د.طارق ليساوي: ما أحوجنا اليوم إلى حكمة الملك  فيصل …

tarek-lisawi.jpg77

د.طارق ليساوي

توالت تصريحات الرئيس الأمريكي حول إقامة مناطق أمنة بسوريا و ربما حتى باليمن، لكن المثير في  تصريحاته  هو اعتبار بلدان الخليج الممول الرئيس لكلفة إنشاء هذه المناطق، على غرار تصريحه فيما قبل بأن المكسيك سوف تدفع تكاليف بناء حائط لمنع تدفق المهاجرين على طول الحدود الأمريكية المكسيكية. و إذا كان رد الحكومة المكسيكية قد جاء في حينه واصفا الأمر بأنه إهانة للمكسيك و شعبها، فإنه على خلاف ذلك، لم نسمع ردا رسميا من قبل حكومات الخليج بالرغم من أن تصريحاته كانت “جارحة” لشعور غالبية شعوب الخليج و فيه انتقاص شديد من كرامة و مكانة هذه الشعوب …

لا ننكر أسفنا الشديد لمثل هذه التصريحات العنصرية في حق إخواننا في الدين و العروبة و التاريخ المشترك … فمن العيب و العار أن تمس كرامة أهل الجزيرة العربية، و التي شرف الله أهلها بأن بعث فيهم خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة و السلام و هو النبي العربي قلبا و قالبا، و جعل رسالته للعالمين مصداقا لقوله تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) ( الآية2 ، الجمعة )، و قوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا… ) (الآية ١٤٣ سورة البقرة)…

ولم تكن رسالة الإسلام لتنتشر و تشمل كل بقاع العالم القديم و الجديد لولا تضحيات عرب الجزيرة العربية، و الذين خرج من بينهم قادة و رجال فكر و مصلحين أخرجوا الناس من الجاهلية، و عبادة الأوثان وعبودية العباد إلى عبودية رب العباد …

نأسف لهذه الإهانة من رجل متعصب و عنصري، و محدود الأفق و قليل الاطلاع ، فلو درس قليلا تاريخ هذه المنطقة و ما خطه سلفها الصالح لما تجرأ على قول ما قاله، فهذه الأمة قادت العالم لقرون عددا، ونشرت النور و العدل و التسامح و المساواة في أرجاء المعمورة.. و كان لجهود علماءها الدور الكبير في المحافظة على الثرات الإغريقي الذي تنتسب إليه الحضارة الغربية، فمجموعة من المبادئ الكونية التي رفع شعارها فلاسفة عصر الأنوار مصدرها الحضارة الإسلامية و يكفي مقولة عمر بن الخطاب و هو من مواليد مكة المكرمة و ثاني الخلفاء الراشدين عندما قال ” متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرار” و هي المقولة التي تبناها ميثاق الأمم المتحدة في ديباجته…

من الصعب أن نقارن بين خليفة المسلمين عمر و حكام الخليج اليوم، الذين للأسف وجهوا سهامهم و مواردهم لمحاربة  الإسلام و تنكروا له، في الوقت الذي نجد فيه أن خريطة إسرائيل تستنبط حدودها  من ثوراتهم و تلمودهم… ألم تتسابق دول الخليج على وضع عدد من إخوانهم على لوائح الإرهاب دون موجب حق سوى الخوف على كراسيهم و مصالحهم…؟ ألم تدعم بعض حكومات الخليج وأد الديمقراطية الناشئة في مصرو دعم نظام انقلابي بالمال و التأييد السياسي…؟ في الوقت الذي كانت فيه مصر الديمقراطية و القوية حاضنة لتطلعات شعوب المنطقة…و أفضل داعم لأمن و استقرار دول الخليج في مواجهة التهديد الإيراني أو الأمريكي ..؟ و لقد تابعنا جميعا موقف الحكومة المصرية المنتخبة شرعيا، كيف و قفت في وجه العدوان الصهيوني على قطاع غزة و كيف تفاعل الرئيس الدكتور محمد مرسي فك الله أسره مع ذلك العدوان…

ألم تغتصب أراضي عربية بدعم و مباركة من بعض حكام الخليج ؟ نعم نقر بأن نظام الراحل صدام حسين جانب الصواب عندما انتهك حرمة دم و عرض الكويت ، نقر كذلك بالعديد من نقاط الضعف لدى الشعوب قبل الحكومات و في صفوف النخبة قبل العامة، لكن في الوقت الراهن المنطقة تمر بمرحلة حرجة و طبول الحرب يقرعها رجل لا يحترم إلا منطق القوة و الغلبة…وبالرغم من كل هذه المثالب فإن  حكام الخليج -تحديدا في السعودية- باستطاعتهم تسجيل موقف حضاري مشرف و أن يكون لهم موقفا رجوليا على غرار ما فعل الملك الراحل”فيصل بن عبد العزيز” رحمه الله،  عندما وقف في وجه التهديدات الأمريكية والغربية واتخد قراره في الاصطفاف إلى جانب مصلحة العرب و المسلمين وكان لقراره بوقف إمدادات النفط عن الغرب في عام 1973 بالغ الأثر في تغيير مجريات السياسة الدولية …

وكما قلنا في مقال لنا سابق بعنوان “لا تحالف مع سياسات ترامب” نشر قبل أسبوعين بعدد من المنابر الإعلامية ، على دول الخليج أن تبتعد عن سياسة الأقطاب و منهج “فرق تسد”ن فبتفرقة و تجزئة العالم العربي و الإسلامي تم استنزاف موارد المنطقة وتدعيم أسس تخلفها و تأخرها ، نود أن يستفيق الحكام العرب و يتراجعون عن غيهم و تجبرهم المزعوم و ليخلصوا من عبادة الذات و الأنا المفرطة ، و يتوجهوا نحو خدمة مصالح شعوبهم ، فبيد أغلبهم الفرصة ليسجلوا أسمائهم بماء من دهب في سجل التاريخ كما فعل سلفهم الراحل فيصل بن عبد العزيز ، الذي تحلى بخصال الرجل المسلم التقي و العربي الشهم الذي لم تفسده أطماع الحكم …

شعوب الخليج ومعها باقي الشعوب العربية تنتظر من يحقق تطلعاتها في غد أفضل تصان فيه كرامة الأمة وتحترم فيه مقدساتها و أمالها و تطلعاتها ، نقر بأن الوضع القائم لا يبشر بخير و أن الحكام باعوا نفسهم للغرب بأبخس الأثمان، و عجزوا عن التقرب إلى شعوبهم و التصالح مع باقي إخوانهم في العالم العربي و الإسلامي الجريح…فما أعوجنا اليوم إلى حكمة فيصل … و الله غالب على أمره…

*إعلامي مغربي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here