د. فريد العمري: ما بعد الاتفاقية الإيرانية الصينية

د. فريد العمري

عندما تضع قلمك في بداية السطر وعلى رأس الصفحة؛ فاعلم أنك أمسكت القلم جيدا، وأنك قادر على كتابة الكلمة الصحيحة، وأنك قادر على وضع النقاط على الحروف، وأنك قادر على استكمال عبارتك، بل كامل المقالة التي تريد صياغتها.

إيران فعلت ذلك بكل وضوح منذ زمن، وهاهي ماضية في استكمال مقالتها التي بدأتها بإرادتها يوم وضعت خطوتها الأولى على طريق الخلاص من ظلم الحاكم واستبداده، والنهوض من قوقعة القبول بكل ما يفرض عليك من أحكام وقرارات لا تفيد الوطن ولا المواطن.

إيران الثورة الممنهجة يوم انقضت على النظام المستبد استبدلت كل أدوات الحكم، فتحولت العلمانية إلى إسلامية، وتحولت الإمبراطورية الشاهنشاهية إلى جمهورية إسلامية، وتحول حكم الفرد المتسلط بصفته الإمبراطورية إلى مجلس الشورى النيابية، وتحولت النياشين والرايات المصطنعة بلا حروب إلى عباءات وعمائم، وسُحِبَت النياشينُ والأوسمةُ من أصحاب الألقاب ومراسيم الضيافة، ومُنِحَت إلى القيادات العسكرية التي تستحقها، وتحول رجال السافاك والمخبرون عن كارهي النظام المتسلط الظالم إلى قوة ترصد تحركات الأعداء، وتبحث عن كل من يستطيع الإسهام في تقدم الجمهورية والنهوض بها في مختلف المجالات.

ليس غريبا أن توقع إيران اتفاقية تحالف استراتيجي مع الصين، فقد جربتها مع روسيا، وهاهي إيران تجني ثمار موقفها الاستراتيجي مع روسيا في سوريا، وتركيا، وأوروبا عموما من خلال ثباتها على الاتفاقية النووية، ومواجهتها الواضحة للولايات المتحدة الأمريكية، فالنظام في إيران لا يشبه غيره من الأنظمة في العالم الثالث، بل إنه تَقَدَّم على كثير من أنظمة العالم المتقدم؛ فهو يحكم من خلال مرجعيات وقوانين حكم دقيقة ومستقرة لا تتغير بتغير المسؤول الأول، وإن تغيرت الأساليب ووسائل التفيذ والأداء من شخص لآخر.

إيران ليست العراق في عام 2003، ولا حتى وهو في عنفوان قوته، أو في ذروة انتصاره على إيران إبان الحرب التي استمرت (8) ثمان سنوات بلا مبرر استراتيجي أو أخلاقي؛ فلم تدخلها فرق التفتيش الدولية العميلة للقوى الاستعمارية لتفرغها من أسباب قوتها الصاروخية، ولم تتراجع عن أي قرار اتخذته لمصلحتها في مواجهة التحدي الدولي المتكالب لإضعافها، والنيل من قوتها وعزيمتها، بل هي ماضية في ترسيخ ما صممت على اتخاذه من قرارات لصالح مشروعها التقدمي المرتكز على بناء القوة التي تحمي مصالحها، وكيانها كدولة مستقلة غير تابعة للنهج الاستعماري المفروض على كثير من دول العالم الثالث، ومنها عالمنا العربي بلا استثناء.

إيران اليوم تقبض على مفاتيح القوة التي تخشاها أمريكا وأوروبا، فالخليج وما يحويه من ثروات بشرية ونفطية يقبع تحت سطوتها المطلقة، وإسرائيل كذلك ليست بعيدة عن الذراع الإيرانية الطويلة؛ فهي التي طالما عملت أمريكا وأوروبا كل شيء من أجله ستضيع بكل ما تعنيه الكلمة بأسرع مما يتوقعون.

أما ما تقوم به القوى الإقليمية والدولية من اعتداء هنا، أو هناك بصاروخ أو اغتيال، أو في المجال الإلكتروني فهذا لا يعني مطلقا أن مَن يقوم به يمتلك القوة الضاربة أو التفوق النوعي على إيران؛ بل إنه يدلل على الضعف، وعدم القدرة على مهاجمة إيران، وإيقافها عند حدود الالتزامات الدولية التي يتذرعون بها؛ فهم يحسبون ألف حساب لمهاجمة إيران بصورة مباشرة، مثلما أن لإيران حساباتها بالمثل، فهي لا تريد أن تخسر بالرد المجتزأ، ما يمكن أن تربحه بعدم الرد؛ فحسابات الربح والخسارة مطلوبة، ومهمة في هذا الوقت تحديدا.

ليس أمام أمريكا إلا أن تعمل على استرضاء إيران والتعامل معها على قدم المساواة من الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، فبالتقارب مع إيران ستربح أمريكا وأوروبا، وإيران، وكل دول المنطقة، بل والعالم أجمع أكثر بمرات عديدة من الوقوف ضدها طال الزمن أو قصر، وإشارة البدء تكون بالعودة إلى الاتفاق النووي، ورفع العقوبات المفروضة عليها، والتعامل الاقتصادي معها من دون قيود تعسفية.

لم يعد بمقدور أحد التلويح باستعمال القوة ضد أحد، فأطراف الصراع يملكون من القوة ما يجعل الطرف الآخر يحسب ألف حساب لاستعمال قوته؛ إلا أن تكون حربا مدمرة تقضي على كل أسباب الحياة في المنطقة التي لا ينقصها غير الموت لتعيش إلى الابد من دون حياة.

بالتعاون، والتشارك، تنخفض إلى مدى بعيد كل أسباب الاختلاف والخصام، وتلتقي المشتركات التي تجمع ولا تفرق، تقرب ولا تبعد، وعندها يسود السلام، وتعم عوامل الرضا وقبول الآخر لبناء عالم يحتفل بكل ما يساعد على الازدهار والتقدم في كل المجالات.

الولايات المتحدة

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. د . فريد العمري
    عندما تضع قلمك في بداية السطر وعلى رأس الصفحة؛ فاعلم أنك أمسكت القلم جيدا، وأنك قادر على كتابة الكلمة الصحيحة، وأنك قادر على وضع النقاط على الحروف، وأنك قادر على استكمال عبارتك، بل كامل المقالة التي تريد صياغتها.

    نعم اعجبتي

    مقال يغلق كل التغرات و خالي من طق حنك
    و أحسنت يا دكتور و مشكور و كل عام وانتم بخير بمناسبه رمضان المبارك

  2. جمهوریه الاسلامیه الایرانیه دوله مستقله وشابه و کل عمر الدوله ۴۲ عام و فی المقابل الغرب به کل القوا الاستخباریه و الجاسوسه و العسکریه و المالیه فی وجه ایران و قوات الامن فی ایران علا حدودها الکثر۵۰۰۰ کیلومتر مربع جاهزین لل رد و اکثر المخططات العدو تنکشف و لاکن بعضها تفلت من اعین شباب الامنین.ولله المستعان

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here