مؤمن أبو جامع: سوء التغذية الثقافي

مؤمن أبو جامع

غالباً ما يعد التأثير الثقافي أحد أهم مقومات النفوذ والانتشار لأي بلد أو هُوية، وينسحب هذا التأثير على عناصر الثقافة دون استثناء، كاللغة والفنون والمعرفة والمبادئ والمعتقدات المشتركة والطعام والأزياء، ودورها في استهواء الناس حول العالم، وجعلهم يتأثرون برونق وحيوية الفعل الثقافي وفلسفته، لتبدو ثقافة دون غيرها رائدة ومُلهمة وقادرة على السفر لأبعد مكان في العالم عبر حقائب المسافرين وهواتفهم وأقلامهم.

إن الشيء الذي يحرك الإنسان ويُبرمج عقله ويوجّه سلوكه اسمه الثقافة, هو الشيء الذي يؤثّر على كل أفعالنا, الثقافة هي التي تُشكّل النظام الاجتماعي وهي التي تُحدد الهُوية الجماعية والأهداف المشتركة, وتُشكّل أول دافع للتعاون والعمل المشترك وأكبر مُحفّز لبناء العلاقات وتطويرها.

تناولت المحللة النفسية الفرنسية “Sophie Marinopoulos” مصطلح “سوء التغذية الثقافي” في تقرير لها قدمته لوزارة الثقافة الفرنسية تتحدث فيه عن مشكلة تُعاني منها أجيال الألفية مرتبطة بالثقافة, ولكنني سأتحدث بشمولية بعض الشيء حول المصطلح, وأتناول بعض جوانب أزمة الثقافة التي نعيشها كأمة عربية.

بدايةً أتساءل, ما هي الأشياء التي تقترن بثقافتنا على المستوى العالمي،  هناك عبارة فرنسية شهيرة وهي “لا أعرف لماذا” “Je sais pas”، وهي باتت شيئا يحاول الناس حول العالم تقليده، أما البريطانيون الذين لا يعنون دائماً ما يقولونه،  لديهم عبارة شهيرة وهي “أنا لستُ متأكداً” “I‘m not sure” والتي غالباً ما تعني “لا”، أما العرب فيُعرف عنهم أنهم على استعداد دائم للحديث عن أي موضوع يُطرح للنقاش، سواءً يعرفون عنه أم لا. وهذه فوضى يجب أن نعيد التفكير فيها.

ماذا لو أُصيبت الثقافة بسوء التغذية، حيث يتراجع الوعي بالفعل الثقافي وتنسلخ الأجيال عن هُويتها وتتماهى في ثقافاتٍ أخرى بالكليّة، وتسود حالة من اللامبالاة حول مكونات وعناصر الثقافة، وينحسر الفعل الثقافي أكثر فأكثر، فتصبح المساحة للعناصر الدخيلة أوسع، ومن ثم تتسع على إثرها حالة عدم التأكد حول تاريخ المنجزات الثقافية، فتتلوث الثقافة ويتراجع التأثير.

يساهم الإعلام بشكلٍ رئيس في تكوين الوعي الثقافي، وفي الحفاظ على المنجزات الثقافية عبر تسليط الضوء على تاريخها وشخصياتها وتأثيرها محلياً وعالمياً، وفي المقابل يمكنه فعل العكس، فهو قادر على تكوين اهتمامات جديدة إما متصلة مع الثقافة الأصيلة أو منفصلةً عنها، وهنا يتبادر السؤال، هل تعمل وسائل الإعلام في خط منتظم للحفاظ على الثقافة والموروث الثقافي وتنميته وتسويقه، أم أنه بات يهمها عدد المشاهدات باختيار كل ما هو مثير للجدل دون اعتبارٍ لدور ذلك في تشتيت وتشويه الوعي وحتى استنزافه أحياناً.

تتصل الثقافة بالإعلام والسياسة، ثالوث تكوين الرأي العام, فالوعي الثقافي هو امتداد للوعي الإعلامي والوعي السياسي، وهذا يقودنا للتغذية الإعلامية والتغذية السياسية, وبطبيعة الحال لن يكون مقبولاً أن يقوم رجل سياسي ببث تعبئة سياسية خاطئة -ناتجة من تراكم خبرة خاطئ- لا تصب في المصلحة الثقافية, وفي ذات الوقت غير مقبول أن يتحدث إعلامي بطريقة تسيء للثقافة وللمنجزات ثقافية, لذا يتوجب على الوعي الجمعي أن يفهم ضرورة توفر بيئة سليمة من أبعاد مختلفة ومؤثرة على التكوين الثقافي.

لدينا سيل من الأحكام النمطية والمسبقة عن الأطفال وعن المراهقين, عن المرأة, الحجاب, الدين, الدولة, العلمانية, التراث, الآخَر, المثليين, الخصوصية, القانون, الزواج, العادات والكثير من المفاهيم العامة التي يجب أن نتخذ خطوةً لدراستها من جديد بعقلٍ منفتح يؤمن بالحوار؛ فهذه المفاهيم وغيرها هي التي تحدد صورة الفعل ورد الفعل, وهي التي تُمثّل الظل للتفكير والتفاعل مع الأشياء في عالمنا, وتُساهم في تطوير علاقاتنا وترويج تراثنا وإعطاء صورة أفضل عن شخصيتنا أمامنا وأمام العالم. أمّا توفّر الأحكام النمطية فيؤسس لثقافات مُظلّلة.

إذا أردنا الحديث عن مصادر التغذية الثقافية, فليس على سبيل الحصر نبدأ بالأبوين ثم المدرسة والجامعة, ثم المؤسسات الثقافية ومراكز الأبحاث, ووسائل الإعلام, ثم نسأل أنفسنا هل هذه المصادر تقول حول الأشياء, أم أنها تقل الأشياء ذاتها مباشرة, عندها سنقرر هل هناك تغذية ثقافية حقيقية وصحيّة “الصحة الثقافية” للأجيال, أم أنه سوء تغذية ثقافي أو “تلوث ثقافي” إن جاز لي ذلك.

كناقد ينظر للثقافة العربية ككل وللثقافات العربية المحلية منفردةً, من خارج المنطقة العربية, وبعدما أخذت ما أخذت من الثقافة العربية, أرى أن الثقافة في هذا التوقيت هي ضعيفة؛ يغيب عنها الحوار, وقد جفّت مصادر تغذيتها, طغت المادية على سطحها, وأثّرت الأنظمة السياسية في تغييبها وتأخرها عن قصد وعن جهل, وأسباب كثيرة ساهمت في ضعفها, حتى أصبح لا أحد يفكر بشكل جدّي في التحالف مع الثقافة العربية أو ينظر لها على محمل الإعجاب والانبهار.

أعتقد أننا بحاجة للنظر للمشروع الذي يدعم الحضور الثقافي, ما هي الإمكانات الواجب استثمارها, الإمكانات المادية والبشرية وهي متوفرة, أما المشروع فهو غير متوفر, وعندما نتحدث عن المشروع قد نتطرق لمفهوم التغيير “الثابت الوحيد”, لكن تغيير ماذا, هل تغيير الأنظمة السياسية؟ أم تغيير الفكر؟.

نحتاج لاستراتيجيات وطنية للصحة الثقافية, وهذه مَهمة حاسمة  تتكفّل بها مؤسسات الدولة, وكذلك تُساهم فيها مؤسسات ومراكز بما فيها تلك التي تُمثّل الصوت الناقد لمؤسسات الدولة الرسمية, بالإضافة للمثقفين الذين لهم إسهامات ثقافية واضحة, الاستراتيجيات تُحدّد المشروع وتحدّد الإمكانات والمصادر التي تُغذّي الثقافة المادية وغير المادية.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here