محمد مصطفى جامع: ماذا وراء الهجوم الاريتري على السودان.. ولماذا انتقد الرئيس افورقي “الجزيرة”؟

محمد مصطفى جامع

في تطورٍ لافت، أصدرت وزارة الإعلام الإرترية الخميس الماضي بياناً اتهمت فيه السودان وقطر بإقامة معسكرات لتنفيذ أعمال سياسية وعسكرية ضدها، بقيادة المعارض الإرتري محمد جمعة أبورشيد، كما جاء في البيان أن السفير القطري في الخرطوم راشد النعيمي قام بزيارة تفقدية لمتابعة الأوضاع الأمنية على ولاية كسلا (الحدودية مع إرتريا)، ولمتابعة قوات الدفاع المشترك بين السودان وإثيوبيا التي ذكر البيان أن تمويلها يأتي من قطر بإشراف جهاز الأمن السوداني.

لم يتأخر الرد السوداني، فقد ردت وزارة الخارجية السودانية ببيانٍ مماثل قالت فيه “إنها تشعر بالاستغراب الشديد إزاء التصريح الصحفي الصادر عن وزارة الاعلام الإرترية الذي اتهمت فيه حكومة السودان بتلقي مساعدات عسكرية خارجية للتصدي لهجوم إرتري مرتقب على السودان”.

ونفت الخارجية السودانية أن تكون الحكومة السودانية قد قامت بفتح مكتب بمدينة كسلا لجماعة المعارض الإرتري محمد جمعة، أو أن تكون سمحت لهم بممارسة أنشطة سياسية وعسكرية من خلال معسكرات تدريب قرب الحدود السودانية الإرترية.

توقيت مفاجئ للبيان الإرتري

إذا أردنا أن نحلل بيان وزارة الإعلام الإرترية الذي نشرته صحيفة “إرتريا الحديثة” المملوكة للحزب الحاكم وهي بالمناسبة الصحيفة الوحيدة التي تصدر في البلاد، فإن توقيت صدوره مثير للجدل حيث جاء بعد فترة هدوء نسبي أعقبت اتهامات سودانية لإرتريا ومصر بحشد قوات في معسكر ساوا الذي يقع في إقليم “القاش بركة” المحاذي للسودان في حدوده الشرقية.

كما قامت حكومة ولاية كسلا في يناير/ كانون الثاني الماضي بإعلان حالة الطوارئ وإغلاق الحدود مع إرتريا، إضافة إلى أن القوات المسلحة السودانية نشرت آلاف الجنود على الشريط الحدودي، وفي الوقت نفسه دفعت قيادة المنطقة الغربية الإثيوبية بتعزيزات عسكرية قبالة المثلث الحدودي مع إرتريا والسودان. لكن الرئيس الإرتري أسياس أفورقي خرج في تصريحاتٍ نادرة للتلفزيون الرسمي ــ وهو مملوك أيضاً للحكومة ــ وصف فيها “الحديث عن وجود تعزيزات عسكرية مصرية في إرتريا بأنه مجرد فبركات صاغتها المخابرات السودانية والإثيوبية لتبرير نشر قواتهما على الحدود مع بلاده”.

توتر العلاقات السودانية الإرترية ليس بالجديد

تشهد العلاقات السودانية ـ الإرترية توتراً واضحاً منذ فترة ليست بالقليلة، فمشكلة نظام أسياس أفورقي أنه لا يقبل مطلقاً بأن تكون لدولة الجوار علاقات طيبة مع إثيوبيا التي يرى فيها عدواً لدوداً . ومنذ أن اتجهت الخرطوم نحو الشراكة الاستراتيجية والتكامل السياسي والأمني مع إثيوبيا بعُدت عنها إرتريا بصورة تلقائية.

أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، كانت هناك زيارة مقررة للرئيس السوداني عمر البشير إلى العاصمة الإرترية أسمرة، لكنه اختار إرسال نائبه الأول الجنرال بكري حسن صالح يرافقه مدير جهاز الأمن والمخابرات السابق محمد عطا المولى الذي يقال أنه يتمتع بعلاقاتٍ جيّدة مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي.

وكشفت مصادر خاصة أن بكري وعطا المولى حملا رسالة لأفورقي تحذره من التورط في مخططٍ مصري ضد السودان وإثيوبيا، إلا أن رسالة البشير التحذيرية “كما نقلت المصادر”، لم تجد آذانًا صاغية من الديكتاتور العنيد، يستدل على ذلك من التجاهل الذي مُنيت به زيارة الوفد السوداني، فلم تذكر وسائل الإعلام التابعة لنظام أسمرة شيئًا عنها وكأنها لم تتم من الأساس، غير أن أفورقي خرج بتصريحاته المحدودة التي نفى فيها وجود قوات مصرية كما نفى وجود مخطط لاستهداف السودان وإثيوبيا. ويفهم من لهجة أسياس أفورقي المهادِنة بأنها نوع من التنازل الذي لم يعتد عليه الديكتاتور فهو لم يتهم حكومتا السودان وإثيوبيا بشكل مباشر بل أرجع الأمر إلى عناصر في جهازي المخابرات بالبلدين.

مع أن مساعد الرئيس السوداني السابق إبراهيم محمود حامد قطع بأن إعلان حالة الطوارئ وإغلاق الحدود وحالة الاستنفار بولاية كسلا تأتي ردًا على التحركات العسكرية الإرترية المصرية الموجهة ضد بلاده انطلاقًا من قاعدة “ساوا  الإرترية.

السودان يمتلك المقاتلات الروسية منذ السبعينيات

وبالعودة إلى مغالطات البيان الإرتري الذي أشار إلى أن قطر زودت الجيش السوداني بثلاث طائرات من طراز “ميغ” نُشرت لاحقا بولاية كسلا المتاخمة لحدود إرتريا لإحباط هجوم إرتري بدعم إماراتي.. لا يخفى على أي متابع حصيف أن القوات المسلحة السودانية تمتلك مقاتلات “ميغ” الروسية منذ سبعينيات القرن الماضي، بل إن السودان من أوائل الدول التي تسلمت مقاتلات “سوخوي 35” الروسية ذات الإمكانات الاعتراضية العالية التي تتفوق على الميغ.

فقد أعلن موقع الجيش الروسي في نوفبر/ تشرين الثاني من العام الماضي أن الجيش السوداني تسلّم (سوخوي سو-35)، ليكون بذلك السودان أول دولة عربية تحصل عليها ومن بعدها السعودية التي ستتعاقد على المقاتلة قريبا.

أسمرة ضد الدوحة في الأزمة الخليجية

وبالنسبة لدولة قطر، فإن إرتريا اختارت الوقوف إلى جانب الإمارات والسعودية في الأزمة الخليجية الأخيرة، رغم أن حكومة أسمرة لم تقطع العلاقات ولم تخفض مستوى التمثيل مع الدوحة حتى الآن، إذ يمارس السفير الإرتري علي إبراهيم أحمد أعماله بصورة طبيعية في العاصمة القطرية، وبالمقابل أقام جابر العذبة سفير قطر في إرتريا حفل استقبال بمناسبة اليوم الوطني لبلاده في العاصمة الإرترية أسمرة أواخر ديسمبر/ كانون الثاني من العام الماضي، كان من اللافت أن وزير الشؤون الخارجية الإرتري عثمان صالح وعدد من الوزراء وكبار المسؤولين بالحزب الحاكم كانوا مشاركين في الحفل رغم موقف الحكومة المناوئ لقطر.

ونشير إلى أن العلاقات بين الدوحة وأسمرة كانت جيدة منذ عهد الأمير القطري السابق الشيخ حمد بن خليفة والأمير الحاليّ الشيخ تميم بن حمد، حيث توسطت قطر سابقًا في النزاع الحدودي بين أسمرة وجارتها جيبوتي وأسفرت الوساطة على حل وسط للمشكلة، وكانت قطر واحدة من أهم الدول الصديقة والداعمة للحكومة الإرترية، ومن الدول النادرة التي يثق بها الحزب الحاكم في إرتريا، ويتحدث عن وجود علاقات استراتيجية معها، لكن كل ذلك انتهى بصورةٍ مفاجئة بعد زياراتٍ قام بها أسياس أفورقي إلى مصر والإمارات خلال العام الماضي.

لماذا هاجمت إرتريا السودان وقطر؟

بيان وزارة الإعلام الإرترية الذي لم ينسب لمصدر أو مسؤول في الحكومة يمكن أن يفهم بأنه رد على سلسلة التقارير التي بثتها قناة الجزيرة في الفترة الماضية حيث كانت القناة القطرية ضمن وسائل الإعلام القليلة التي غطت تطورات قضية مدرسة الضياء الإسلامية في أسمرة.

وقد عكست تصريحات أفورقي التي أطلقها في يناير وهاجم فيها “الجزيرة” مدى الانزعاج الذي يشعر به الرئيس الإرتري من القناة وتغطيتها لأحداث بلاده التي لا يريد للرأي العام العالمي الاطلاع على حقيقتها.

وفيما يتعلق بالسودان، يستبعد أن يكون ما ورد في البيان تهيئة لتصعيد عسكري ضد الخرطوم فالأوضاع الداخلية التي تشهدها إرتريا لا تسمح مطلقاً بالدخول في أي صراعاتٍ خارجية، بل ربما ترتد المغامرة على حكومة أفورقي فالعشرات من جنود الجيش الإرتري لجأوا إلى داخل السودان في أوقاتٍ سابقة هرباً من جحيم الخدمة العسكرية الطويلة التي تفرضها السلطات في أسمرة.

زيادة على ذلك، فإن خاتمة البيان تدل بوضوح على أنه موجه ضد قطر أولاً، فقد جاء فيه ادعاءٌ بأن السفير القطري في الخرطوم راشد النعيمي قام بجولة تفقدية للأوضاع الأمنية على الحدود السودانية ـ الإرترية وقوات الدفاع المشتركة السودانية ـ الإثيوبية التي اعتبر البيان إنها ممولة من الدوحة، قبل أن يُختتم بالسؤال “هل كانت قطر في حاجة لكل هذا التهافت؟”، ما يؤكد فعلياً أن الرسالة موجهة إلى دولة قطر بالأساس، وتم الزج بالسودان وإثيوبيا لتحقيق الغرض ذاته وتوجيه رسائل إلى كل من الخرطوم وأديس أبابا.

كاتب وباحث في الشأن الأفريقي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here