مؤمن ابو جامع: قضية فلسطين وقضية العرب

مؤمن ابو جامع

‏‎لا يخفى على حكومات العالم ومؤسسات حقوق الإنسان فظاعة العنف اليومي الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية بحق المواطن الفلسطيني على أرضه, والمُمَارس بكل ثقة وكأن الحكومة الإسرائيلية بزعامة نتنياهو متيقنة أن لا أحد سوف يُحاسبها على المدى القريب, في وقتٍ تلتزم فيه كذلك بعض الدول العربية بالصمت وبعضها بالتنديد الموسمي, وعدد قليل للغاية يقف بشجاعة إزاء هذه الأزمة، وللصدق أكثر لا تستطيع أغلب الدول العربية أن تفعل شيئاً ملموساً لأنها لا تريد, لعدة أسباب ليس على سبيل الحصر, تأثر مصالحها القومية واستقرارها. ونحن أساساً ننظر –كغيرنا من أنصار العدالة عالمياً- للاستجابة للقضية الفلسطينية من الأخوة العرب ليس بداعي عروبي أو ديني, إنما فقط مَن منهم ينتصر للعدالة ومن منهم يخذلها, لأن قضيتنا عالمية إنسانية وليست بهذه المحلّية.

‏‎لا أحد يعلم متى سيتوقف نتنياهو -المخلص لإسرائيل على حساب حقوق الشعوب- من التوسع في البناء الاستيطاني الذي يلتهم حل الدولتين بكل شراسة, حيث يعيش مليون مستوطن في 503 مستوطنة في الضفة الغربية والقدس, ومازالت إسرائيل لا تعلن عن حدودها لحد الآن, وهي  لا تريد حل الدولتين وكذلك  لا تريد حل الدولة الواحدة, هي تريد الفلسطينيين كأقلية تعيش في كنف “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. وبعض الأخوة العرب يريد ذلك، هذا هو الواضح للجميع في فلسطين وخارجها, لكن في ذات الوقت الكل يعلم أن الفلسطيني مستعد أن يناضل نضالاً لا يتوقف إذا تعلق الأمر بكرامته وسيادته, والدليل على ذلك عدم توقف النضال الشعبي والسياسي والدبلوماسي للحظة واحدة, وكل أساليب النضال, وكل القيادات الإسرائيلية تعرف هذا. فمن أجل طريقٍ أغلقته إسرائيل في منطقة “كفر قدوم” غربي مدينة نابلس, خرجت حتى الآن 650 مسيرة امتدت على مدار 8 سنوات لفتح الطريق المغلق منذ 16 عاماً في القرية, لكن في عالم إسرائيل وفي علاقتها مع الفلسطينيين تعتمد مبدأ السيطرة للأقوى وليس للقانون, لذلك هناك يقين لدى الإسرائيليين بأن توفر القوة –ليس القانون- مرتبط ببقاء إسرائيل, والقوة بحاجة لتطوير دائم وإسرائيل تنجح في ذلك وهي الآن تمتلك أكبر عدد باحثين في العالم, 8250  باحث, وتحاول عقد تحالفات مع جيرانها, أمنياً وتجارياً وسياسياً, لتُكمل مثلث استقرارها, لا لحل الدولتين, تطوير البحث العلمي, علاقات آمنة مع الجيران.

منذ وقت طويل تستخدم الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة, فزاعة غزة والتوسع الاستيطاني في الدعايا الانتخابية, كي تحصد المزيد من الأصوات, ونتنياهو الآن مستعد لفعل أي شيء في هذا الصدد بشرط أن يضمن ذلك فوزه بمنصب رئاسة الحكومة بعدما فشل في تشكيلها مؤخراً, هو لا يريد حل الدولتين ولا يريد سلام عادل مع الفلسطينيين, فقط يريد أن يتولى رئاسة الحكومة ليتهرب من ملفات الفساد التي تلاحقه إسرائيلياً, وليمرر خطط الاستيطان التي تُرضي جمهوره اليميني في إسرائيل, وفي ذات الوقت تستعجب عندما تشاهد إعلاميين عرب يدافعون عن “الديمقراطية” الموجودة في إسرائيل, وكلهم إما باحثون عن الشهرة أو مدفوعين من قبل حكوماتهم, يجب أن يفهموا أن الديمقراطية متعطلة هناك, وانتهاكات حقوق الإنسان لا تتوقف, إسرائيل متنصّلة من معظم اتفاقياتها مع الفلسطينيين وترفض المبادرة العربية للسلام.

لقد وصلنا لطريق مسدود مع نتنياهو وقيادات اليمين في إسرائيل, هم يريدون التوسع الاستيطاني وأعلنوا موت حل الدولتين, ونحن نريد حل الدولتين, وبصراحة لا يمكننا قبول شيء أقل من حل الدولتين, وعديد الدول وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي والصين وروسيا يؤيدون حل الدولتين, ولكن مع هذا التعطل في المسار السياسي طالبنا ونطالب بالحماية الدولية لوقف العنف الممارس يومياً بهدف تهجير الفلسطينيين والضغط عليهم للتنازل عن حل الدولتين.

إن ممارسات حكومة إسرائيل وتماديها في تصعيد عنفها من خلال الاعتداءات على المواطنين وحملات الاعتقالات اليومية وهدم المنازل وشق الطريق الالتفافية ومصادرة الأراضي وتوسيع بناء المستوطنات وممارساتها العنصرية والترحيل القسري في قرى النقب والقرى الحدودية في الأغوار أو تلك القريبة من المستوطنات والجدار والأحياء العربية والتجمعات البدوية في مناطق القدس الشرقية وأريحا في مسعى لإنهاء الوجود الفلسطيني وتقويض حل الدولتين وتكريس احتلالها واستيطانها في تحدي للإرادة الشرعية  ولقرارات مجلس الأمن، بما في ذلك القرار “2334”، يشكل هذا النهج المتطرف أخطار كبرى على مستقبل المنطقة واستقراراها.

استحقاق الحماية الدولية

لقد طالب الرئيس أبو مازن مرات عديدة من العالم بالحماية الدولية, ولقد قالها لرؤساء وملوك العالم في لقاءاته, قالها في مجلس الأمن –راعي السلم في العالم- وقالها للأمم المتحدة, لم يترك فرصة إلا وطالب بها, في المقابل يُشاهد العالم نتنياهو وهو يمتهن حقوق الإنسان هو والمستوطنين الذين ينظرون للسكان الأصليين على أنهم بشر من الدرجة الثانية, وينفذون اعتداءات يومية, دون فعل ملموس لوقف ذلك أو لتخفيف وطأته. والمُحيّر أن نتيناهو وقيادته يروّجون للعالم على أنهم ضحية وأمنهم في خطر, فمنذ سنوات طويلة أسمع عن عبارة “أمن مواطني إسرائيل”, أسمعها من مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين وغيرهم, فمتى سأسمع أمن مواطني فلسطين, أو حتى أمن مواطني الأراضي الفلسطينية؟, لماذا لم يتحرك مجلس الأمن بعد لتطبيق قراراته فعلاً, لا يمكن أن نقبل بممارسة إسرائيل لدور الضحية لتعطيل إرسال حماية دولية للفلسطينيين. إن صمت مجلس الأمن منذ آخر قرار لم يُنفّذ يطعن في أهليته لحماية الإنسان الذي يتعرض للخطر بشكل مستمر, هل أمن مواطني إسرائيل يعيق إنفاذ الحماية الدولية للفلسطينيين؟ مَن يُجيب؟

لسنا في مرحلة الحديث عما يستدعي التحرك الآن لإجبار إسرائيل على وقف  احتلالها ووقف عنفها, العالم يعرف ماذا يجري الآن هناك, يعرفون عدد الحواجز وطول الجدار العازل, وعدد المستوطنات, وما تبقّى من هيكل حل الدولتين, عدد الجرحى والضحايا وظروف استهدافهم, الهدم والترحيل وتغيير هُوية المكان, يسمعون التصريحات التي تدعم الاستيطان, لذا نحن في الوقت الضائع للمطالبة مجدداً بالحماية الدولية, الحماية مطلوبة وفقاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949, وللمادة 8  من نظام روما للمحكمة الجنائية, ووفقاً لقرارات عديدة لمجلس الأمن, والتي ترى في مجملها أن الاستيطان جريمة. مَن يوقِف الجريمة؟

الاستيطان أم حل الدولتين

لقد صرّح نتنياهو اليوم “لن نسمح بإخلاء أيٍ من المستوطنات في الضفة” -مع أنه يتوجب عليه الإخلاء كما فعل شارون مع غزة في 2005- هذا هو موقف الحكومة الإسرائيلية من الاستيطان غير الشرعي في الأراضي الفلسطينية, وهذه التصريحات كمثلها من تصريحات قيادات حكومية إسرائيلية وحتى تصريحات جيسون غرينبلات المبعثوث الأمريكي, هي في الحقيقة تلتقي مع أفعال المستوطنين في الأغوار الشمالية. تلك المنطقة التي تضع إسرائيل عينها عليها بكل قوة, وهذه المنطقة والتي مساحتها 1.6 مليون دونم، وتشكّل ما يقارب 30 بالمئة من مساحة الضفة الغربية. والتي بدأ فيها الاستيطان يأخذ شكلاً كثيفاً في2015  مع بدء المستوطنين بوضع بيوت متنقلة على رأس تلة في خلة حمد بالأغوار الشمالية. وحالياً تتم تدريجياً تغييرات على المنطقة، حيث يوجد تجمع يضم عدداً من البيوت المتنقلة والخيام التي لا تتوقف في التمدد لسرقة أراضي أخرى مجاوة. بهذه الطريقة يتم الاستيلاء على الأراضي لوأد أي حل سياسي قد يكون سبباً في إقامة دولة فلسطينية.

مَن يقف مع الفلسطينيين الآن.

‏‎لا ننتظر أن تعود القضية الفلسطينية كقضية مركزية للدول العربية, نحن نعرف الآن أن المعادلة تغيرت كلياً وأن بعض الدول العربية باتت ترى في القضية الفلسطينية عبئاً, بكل صراحة، لكنها في الحقيقة قضية عالمية, هي كذلك ولها مناصرين وحلفاء وأصدقاء أكثر من أية دولة في العالم, وإسرائيل تعرف ذلك, وحملة المقاطعة لإسرائيل لوحدها توزاي جهودها جهود الدول العربية مجتمعة, وهنا أنا لا انسى أن أقول أن بعض الدول العربية تدفع لموزانة الدولة الفلسطينية بشكلٍ دائم, نحن نُقدّر ذلك, ونؤكد أن هذه المساهمات تدعم صمودنا, كمثل مساهمات بريطانيا وفرنسا حالياً وعدة دول صديقة.  لكن بالتأكيد لا يمكننا الاستغناء عن النضال المعنوي الذي رأيته في عيون مناصرين فرنسيين وإيطاليين وبريطانيين وإيرلنديين وجزائريين وكويتيين وجنسيات عدة حول العالم, إنهم مستعدون لبذل وقت طويل من أعمارهم لفلسطين, لأنهم على يقين بأن أسماءهم ستُكتب وتُخلّد ضمن أسماء المناضلين لأجل العدالة والحقوق المشروعة للشعوب, وفي المقابل إسرائيل تدفع أموالاً طائلة لتنشر أيٍ من خرافاتها حول العالم عبر إعلامها, تلك هي المفارقة الحقيقية التي لا تغيب عنها الشمس. الأمل في هؤلاء المناصرين الحقيقيين والأمل كذلك في القانون الدولي الذي يجب أن تُنفّذ قرارت مجلس الأمن إحقاقاً له.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. لن ننسى طبريه عسقلان الناصره حيفا جنين نابلس القدس قلقيليه عكا صفد بيسان سلفيت بئر السبع البيره غزه رام الله حيفا بيت لحم الخليل طوباس يافا رفح الرمله دير البلح طولكرم اريحا خان يونس

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here