ماذا تريد امريكا من العراق؟

د. جواد الهنداوي

الصراحة المطلقة في العمل الدبلوماسي تُوصفْ بوقاحة ، لذا ، لا بُّدَ من قراءة اي تصريح دبلوماسي او سياسي مرتيّن : مرة لقراءة سطور  التصريح ، و مرّة أخرى لقراءة ما بين سطور التصريح  ؛ تشّذُ عن هذه القاعدة تصريحات الرئيس ترامب ؛فهي لصلافتها و وقاحتها ، تُفهمْ بقراءة واحدة و سريعة  . مِنْ ما تقّدمْ ، وددتُ التوطئة لتناول تصريحات السيد  رئيس الوزراء ،عادل عبد المهدي ، تجاه أمريكا و إدارة الرئيس ترامب ، و تأكيداته بأنَّ العراق لا يريد العداء لأمريكا ، ويسعى الى السلام وحسن الجوار مع الجميع .

  في قول السيد رئيس الوزراء ” لا نريد العداء مع امريكا ” ، دلالة على أنَّ إدارة الرئيس ترامب لم تُعدْ تتعامل مع العراق كصديق او كحليف ،على الأقل نظرياً او صورياً ،باعتبار بين البلديّن اتفاقية تعاون استراتيجية و في مجالات متعددة ، و خاصة في المجال الأمني و العسكري .

  كُنّا نتوقع بأنَّ مرور عقد من الزمن على اتفاقية تعاون استراتيجية بين العراق وأمريكا سيكون العراق اكثر تقدماً و تطوراً ،او ، على الأقل ، اكثر ترسيخاً و تعزيزاً لسيادته و حفظاً لقواته المسلحّة و معسكراته !و لكن ، بعد سنوات من التعاون الاستراتيجي ،  أصبحت اجواء العراق عُرضة لهجمات استهدفت قواته المسلحة و منافذ الحدود ومخازن العتاد و عمليات اغتيال ،تارةً اسرائيلة الهوية او مجهولة الهوية ، وتارةً أخرى امريكية الهوية مع سبق الإعلان و الإصرار ! أصبحَ  العراق ساحة امريكية اسرائيلية للعمل على تقليص او حسرْ  نفوذ ايران في المنطقة ، وعلى حساب مصلحة و أمن وسيادة العراق . هدف الاتفاق الاستراتيجي بين العراق و امريكا ، على ما يبدو، هو استخدام العراق لتعزيز الوجود العسكري و السياسي الامريكي ، و الناتوي ، وتوسيع الاختراق الاسرائيلي  لساحة العراق وضمان هيمنة اسرائيل على المنطقة .

أمريكا ،التي تذرعّت بنشر الديمقراطية وحقوق الانسان في العراق وسوريا والمنطقة (باستثناء فلسطين ) ، لم تتردد في الطعن بقرار مجلس النواب العراقي ،القاضي بانسحاب القوات الأمريكية وانهاء الاتفاقية الاستراتيجية ،بذريعة ان التصويت لم يتم من قبل مكونات الشعب ! وكأنَّ التصويت هو تصويت مكونات و ليس تصويت نواب و بالأغلبية !

سترسّخ امريكا تعاملها مع العراق بأعتباره عراق مكونًات و ليس عراق شعب ، بعد أنْ أفقدته سمة عراق دولة وسيادة ! وفي ذلك تمهيد لاقلمة العراق او تقسيمه .

انسحاب امريكا من العراق و شعورها بفقدانه سيقودها الى سعي حثيث لتقسيمه .

مصلحة اسرائيل و مصلحة امريكا هو عراق مُجزّا ونصفهِ تحت سيطرتهم افضل من عراق موّحد و خارج عن هيمنتهم و توجيههم .

لا أحدَ يلوم العراقيين على مطالبتهم بسحب القوات الأمريكية و غيرها ، أمضينا اكثر من خمسة عشر سنة و العراق تحت رعايتهم وكفالتهم ، وتمخضّ عن هذه الرعاية ارهاب و اقتتال داخلي و فساد وانتهاك لسيادة و أمن العراق ، وتوظيف العراق لنصب العداء لإيران و محاربة سوريا !

ما تريده امريكا من العراق أنْ يعود لمحاربة ايران ، وما تريده اسرائيل من العراق أنْ يُقسّمْ ويصبح دويلات حليفة لإسرائيل و مجرّده من سلاح يهدد اسرائيل .

سيعيش العراق داخلياً و اقليمياً و دولياً ، و خاصة بعد جريمة الاغتيال ، بين هدفيّن متناقضيّن : بين مسعى لإخراج القوات الأجنبية و آخر لترسيخها و بقائها ، و انتصار العراق هو في بقاءه موحداً و مستقلاً معززاً بأمنه وسيادته .

سفير عراقي سابق

Print Friendly, PDF & Email

6 تعليقات

  1. شكرا للمقال الجيد..انه كله صادق ١٠٠%
    اللهم يحفظ عراقنا من كل شر ..موحدا وحرا من الاحتلال الى الابد.

    كردي عراقي

  2. انتصار العراق هو في بقاءه موحداً و مستقلاً معززاً بأمنه وسيادته .
    نعم هو ذاك فنحن اليوم مستهدفون بالصميم بعد ان خاضوا بدمائنا وشفطوا اموالنا وجعلونا طوائف متناحرة لم يبق بعد سوى سلبنا ارضنا
    هل نسكت على هوان ليس بعده خلاص؟ هل نترك لهم الساحة ونبارك ونقول اهلا بالاقلمة المفدرلة ام..ننتظر مقررات القمة ونبكي على اعتاب الامم المتحدة؟

  3. امريكا تريد حصة من نفط العراق ،، إيران تريد العراق محافظة فارسية تريد الأرض و السكان و النفط والماء ووو

  4. امريكا تريد حصة من نفط العراق و إيران تريد العراق محافظة فارسية

  5. امريكا تريد حصتها من نفط العراق و إيران تريد العراق كاملا الأرض و السكان و النفط و الماء و باختصار تريد العراق محافظة فارسية

  6. عزيزي الدكتور الهنداوي
    من الواضح أنك تؤمن بوحدة العراق وانا، ككردي عراقي، اتفق معك كليا ً. لكن وحدة العراق يتم عن طريق تبديل الدستور والغاء البنود الخاصة بالفدرالية والمكونات .ثم اضافة بند صريح ينص على(( ان العراقيين متساون في جميع الحقوق والواجبات و يحق لأي عراقي ان يستلم منصب رئيس الجمهورية ومنصب رئيس الوزراء.)) عند ذلك يحق لليزيدي، مثلا ً ، ان يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية وللصابئي ان يستلم رئاسة الوزارة وهكذا. انني اثق بك كصاحب خبرة في الدبلوماسية لتقود العراقيين لسن هكذا دستور و شكرا ً.
    مع التقدير
    كمال

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here