ماهر سلامة.. تسخين خلف الكاميرا قبل تدشين معركة الإتجاه المعاكس

33333333.jpj

 

في ندوة ألقاها حفيد مناضل الانسانية غاندي، وهو مناضل ناشط أيضا في حقوق الفرد، وبناء المجتمع المدني، قال ما لم يقله ولو مناضل.

عربي واحد!! قال بالحرف: النضال جيد وضروري وواجب، ولكننا علينا في كل مرحلة أن نعرف ما هو الثمن الحقيقي والفعلي لنضالاتنا، فالنضال المباشر ضد العدو قد يكون ثمنه باهظا، بمعني قد يضعف المجتمع ككل، قد يضعف التعليم، والصحة، وتنمية المشاريع الصغيرة، وبرامج تنمية مواهب الشباب الابداعية.. الخ، حيث أضاف أن أصحاب المشاريع الكبيرة من الرأسماليين، لا يتأثرون بالضرورة بمسيرة النضال، لأن مخارجهم لمراكمة الارباح دائما متيسرة في أغلب الاْحيان، وأن ابناءهم يحصلون على الرعاية الصحية، والتعليم، وتنمية مواهبهم…الخ. وختم حديثه بأن مؤشر النضال يقاس من قدرة المجتمع على الصمود والارتقاء، وليس الانهيار لتقدم وطنك لقمة سائغة الى عدوك.

أسوق هذا المنطق، وأتذكر في نفس الوقت فوز جورج بوش الابن في انتخابات الرئاسة الاْمريكية ضد مرشح الديمقراطيين آل غور، حيث أثبتت كثير من التقارير المتلفزة قيام الجمهوريين بممارسات التزوير ضد الديمقراطيين، وكانت تلك فاجعة للديمقراطية الاْمريكية حينذاك. صدمة قوية أثارت الديمقراطيين وأكثر من نصف الشعب الاْمريكي.

ومع إنني أرى السياسة الاْمريكية لا يخطها حزب بعينه، وأن فروق السياسات خاصة الخارجية هامشي، إلا إنني ميال للديمقراطيين أكثر، كوني أعرف تاريخ نشأة هذا الحزب الذي قام على أكتاف الايرلنديين المهاجرين والمطرودين في حينها من بطش الاستعمار البريطاني، لذا فقد ساهم هذا الحزب ببناء العدالة والمساواة في الدستور الاْمريكي، وساهم بشكل متميز في توحيد أمريكا، ومحاربة الاستعمار الفرنسي والبريطاني وطردهم من القارة. حينها حملت الثورة الاْمريكية بتأثير من الايرلنديين مبادىء ثورية حقيقية، سرعان ما تخلى عنها في رحلة بناء الرأسمالية الاْمريكية، وتحولت الثورة الامريكية الى مصالح، فبقت مراهنتي على أن الحزب الديمقراطي قد تصيبه الصحوة يوما ما، مع إيماني أن الجمهوريين هم أقرب للفاشية.

عودة الى تزوير الانتخابات الاْمريكية، فقد قرر الحزب الديمقراطي الاعتراف بنتائج الانتخابات، ودعوة ناخبيهم الى عمل ذلك أيضا، تحت شعار حماية أمريكا من الاقتتال والخراب، والمراهنة على بذل جهود أفضل في الانتخابات القادمة. مضت السنين وهذا أوباما ينتصر نصرا ساحقا. حينها آمن الديمقراطيين أن مازال هناك أمل، وخسارة الانتخابات بالتزوير ليست نهاية العالم خاصة إذا كانت القصة تخريب وطن، والعبث بسابقة المصداقية. أمريكا كانت أكبر من كل شيء رغم أن مصالح الحزب الديمقراطي قد تعرضت لخطر اقتصادي، واجتماعي، ومعنوي.

بين كلام غادي الحفيد الذي نطق عن تجربة الثورات الهندية، وبين التجربة الانتخابية الاْمريكية، أستحضر هنا ما جرى في سوريا، وفي مصر. فالامعان والاصرار على إيقاف عجلة الحياة والمجتمع من أجل السلطة، هو بلا أدنى شك عمل سينتج عنه خراب وهزيمة لجميع الاْطراف. الوطن بكامله عرضة للانهيار، وبعد الانهيار ماذا تريد أن تحكم، خراب، دمار، مجتمع جاهل، خالي من العلم، والابداع، والصحة، مثلما حدث في العراق الذي تراجع على جميع الصعد على الاْقل 50 عام!!!

أتابع الممعنين بكلامهم وتصاريحهم ومظاهراتهم، وعملياتهم الاقتتالية، واعتصاماتهم، فأتذكر غاندي الحفيد، وأتذكر الديمقراطيين الاْمريكيين الذين تسامو لاْجل الوطن الذي يناضلون لاْجله.

كما أتابع الجزيرة (مباشر)، التي تصر أيضا على العناد والامعان لقلب المعادلة، فأقول وهل الجزيرة قوة وطنية مصرية؟ وهل الجزيرة قوة وطنية سورية؟ فالجزيرة تبث وعلى مدار الساعة، المظاهرات المصرية الاخوانية، وتلاحق كل مجموعة صغيرة وكبيرة، وحسب قولها دائما هي كبيرة، لتقدمها الى المشاهد المصري عسى أن تزيد أعداد المتظاهرين في الشوراع، ليقلبو الانقلاب!! وفي سوريا يصرون أن الجيوش الحرة الجرارة قد سيطرت على سوريا، وتحاصر بشار، الذي يستعد أن يرمي نفسه من الشباك!!

إن هؤلاء وأعوانهم من الممعنين، يمارسون خطايا تفوق خطايا بشار، وخطايا السيسي، إذ يقومون بشكل ممنهج بتحطيم بنية المجتمع المصرى، والسوري.

فالمجتمعات كما الاْفراد، لها عقل وقلب ومشاعر وجسد، فأنت حينما تشغل شعبك بالاقتتالات مدة طويلة، أنت في الحقيقة توصله الى مرحلة الالتباس والفوضي، حينها سوف يكف عن الايمان بك وبغيرك، حتى الوطن يضحي بلا قيمة. وأي كلام عن المساواة والعدالة والمواطنة يصبح كلاما فارغا بلا أي معنى.

وأعتقد أن الأجندات التلفزيونية تعمل بشكل جاد للنيل من العقل الجمعي لمجتمعات مصر وسوريا، خاصة وأن وطنها الاْم ينعم بالامان والطمأنينة والعيش الرغد، منتظرة باستعدادت هائلة لاستقبال دورة كأس العالم. كيف؟

تسخين الإتجاه المعاكس

مؤخرا وفي إحدى حلقات الاتجاه المعاكس، الذي يقدمه الدكتور فيصل القاسم، يستضيف مقدم البرنامج ضيفا إيرانيا يتكلم العربية يدافع عن وجهة نظر إيران في الشأن السوري، وسوريا معارضا ينتقد النظام السوري. ماحدث في إدارة الحوار مضحك جدا، فقد كان الضيف الايراني لبقا ومفوها وكثير الكلام والحجج، أما المعارض السوري فقد كان هشا وبطيئا ومتناقضا، مما أعطى الضيف الايراني قدرة للتحرك والهجوم ومباغتة المعارض السوري. هذا الوضع أفقد القاسم قدرته في السيطرة على مراد البرنامج ومساره، فما كان من القاسم إلا توجيه الكلام التوبيخي المهين للمعارض السوري على ضعفه، وقال له بالحرف على الشاشة: ” الحق مش عليك، الحق على إللي جابك”!!

أسرد هذه الحكاية المتلفزة لاْذكر من يدافع عن موضوعية الجزيرة، ففي المقدمات الترويجية التي تبث كدعاية لبرنامج الاتجاه المعاكس أو غيره، تطرح الاسئلة المثيرة، بقالب حماسي، يعد المشاهد بثروات معلوماتية غير مسبوقة اذا ما قام بمتابعة الحلقة قيد الترويج.

ولكن ماذا يحدث في الحقيقة: روى لي البعض أن ضيوف الحلقة يأخذون الى جولة تسخين قبيل موعد بث الحلقة، ويقوم مقدم البرنامج بتحريض كل ضيف على حدة، نعم تحريض شخصي وتحريض معلوماتي، وذلك ليضمن مقدم البرنامج حلقة ساخنة، بها الكثير من الدراما الصوتية واللغوية. رسم خط الحلقة ومسارها في الحقيقة لا يأبه كثيرا في الحقائق، بل في قدرة الحلقة على مسمرة المشاهد على كرسيه لمتابعة ما يجرى في الحلقة.

ماذا يحصل بعدها؟ كل الاسئلة التي وعد بها مقدم البرنامج في الدعايات الترويجية لتلك الحلقة لم يتم الاجابة عليها، بل تلامس الحقائق بشكل تقاتلي، وفوضوي، وعبثي، وتترك الاسئلة والوعود البراقة التي أطلقها مقدم البرنامج في دعايته وهو يفرك شمال يده بيمينها، بخلفية موسيقية حماسية، وصورة نشطة الحركة، مدججة بصيغ تساؤلية: هل، وكيف، وغيرها. هنا تنتهي الحلقة والمشاهد مصاب بصعقة خذلته تركته حائرا أكثر، ومبعثرا، ومحبطا، ويائسا. يترك المشاهد في مستنقعه يغرق أكثر وأكثر، وتستمر هذه البلبلة حلقة بعد أخرى، لاْشهر وسنوات وسنوات.

هذا النمط الاعلامي رغم علو صوته، وإمكانياته، وغلو رسائله السرية المبطنة، المغلف بشفافية فوضوية تبث من خلال التساؤلات، يصب  في النهاية، في زعزعة كل شيء صالحا أو طالحا، هو نمط لايقدم بديلا حضاريا جديدا للانسان العربي، فهي تروج الديمقراطية من وطن تغيب عنه الديمقراطية، وكل شيء حضاري وإنساني، كل يوم يموت عدة عمال في دول الخليج ، هذا آخر تصريح لمنظمات العمل الدولية، ومن يعمل في فضائيات العرب عامة والخليج خاصة  يطيع أوامر مستخدميه ويخدم أجندتهم.

الاْجندة، هي كسر العقل الجمعي العربي، وتشتيت حالة الوعي، وبث الفوضى المنظمة، فرغم كل اللغو الذي بثته على مدى السنوات بعض الفضائيات، لم تنجح في تحريك شارع في تونس أو في مصر او في سوريا، فقد تحرك البوعزيزي، وخالد سعيد، وثوار سوريا الاْصليين بسبب ظلم حكامهم، وما كان من الشاشات إلا استغلال هذا التحرك، وتغيير مساره، وحرفه الى الفوضى. لننظر بعمق ونقرأ الظواهر البراقة بدقة.

 

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. بصراحة انا هذه المقالة الثانية التي اقرؤها للكاتب وهي ايضا حول قناة الجزيرة وسؤالي هل هناك ثأر شخصي بين الكاتب والقناة والسؤال الاهم والذي يتضح جليا في مقالات الكاتب لماذا تناصب العداء للاخوان المسلمين ؟ على فرض ان قناة الجزيرة او غيرها منحاز الا تحترم عقل المشاهد ام انك من انصار ان الشعوب كلانعام ويضحك عليهم لا يا عزيزي الشعوب العربية اوعى من ذلك فنحن لسنا في الخمسينات او الستينات ولا حتى التسعينات ولو كانت الجزيرة منحازة فماذا تقول في الاعلام الرسمي للدول التي ذكرتها الا تسمع الردح على التلفزيون المصري صباح مساء من اعلاميين يدعون انهم كبار وهم الذين وجب ان توجه سهامك اليهم امثال عمرو اديب وشلته وعمل الافلام والمسرحيات التي تشيطن الاخوان ويا سلام على الاعلام السوري فوالله لقد اخترق عالم هوليوود بما يصنعه من افلام ام قناة العربية التي باتت مفضوحة في مناصبتها العداء للاخوان بضغط واموال ورشاوى من دول معروفة والذي يبدو ان الكاتب يتقاطع مع العربية في التوجه ……….

  2. طيب إذا كان هؤلاء الزعماء العرب يرفضون الإصلاح وإعطاء الشعوب حقوقها بالطرق السلمية فما هو الحل؟
    لماذا علينا ان نفاضل بين الطغاة والخراب ، لاحظ ان معظم العالم التقدمة مرت بثورات وحروب أهلية قبل استقرارها، ما قاله حفيد غاندي يصلح للهند البلد الديمقراطية ، يصلح لحكام يخافون على بلدانهم وليس لحكامنا الذين يخافون على كراسيهم!!!
    استغرب من وضعك الحراك السلمي للمصريين ضد الانقلاب في سلة واحدة مع الأعمال العسكرية في سوريا !! تريد من المصريين التسليم للانقلاب والعيش الخرفان مرة أخرى ؟
    نصيحة أخيرة لمن يسمون انفسهم قوميين ، اتركوا الشعوب تختار وارحمونا من نظرياتكم العقيمة ،

  3. الاستاذ الفاضل ماهر سلامة ..اصبت عين الحكمة في مقالك ووضعت الأمور في نصابها..فالاقتتال في سوريا أثبت للجميع بعد اكثر من عامين انه لا منتصر بين الفرقاء وأنهم جميعاً خسروا وطنهم وقُتل من أهلهم اكثر من مائة الف سوري..نسأل الله ان يحمي اوطاننا من الغوغاء وقيادة الجهلاء..شكراً لك استاذنا مرة اخرى.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here