ما أروع أن تشتكي علينا إسرائيل في الأمم المتحدة!

د. فايز أبو شمالة

من زاويتين مختلفتين قرأت الشكوى الأمريكية الإسرائيلية ضد المقاومة الفلسطينية في الأمم المتحدة؛ أما الزاوية الأولى فقد تحدث حولها كل الكتاب والمفكرين والسياسيين، والذين أجمعوا أن هنالك موقفاً فلسطينياً عربياً وإسلامياً موحداً أفشل المشروع الأمريكي الإسرائيلي، ورأي البعض أن هنالك عجزاً وقصوراً فلسطينياً في الساحة الدبلوماسية، وتراجعاً فاضحاً في التأييد للقضية الفلسطينية، وتقدم زائف للعدوان الإسرائيلي في ساحات لم يخترقها من قبل، وقد ظهر ذلك من خلال تصريحات الرضا التي عبر عنها قادة الكيان الصهيوني.

أما الزاوية الثانية التي أثارت اهتمامي؛ فهي زاوية المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، هذا المقاومة الإبداعية التي حيرت قادة الكيان الصهيوني، وأربكت حساباتهم، وغيرت نظرية الأمن لديهم، وهم القادة العسكريون الذين تعودوا النصر، وتعودوا الفعل قبل الكلام، وتعودوا التدمير قبل التهديد، فما الذي تغير، وكيف صارت دولة إسرائيل الكبرى صاحبة أكبر جيش في الشرق، كيف صارت تشتكي من المقاومة المحاصرة، وتتوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة كي تدين حركتي حماس والجهاد، وكتائب القسام، وغيرهما من فصائل المقاومة الفلسطينية؟

الوقائع على الأرض أثبتت أن المقاومة الفلسطينية قد صارت نداً، وأن لديها قدراتها التي أعجزت الجيش الإسرائيلي، وأن لها اليد الطويلة في ميدان الوغى، وقد صارت تل أبيب عاصمة الاقتصاد الإسرائيلي تحت أقدام الشباب الفلسطيني، قادرون على قصفها في كل حين، وقادرون على فرض منع التجول على سكانها، وإجبار 4 مليون يهودي على المبيت في الملاجئ!!.

قد يقول البعض: إن لجوء إسرائيل إلى الجمعية العامة يهدف إلى توفير الغطاء لضرب المقاومة، وتبرئة الممارسات الإسرائيلية الإرهابية فيما بعد، وهذا صحيح، ولكن منذ متى كانت إسرائيل تخشى رد فعل المجتمع الدولي؟ ألم تقصف إسرائيل طلاب مدرسة بحر البقر في مصر دون أن ترتجف؟ وتركت مصر العربية تشتكي الى الأمم المتحدة! ألم تقصف إسرائيل مدن الأردن وقراه ومخيماته لسنوات طويلة، وتركت الأردن يتوجه بعشرات الشكاوي الى الأمم المتحدة؟ وهل نسيتم ما فعلته إسرائيل في لبنان، ألم تقترف مجزرة قانا؟ وتركت لبنان في حينه يتوجه بالشكوى إلى الأمم المتحدة؟ وهل نسينا ما فعلته إسرائيل بسوريا والعراق والسودان وأوغندا وتونس، وفي كل بلاد العرب، ولم تعمل أي حساب لشكوى العرب في الأمم المتحدة؟

تعرف إسرائيل أكثر من غيرها قلة حيلة الأمم المتحدة، وتعرف أن هنالك أكثر من 500 قرار صدر من الجمعية العامة للأمم المتحدة يدين العدوان الإسرائيلي على فلسطين وعلى البلاد العربية، وكلها قرارات معطلة، مهملة، وتعرف إسرائيل أن قرار مجلس الأمن الصادر في ديسمبر 2016، والذي يدين الاستيطان، هذا القرار مجمد والاستيطان يتمدد حتى هذه اللحظة، تعرف إسرائيل أن قرار 19/67 لسنة 2012، والقاضي بالاعتراف بدولة فلسطين بصفة مراقب ما زال معزولاً بين القرارات، يعيش حياة البؤس، حزيناً بائساً كسيحاً، لأنه يتيم الأبوين.

إن القراءة الدقيقة لمشهد الشكوى الأمريكية والإسرائيلية ليؤكد أن الجيش الإسرائيلي ما عاد قادراً على الحسم والنصر وفرض مشيئة العدوان، وأن إسرائيل قد باتت عاجزة عن الفعل النصر كالسابق، لذلك لجأت إلى الشكوى، ولو كانت إسرائيل قادرة على ضرب المقاومة، وتصفيتها، وسحقها، لما توانت لحظة، حتى ولو أدى الأمر إلى قتل آلاف المدنيين الفلسطينيين، ولعل اعتراف الإعلام الإسرائيلي بالأوامر التي أصدرها وزير الحرب السابق إهود باراك لقادة الجيش بقصف المديين في غزة أثناء حرب 2008، خير شاهد على الإرهاب الإسرائيلي.

اليوم تقف إسرائيل أمام زاوية جديدة من الفعل الفلسطيني، زاوية الندية الميدانية، والتي تقوم على مقولة الدم بالدم، والقصف بالقصف والجراح قصاص، وهذا ما يرعب إسرائيل، وهذا ما فرض على إسرائيل أن تفكر مرتين، وأن تهدد عشر مرات، وهذا ما ألزم إسرائيل أن تكون مؤدبة، محترمة، تلتزم بالتهدئة، بل وتسمح بدخول الأموال القطرية إلى غزة المقاومة، وهذا هو الدرس الوطني الأول الذي يجب أن يتعلمه طلاب العلوم السياسية، وقادة المستقبل، وهم يصارعون عدواً لا يفهم إلا لغة القوة، ولا يعترف بالضعفاء شركاء.

إن اشتكاء إسرائيل من المقاومة الفلسطينية بمثابة رسالة فخر واعتزاز لكل عربي، قرأ رسالة المقاومة الفلسطينية التي تقول: نحن منكم وإليكم يا عرب، نحن رأس حربتكم، نحن المقاومة الفلسطينية شرفكم العربي وكرامتكم، نحن كتائب القسام، حريتنا في فلسطين هي حريتكم، ونصرنا على الصهاينة هو نصر لكم، وضياع فلسطين لا يعني إلا تمزق بلادكم، وشتات شملكم.

يحكى أن رجلاً ضعيفاً ظل يشتكي للجيران من عدوانية أولادهم على بيته وزرعة ونسائه وبناته، ودون جدوى، حتى جاء يوم، فإذا بالحارة كلها تقف أمامه، وتشتكي له من قوة ابنه وعنفوانه، وضربه لأولادهم، وقتها خر الرجل ساجداً لله، وهو يقول: الحمد لله الذي اعطاني ولداً يصون الحمى، ويشتكي منه الأشقياء، فطوال عمرنا نشتكي، ولا سميع لنا ولا مجيب.

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. لا أتفق مع هذا التحليل. مشكلة المشاكل عند الفلسطينيين أن النخب السياسيه والإقتصادية الحقيقية همشت ومن يكتبون او يحكمون في معظمهم ليسوا حقيقة نخب حقيقية قادره ولا هي ذكيه او صاحبة رؤيه وكل ما لدينا ليس أكثر من مجموعة من الانتهازيين الذين يريدون الوصول للسلطه والمال بأي طريقه. ولهذا أينما ذهبت تجد تحليلات خاطئه تخلط بين الواقع والتمنيات والخيال او أحلام اليقظه… وهذا حال معظم من يقدمون أنفسهم زورا وبهتانا على أنهم مثقفون.

  2. الشكوى الأمريكية الاسرائيلية على المقاومة الفلسطينية في الأمم المتحدة !!!! الكاتب الكبير أبو شمالة ربما نتفهم عن قريب أو بعيد هذه الشكوى لأنها تجيء من عدو لفلسطين وللعرب ولجميع الأحرار والشرفاء في الوطن العربي الكبييير وفي العالم !! ولكننا لا نستطيع تفهم شكوى عباس أو ما يعرف بالرئيس الفلسطيني (بالأسم طبعا) على حركة المقاومة الفلسطينية وأيضا في الأمم المتحدة عندما تحدث عباس في كلمته الانبطاحية الاستسلامية وبهدل حركات المقاومة الفلسطينية ووصفها بطريقة غير مباشرة بالارهاب . هذا الذي يجب علينا أن نستنكره أولا لأن أمريكا واسرائيل أعداء وهذا العباس المفروض أن يكون رئيس لجميع الفلسطينيين …… عباس قال من ضمن ما قاله في الأمم المتحدة وأكد عليه أنه لن ولم ولا ومستحيل أن يستسخدم المقاومة لتحرير الأرض حتى لو رفش الاسرائيليون في كرشه وسوف يبقى يستخدم الأساليب السلمية في سبيل عودة ما تبقى من الأرض الفلسطينية التي سيسميها دولة فلسطين وعاصمتها القدس ……….. يعني دولة عباس ستكون في عدد من قطع الأراضي الغير مرتبطة مع بعض مباشرة وعاصمتها ستكون في دولة أخرى !!!!!!!! (مهازل ما يسمى الرئيس الفلسطيني وحاشية ولا ننسى سفاراته التي لا فائدة تذكر منها لصالح القضية الفلسطينية والتي عنما يذهب الفلسطيني اليها لطلب خدمة ما فإن السؤال الأول لع هل أنت من غزة أم من الضفة وهل أنت تابع لهذا أم ذاك وهكذا ؟؟؟؟ وعلى هذا الأساس يتم تقديم الخدمة لك أو طردك ) .

  3. لا اعرف كيف وصلنا الى هذا المستوى من التحليل…نعم نحن مع المقاومه باشكالها المختلفه..وفى حدود امكانياتنا ..اما ان نفتخر بشكوى اسرائيل فهذه منتهى السذاجه فى فهم السياسه الاسرائيليه.اسرائيل كانت ومازالت تهول من امكانيات العدو حتى يكون الانتقام بمستوى هذا التهويل..ومازاد الطين بله..هى الافتخار بسماح اسرائيل بدخول الاموال القطريه تحت الاشراف المباشر من اسرائيل و صرفها بطريقه مزريه.يعرفها الجميع هنا فى غزه…عفوا ايها الكاتب قليلا من الواقعيه ..فالفلسطينين خبراء سياسه فى اغلبهم….واخشى مانخشاه ان تختزل القضيه الفلسطينيه فى حكم حماس لغزه وبذلك يسهل على الجميع التنصل من القضيه الفلسطينيه لاسباب تعرفونها جيدا…وهذا مالمسناه من التصويت الاخير فى الامم المتحده..الذى كان للعارفين ببواطن الامور …. نصرا بطعم الهزيمه…والله من وراء القصد….

  4. نعم: ما أروع أن تشتكي علينا إسرائيل في الأمم المتحدةّ! أقولها بصورة مجردة وبدون تفسير ولا تعليل ولا تعليق على ردود أفعال أنظمتنا العربية والاسلامية, فأولا الشكوى لغير الله مذلة وثانيا لأن الشكوى إلى الأمم المتحدة أو أي من المنظمات الدولية على مختلف تسمياتها هي “حجة المفلس” لا تسمن ولا تغني من جوع وهي عنوان الضعف وقلة الحيلة.

  5. ميه الميه! يا سيدي، من المضحك ان تشتكي اسرائيل وامريكا فيما كانت اسرائيل هي المعتدي المتسلل اللص الذي دخل في ظلام الليل الغزاوي ولكن العيون كل العيون له بالمرصاد. من الرائع ان تنقلب الاية ويشتكي الصهاينة الـ400 صفعة التي ضربتها المقاومة مقابل الصفعة. 400 صاروخ في يوم، هذا انجاز عظيم.

    يجب التأكيد على الانجاز قبل الاخفاق، لكي لا نفقد الأمل، أمل على أساس الواقع. لذلك يجب التنويه ايضاً حول اخفاق الدبلوماسية الفلسطينية بقيادة سلطة رام الله والمنظمة، واخفاق الدبلوماسية العربية. يجب محاسبة المخفقين — ولو ان هذه الدعوة لن تجد آذانًا صاغية في منطقة يحكمها طغاة متعسفين. يجب الكشف عن تفاصيل هذا الاخفاق، ولو بالتسريبات والبحث. يجب ان نعرف ماذا كان موقف الدول الحقيقي، مثل السعودية والدول التي تسير في ركبها، وهي تطبّع اليوم علنيًا مع الكيان في حين لا تتكتم عن معاداتها لمشروع المقاومة في المنطقة. كيف تتصدى لمشروع القرار هذا وانت تتخذ الكيان صديقًا والمقاومة عدوًا؟ بكلمات اخرى، هل كان هذا الاخفاق العربي امتداداً لسياسة المحاور والانقسام، بل التناحر، العربي؟ يجب ان نجيب عن هذه الاسئلة اذا اردنا حماية مشروع المقاومة الشريفة.

  6. أكثر من الشكوى ؛ نتن ياهو أصبح يبحث عن “مبررات لتفادي وتجنب المواجهة” من خلال الزعم :
    “إنه غير معني “بالتصعيد “بغزة والضفة ” ولا “حتى مع لبنان” “لأن هذفه الأسمى” إبعاد إيران” ؟؟؟!!!
    *هرب لشمال فلسطين” بحثا عن “رافعة معنوية ؛ فإذا به يبحث عن رشاشات جنوده فلا يجدها” “تبخرت كما تبخر حلمه” فزاد الصمم على العمى!!!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here