طويلة على أرضٍ أميركية، لكنّها كانت مناسبةً أيضاً لوقفة خواطر مع حال الأوطان العربية، تلك التي تبحث الآن في جنس هويتها بينما الأعداء يطرقون الأبواب وبعضهم بات في الداخل.!

*(مدير “مركز الحوار العربي” في واشنطن)

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

10 تعليقات

  1. بالنسبة لسؤالك لماذا نجحوا هم في خلق وحدة ضمن تنوع، في حين فشلت الدول العربية في خلق التوحد رغم الجوامع المخالفة، أقول وبإختصار أن السبب هو التدخل الخارجي والإستعمار غير المباشر الموجود عندنا وغير الموجود عندهم. دولنا شبه دول وناقصة السيادة ويتدخل الغرب في كل شؤونها. حتى الأنظمة الحاكمة عندنا فسادها وإستبدادها بسبب دعم الغرب لها.. فالغرب الغرب هو سبب تخلفنا وتراجعنا، ولابد من ثورة عليه وعلى أدواته في المنطقة لو أردنا خلاصاً.. وشكرا

  2. الولايات المتحدة الامريكية بنيت وتأسست من خلال نقل المال اليهودي من البنوك الأوروبية الى أمريكا. بناء دولة وترسيخ ثقافة يكون سهلا عندما تتمتع المؤسسه الحاكمة بثروات طائلة.
    من الناحية الاخرى
    العقيدة البدوية لا تؤمن بالوطن لذلك يصعب بناء دولة حديثة في ظل انتشار الثقافة البدوية

  3. تحلي عميق هادف تشكر عليه دكتور صبحي غندور
    المشكلة في ان معظم الحكومات العربية هي حكومات معينة تابعة ولا تملك من ارادتها مع العرب الاخرين شيئا, كما ان الملك او الحكم يغري جدا بالبقا على نفس الشكل

  4. عندما يكون الانتماء الديني والمذهبي والطائفي والعشائري والقبائلي والعائلي , أقوى وأمتن وأشد من الانتماء القومي , فلماذا التساؤل والاستغراب يا دكتور !!!؟؟؟.

  5. ولكن شعوب أمريكا لا تعترف بانها امة واحدة، بل وطن جديد بلا جذور بلا تراث ولا هوية جامعة كما لا تزال حلقات ذوي الاختصاص و الباحثين تؤكد ذلك. وقد يعزى التماسك الاجتماعي الهش اولا، نتيجة لتفوق وسطوة العرق الأبيض البروتستانتي بالبلطجة والسلاح على باقي الأعراق خاصة للأقليات التي تعود جذورها لأمريكا اللاتينية وأفريقيا. ثم للرخاء الاقتصادي ودورة العمل المضني للمواطن الذي لا يمتلك الثقافة ولا الوقت للانتباه للظلم والتهميش،. واخيرا لسطوة القانون رغم ما له وما عليه وتنوع أجندات الإعلام التي قد تخدم الحقيقة أحيانا.

  6. حبيبي اولا الثقافه الرسميه الطاغيه في امريكا وكندا واستراليا ونيوزيلنده هي الثقافه الانجلوسكسونيه لان كلها اسست من قبل الانجليز وكانت مستعمرات بريطانيه قبل ان تنال الاستقلال عن بريطانيا ، وكندا واستراليا ونيوزيلنده مازالت خاضعه للتاج البريطاني وعليه كل من يهاجر للعيش في احدى هذه الدول ان يخضع ويتاقلم مع هذه الثقافه فهناك ثقافه واحده تسود فوق كل الثقافات الفرعيه او الهامشيه . ارجو ان لا تتصور بان هناك ثقافات متعدده مختلفه متعايشه معا في امريكا فهذا غير صحيح فهناك ثقافه واحده مسيطره على كل الثقافات ولو لم تكن هكذا لكان سكان امريكا يتناحرون ويتقاتلون فيما بينهم على المغانم مثل كل مكان اخر . ثانيا لو نتمعن في ثقافتنا العربيه فاننا نلاحظ ان المجتمعات العربيه قاءمه ومنذ الازل على النظام القبلي او العشاءري الذي يضع الانتماء القبلي او العشاءري فوق نظام المواطنه و الانتماء الوطني لذلك ومنذ الازل موجود لدينا مفهوم الغزو حيث ان القبيله القويه تغزو جارتها القبيله الاضعف وتستولي على مالها وحلالها وتطردها من المنطقه ولذلك كانت داءما هناك هجرات للقباءل العربيه الضعيفه المطروده من الجزيره العربيه الى الاقاليم المجاوره هربا من بطش القبيله الاقوى وكانت هذه موجوده قبل الاسلام بقرون وظلت تحكمنا الى يومنا هذا . تحياتي.

  7. يا سيدي، صحيح “الامة العربية” لغتها واحدة، دينها واحد، تاريخها الاسود واحد، أرضها وحدة ترابية واحدة، ثقافتها وعقليتها واحدة تقريبا، لــــــــــــكن:
    دينها اصبح مفرق بين شعوبها، بسبب ما زرع الحكام التاريخيين من عوامل تمنع التلاحم والتآزر بينهم، والتي أدت الى وجود المذاهب المتصارعة بل المتناحرة فيما بينها.
    وهذا الحال تسبب في اذكاء الصراعات القومية، ومع الاديان الاخرى غير الاسلامية، على سبيل المثال لا الحصر، كردي، بربري، عربي، فارسي، تركي، آثوري، كلداني، صابئي، فرعوني، أكدي، سومري، مسيحي، يهودي….الخ

    استمرت الفوضى على مدى التاريخ، الى أن أتى الاستعمار الاوربي وسيطر علينا بأستغلال هذه الفوضى لتمزيقنا أكثر فأكثر، كما أن تمكنه من زرع غدة سراطانية في قلب وطننا العربي والاسلامي الكيان الغاصب الصهيوني أصبح من الصعب أن نأمل بأي نهضة بوجوده.

    اذا لم يولد لهذه الامة رجال دولة وطنيين حقيقيين، لا أمل في ان نكون امة حقيقية مستقلة سياسيا تواكب بقية الامم.

  8. تأملات عميقة ولكن برأيي ان الجواب على هذه التسألات يكمن في تحليل الأنظمة العربية: حتى ثمانيات القرن الماضي كان المواطن في أية دولة عربية ينظر لنفسه على انه عربي الهوية و الثقافة . قامت الطبقة الحاكمة في كل الدول العربية بجذب و شراء النخب الاقتصادية و شريحة كبيرة من المثقفين الذين إتخذوا مبدأ البعد عن السياسة اي إنتقاد الأنظمة و حصلوا بفعل ذلك على إمتيازات مادية. اصبحت الشعوب بذلك بدون قيادة فعلية إذ ان هذه الطبقة الجديدة إستعملت إسلوب المافيا لتحقيق مُكتسبات فردية على حساب عامة الشعب. و مع إنتشار ثقافة البترودولار و غسل الادمغة في الجوامع بفضل الدعم البترودولار حصل هذا الخبل و التيه الجماعي و فقدان الشعور بالهوية و تقوية العصبية المناطقية و العشائرية و الدينية.
    بدون وضع النقط على الحروف و نقد هذه المرحلة لن يقف التراجع و ستنتهي الامة العربية و يحكم شعوبها اوليغرفيون اصحاب ملياردات مأمورون من امريكا و الصهيونية.

  9. المشكله في زعمائنا العرب وليس في الشعوب العربيه وفقك الله على هذا المقال

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here