ماذا يحدث عندما تلعب السياسة بالاقتصاد؟

د. خالد رمضان عبد اللطيف

لا يمكن تمرير بعض البيانات الإيجابية الخادعة للاقتصاد الأمريكي، إلا بغطاء سياسي يعلي مصالح انتخابية لا شأن لها بالاقتصاد بتاتاً، فيبدو الوضع وكأن الأمور تحت السيطرة وأنها أصبحت كسابق عهدها، مما يعطي بالنهاية صورة مزيفة للتعافي الاقتصادي رغبة في تحقيق مكاسب سياسة لمن يقود الدفة في البيت البيضاوي، والحقيقة أنه لا يمكن بأي حال تجاهل الخسائر الفادحة التي عاني منها أكبر اقتصاد عالمي منذ بداية العام الجاري، فضلاً عن أن  هذا  التحسن المزعوم مؤقت وغير منتظم، إذ يكفي رؤية هذا التأثير الكارثي مجسداً على أرض الواقع بين العمال المنكوبين بالبطالة ودخل الأسر المتهاوي .

بنظرة تحليلية للبيانات المخادعة، سنكتشف ضعفاً واسع النطاق في معظم مكونات الإنفاق الداعم للاقتصاد الأمريكي، ورغم أن هذا الأمر لم يكن مفاجئا بسبب الإغلاقات المؤلمة منذ مارس وحتى مايو، إلا أنه يعكس هبوطاً حاداً في نفقات الاستهلاك الشخصي، والصادرات، واستثمارات المخزون الخاصة، والاستثمار الثابت السكني وغير السكني، وضعف إنفاق حكومات الولايات، الذي قابله جزئيا زيادة في إنفاق الحكومة الفيدرالية.

في غياب إجراءات سريعة وجوهرية، وغلبة الغموض السياسي قبيل انتخابات نوفمبر، فإن انخفاض الإنفاق الحكومي والشخصي ليس إلا البداية، خاصة وأن الأزمة الصحية الراهنة أثرت على النشاط الاقتصادي والتوظيف في المدى القريب، وستشكل تلك الأزمة مخاطر جسيمة على المدى المتوسط، فيما ستؤدي الأخبار المخادعة في الخريف إلى حالة من الثقة غير المبررة، مما قد يمنح صناع السياسة النقدية مبرراً للإعراض عن  تقديم الدعم اللازم لاقتصاد متباطئ.

حتى ولو لم ينمو الاقتصاد الأمريكي على الإطلاق في يوليو وأغسطس وسبتمبر، فإن الربع الثالث سيتفوق على الربع الثاني بهامش كبير، وهكذا فإن النمو المكون من رقمين لا يزال محتملًا، وقد يصل إلى 7.9 في المائة خلال الربع الرابع، إلا أن الاقتصاد ربما يتقلص في مجمل العام ككل بنسبة تفوق 6 في المائة بسبب الخسائر الكارثية لإغلاقات النصف الأول من 2020، وسيكون هذا التراجع المربك في النمو مدمرًا على حركة  الإنتاج والدخل والازدهار الاقتصادي.

وحتى يتم نشر أرقام النمو في الربع الثالث خلال  نوفمبر، ربما تعكس مؤشرات اقتصادية مثل انتعاش سوق العمل وإنفاق المستهلكين هذه المعادلة الخادعة “اقتصاد ضعيف جدًا لكنه يتحسن بسرعة”، وهنا يجب أن ندرك أن هذه الأرقام المربكة قد تدفع بالبعض ممن لا يتأثرون بشكل مباشر بالاقتصاد الضعيف للاعتقاد بأن الاقتصاد الأمريكي بات مزدهراً، مما يهدد بتقويض الدعم السياسي لتدابير حزم التعافي الاقتصادي، ولهذا يمكن وصف الاقتصاد الأمريكي خلال الفترة المقبلة بمن يخطو للأمام خطوات ويتراجع خطوة إلى الوراء.

يقيناً، فإن أي ضربة للاقتصاد الأمريكي الذي يمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، سينتشر تأثيرها في الاقتصادات المرتبطة به عضوياً، وسيضع هذا العالم بأسره أمام سنوات صعبة، وقد يتعين على نسبة غالبية الأمريكيين مكافحة التدهور في مستويات المعيشة ومواجهة صعوبات اقتصادية كبيرة لبضع سنوات، وهذا بدوره سيضعف الطلب الاستهلاكي ويزيد من الرياح المعاكسة للنمو في الأجل الطويل، وسيشكل هذا عبئاً آخر على القوى الاقتصادية الكبرى يضاف إلى صراعها المرير صحياً واقتصادياً مع الفيروس القاتل وتداعياته الكارثية.

  • كاتب مصري متخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here