تركيا و الجوكر السوري المقتول في ليبيا

 

 

مالك الحافظ

يتباهى مقاتلون سوريون محسوبين على أنقرة بجنيهم أموال قتالهم المأجور في ليبيا عبر مقطع مصور تناقلته صفحات إلكترونية عبر موقع التواصل الاجتماعي (يوم الثلاثاء 28 كانون الثاني)؛ وكأن نزاع الرئيس التركي رجب أردوغان على إدارة النفوذ في المنطقة بات ورقة لعب رابحة من خلال العناصر السورية التي تضمن نجاح الدور التركي في ليبيا كمنطلق لخلط الأوراق كما تشتهي أنقرة وتخطط له.

بين مقاطع مصورة عدة تسربت لمقاتلين نقلتهم تركيا تباعاً إلى طرابلس الليبية؛ والتي أكدت أن أنقرة كانت تقامر بورقة الملف السوري سعياً منها في حقيقة الأمر لإبراز نفسها كقوة إقليمية وازنة لها تفرض أجندتها لتحقيق مصالحها ولو كانت على حساب دماء السوريين.

لقد كان الدخول التركي المباشر إلى الملف الليبي بل وربطه في متاهات المشهد السوري مقامرة علنية من قبل أنقرة، تعمل من خلالها على ضرب عدة أحجار بحركة واحدة، فحزب العدالة والتنمية التركي وجد متنفساً جديداً للضغوط السياسية الداخلية من خلال التدخل في ليبيا، بخاصة وأن الاشتباك في ملف جديد مع الاتحاد الأوروبي قد يكون ساحة أفضل للبازار السياسي مع أوروبا التي تغوص في ليبيا أكثر من أي منطقة أخرى.

لقد أعادت تركيا خلال السنوات القليلة الماضية إعادة إنتاج نفسها كفاعل رئيسي في المنطقة من خلال بوابة الملف السوري، في حين تغيب عن مناطق أخرى أبعد قد تكون لها موطئ قدم مناسب في شغل دور أكبر لمطامح الرئيس التركي في إبراز دور أنقرة “الاستراتيجي” عبر الملف الليبي. بخاصة وأن أردوغان يسعى لإدخال بلاده ضمن «مجموعة الكبار» العالمية من خلال الأزمات التي تعيشها دول عدة، يأتي في مقدمتها سوريا وليبيا.

إن استعمال العنصر السوري لأنقرة هو أقل الخيارات تكلفة لكسب عدة أحجار في هذه الحركة الواحدة، فاستعصاء التفاهمات مع الجانب الروسي في ملف الشمال السوري وبالتحديد في مسألة إنهاء التنظيم المصنف على قوائم الإرهاب “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً)، ويضاف إليها إشكالية السلاح الكردي في شرق الفرات المؤرقة لأنقرة في وقت لم تدعم أمانيها فيه كل من واشنطن وموسكو. كل ذلك وأكثر في الملف السوري دفع تركيا لتجد نفسها أمام ورقة خاسرة (المعارضة السورية العسكرية) لترميها في ليبيا فتكسب هي وتحترق تلك الورقة إلى الأبد.

وليس ببعيد عن ذلك، نجد أن نظرة أنقرة في المرحلة المقبلة حيال الملف السوري تشي بضرورة التقارب مع دمشق بالتنسيق مع روسيا؛ في وقت ترى فيه حكومة أردوغان أن دمشق ستشترك معها في ملفات عدة أولها في شرق الفرات وإدلب وإنهاء “جبهة النصرة” و “حراس الدين” وليس آخرها في مجال الطاقة وخط نقل الغاز ومرحلة إعادة الإعمار في سوريا، ولعل اللقاء الذي جرى في موسكو (13 كانون الثاني) بين رئيس مكتب الأمن الوطني السوري، علي مملوك، و رئيس جهاز الاستخبارات التركي، حقان فيدان، أبرز مؤشر على قرب نضوج هذا المسار.

لم يعي أولئك المقاتلون السوريون أن حفنة الدولارات التي وعدتهم بها أنقرة مقابل قتالهم في ليبيا في معارك لا ناقة لهم فيها، ستكون المسمار الأخير الذي يدق في نعش نفوذهم فيما تبقى لهم من سيطرة في الشمال السوري.

كاتب سوري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here