ماليزيا.. القيادة الفذة والدولة المنيعة وقوة التجربة

د. احمد قطامين

اكتب هذه المرة من ماليزيا وعن ماليزيا. ماليزيا التي كانت لا تكاد ان تذكر عام 1980 عند الحديث عن جنوب شرق اسيا. بحلول عام 1981 كانت ماليزيا على موعد مع مصادفة تاريخية نادرة الحدوث، فقد انتهى الشعب الماليزي في ذلك العام من انتخابات برلمانية اوصلت احد الاحزاب السياسية الى الاغلبية في البرلمان فاصبح رئيس هذا الحزب رئيسا للوزراء في دولة ملكية يملك فيها الملك اللقب فقط ولا يخوله الدستور اية صلاحيات تنفيذية من اي نوع.

كان رئيس الوزراء المنتخب محاضر محمد المعروف ب (مهاتير محمد)، وهو طبيب لكنه ناشط سياسي ويتمتع بشخصية كارزمية شديدة التأثير على من حوله ولديه رؤيا محددة وواضحة لبناء ماليزيا الجديدة.

في النماذج الفكرية التي طورتها البشرية منذ الازل يقال ان التغيير الحاسم والكبير يحدث عندما يتحقق شرطان هما انبثاق اللحظة التاريخية المواتية ووجود القائد الذي يتمتع بشخصية قيادية كارزمية قادرة على تجميع الشعب حوله واستثمار اللحظة التاريخية لاحداث التغيير المطلوب.

وهكذا قيض لماليزيا في ذلك العام ان تكون على موعد مع تحقق الشرطان معا، فكانت اللحظة التاريخية قد توفرت بفوز حزب محاضر محمد باغلبية كبيرة اتاحت له ان يحكم البلاد منفردا، وفي ذات الوقت افرز الحزب الشخصية الكارزمية المطلوبة لقيادة عملية التغيير.. “محاضر”.

تمكن محاضر من قيادة شعبه لينتقل خلال خمس عشرة سنة بماليزيا الى مصاف الاقتصاديات العالمية المتقدمة جدا وكانت اولى قراراته عندما تسلم السلطة عام 1981 اصلاح التعليم لينتقل به خلال عدة اعوام الى مصاف الانظمة التعليمية الاقوى والاكثر انتاجا للقيمة التربوية في العالم.

احدث محاضر ثورة هائلة في الاقتصاد الماليزي وأمر بانتاج السلع الاستراتيجية كالقصدير وزيت النخيل حيث تبؤات ماليزيا المركز الاول في انتاج زيت النخيل وسيطرت على اكثر من 80% من سوق زيت النخيل في العالم.

تمكن محاضر محمد من بناء وحدة وطنية عميقة بين القوميات المختلفة في بلاده حيث تشكل قومية الملاويين المسلمين حوالى 61% من عدد السكان بينما يشكل الصينيون 24% والماليزيون من اصول هندية 15%.

ابتكر محاضر محمد ايضا انظمة عالية الكفاءة لشبكات الامن الاجتماعي في ماليزيا بحيث يضمن المواطن الماليزي الحصول على التعليم المجاني  والسكن المدعوم والزواج المدعوم لبناء اسر مكتفية وقادرة على المساهمة في بناء بلادها دون عوائق بالاضافة لضمان العمل لكل مواطن ماليزي قادر عليه.

عندما بلغت الانجازات ذروتها اعلن محاضر الانسحاب من الحياة السياسية رافضا الاستمرار فيها خشية تحول التجربة الديمقراطية الى دكتاتورية فردية، وبالرغم من الضغوط التي مورست عليه شعبيا الا انه رفض الاستمرار في قيادة الدولة تاركا لدماء جديدة ان تضخ في العملية السياسية في بلاده.

مع الاسف، بعد مرور عشرين عاما على التنحي كانت ماليزيا على موعد مع فضائح فساد على نطاق عالمي واسع حيث تم سرقة مئات المليارات من الدولارات من الصندوق السيادي الماليزي  من قبل رئيس الوزراء الجديد وعائلته، ونتيجة لضغوط شعبية هائلة على محاضر محمد، وافق على قيادة ائتلاف لمجموعة من الاحزاب السياسية في الانتخابات التي جرت عام 2017 وعاد محاضر الى السلطة بسن 92 عاما ولكن بقوة مليار “ميغا طن”.

بعد فوزة ومباشرة بعد اداءه القسم القانوني اعلن اغلاق المطارات والحدود والمنافذ البحرية لمنع الفاسدين من الهروب والقت السلطات القضائية القبض عليهم، وطلب محاضر من القضاء متابعة التعامل معهم.

وهكذا عادت ماليزيا الى المسار الصحيح بقيادة هذا العجوز “البلدوزر” المتخم بفنون القيادة الاستراتيجية الالهامية.

عبرة للعربان ربما يستفيدون منها اذا رغبوا..

qatamin8@hotmail.com

*اكاديمي اردني وخبير في القضايا الاستراتيجية

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. يا سيدي اذا كانت ماليزيا قويه فلماذا لم تجد غير محاضر للعودة الى الحكم بعد فساد السابق
    اليست القوه في وجود بدائل من الافراد قادرين على ادارة الحكم

  2. الله يديم مهاتير محمد في ماليزيا، مش ناقصنا خلفاء وسلاطين.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here