مؤتمر برلين ولد ميتا.. وليبيا بين القيصر والخليفة

 

سفيان بنحسن

لم يكن اليهودي شيلوك في رواية تاجر البندقية لشكسبير يريد إسترجاع المال الذي أقرضه لأنطونيو، وإنما مقابل ماله كان يطلب رطلا من لحم جسد المدين. ورطل اللحم هو ما دأبت الأقطار العربية على تقديمه لقاء تلقيها الدعم العسكري الغربي، والمراد اليوم من حكام ما بعد الجماهيرية في ليبيا الشهيدة أن يتسابقوا في ما بينهم لتقديم رطل من اللحم لمن دمر البلاد وأنهى وجودها كدولة قوية وفاعلة وجعلها كالعراق الجريح مثالا حيا للدستوبيا، فكل من ضمن الدفع مُنح الدعم والشرعية، لكن مأساة الليبيين الأكبر أنهم لا يقفون أمام شيلوك واحد كما وقف أنطونيو في رواية تاجر البندقية وإنما أمام نسخ متعددة منه، النسخة الأولى أوروبية تعتقد أنها صاحبة الفضل في الإجهاز على التجربة الجماهيرية وصاحبة الحق في رطل اللحم، والنسختان الثانية والثالثة تركية وروسية تنظران إلى ليبيا كما نظر النازيون إلى هولندا بإعتبارها “موقعا متقدما نحو الهدف الحقيقي”، والهدف التركي هو نيل حصة الأسد من غاز المتوسط وإنهاء حالة العجز في الثروات الباطنية التي قد تمثل عقب أخيل النهضة التركية المتسارعة، وإذا ما إستمرت تركيا في إستيراد أكثر من 90 بالمائة من حاجياتها من النفط والغاز فسيكون إقتصادها عرضة للإنتكاسة متى توقف المدد، روسيا ستفاوض على ليبيا وعينها على إدلب في سوريا وعلى دور محوري في إعادة تشكيل الجيش الليبي وتسليحه. الأمريكان شأنهم كشأن الأوروبيين يعتقدون أن ليبيا تسرق منهم بعد أن لعبوا دورا حاسما في إسقاط القذافي، أما العرب والأفارقة فلإضفاء الشرعية على مؤتمر “رطل اللحم”.

مؤتمر برلين لا يهدف إلى أن يكون بديلا لمؤتمر الصخيرات الذي منح “الشرعية” لحكومة الوفاق الوطني وإنما لإعادة خلط الأوراق وترتيبها بما يوافق مصالح الدول الإستعمارية أو ما تبقى من إمبراطوريات مؤتمر برلين الأول سنة 1884، فنفوذ أوروبا الغربية بات مهددا بعد لقاء إسطنبول بين بوتين وأردوغان والذي وضعت فيه على الطاولة سوريا جنبا إلى جنب مع ليبيا في محاولة إلى التوصل إلى win-win situation  بين الطرفين الفاعلين، لا نستبعد أن تكون روسيا على إستعداد لغض الطرف عن التوجه التركي نحو ليبيا مقابل دور حاسم يلعبه أردوغان في قطع شريان الحياة عن الجماعات المسلحة في سوريا والتي باتت متمركزة أساسا في إدلب وبعض مناطق الحسكة، هذا الإتفاق إن حصل سيحث بوتين وأردوغان على تفجير مؤتمر برلين بعقد الخناصر على إفشاله لحرمان أوروبا من جائزتها في ليبيا، وفي حال دعم الصين لإتفاق بوتين أردوغان فنعتقد أن مؤتمر برلين سيكون تأبينا للدور الأوروبي وإعلانا عن بداية النهاية لهيمنة أوروبا الغربية على المتوسط لصالح تحالف يجمع القيصر والخليفة.

أوروبا الغربية وأمريكا لم تدركا بعد أنهما تتراجعان أمام تحالف المد الأحمر والمد العثماني، ومؤتمر برلين سيعيد إلى الأذهان مؤتمر “بريتون وودز” إبان الحرب العالمية الثانية يوم وضع هاري دكستر وايت ممثل الخزانة الأمريكية العالم وأوروبا تحديدا أمام واقع جديد مفاده أن هيمنة أوروبا على العالم قد ولت بدون رجعة وأن السيادة ومراكز القوة والنفوذ قد إنتقلت بقضها وقضيضها إلى البيت الأبيض، ومؤتمر برلين قد يضع أوروبا وأمريكا أمام واقع إنتقال مركز القوة في المتوسط بعيدا عن عواصمها وقد يكون نقطة تحول تاريخية تضعنا جميعا أمام واقع جديد وأمام عالم متعدد الأقطاب.

لن تسير الأمور كما أرادها الفرنسيون والجرمن والطليان والامريكان في مؤتمر برلين، وقد خبرنا قدرة هؤلاء على الهدم وعجزهم التام على إعادة البناء، ومع تأكيد القيادة الجزائرية الجديدة بأن طرابلس خط أحمر أمام حفتر وداعميه تكون الجزائر طرفا مهما يضاف إلى التحالف غير المعلن بين بوتين وأردوغان ويعزز تفوقه، ونميل إلى الإعتقاد أن أوهام الأوروبيين قد “صارتْ عَفــاءً واضْمَحَـلَّتْ كَذَرَّةٍ على الشَّاطئ المَحْمومِ والموجُ صاخِبُ”

الأرض عربية والقضية عربية إفريقية “عالم ثالثية” والمؤتمر غربي، وفي غياب دور رائد لأصحاب القضية ستبقى ليبيا مستباحة لغير أهلها، لن يغير المؤتمر من واقع البلاد شيئا وإن كان سينقل ملكيتها وفق قراءتنا للمشهد إلى تحالف بوتين أردوغان، دخلنا نحن العرب معركة “تحرير ليبيا من قيادتها الوطنية” فقدمناها قربانا ل”ست” (إله الظلام والفوضى عند المصريين) كما دخلنا معركة نشر الديمقراطية في العراق العظيم فقدمناه قربانا لقورش والعم سام. لو أردنا خيرا بليبيا لجمعنا قبائلها تحت خيمة واحدة محرمة على غير العربي وعلى القادة السياسيين لما بعد الغزو ولإكتفينا بتجميع الأشقاء دون التدخل في إختياراتهم، فلتكن إسلامية أو علمانية، غربية الهوى أو شرقية الإنتماء، شيوعية أو رأسمالية، جماهيرية أو جمهورية أو ملكية، المهم أن تكون ليبية خالصة. لكننا نصر على لعب دور المشرعن لدسائس الغزاة وفي أفضل الحالات طرفا في تحالف أهدافه البعيدة لا دور لنا فيها.

 

لكن شيلوك في نهاية الرواية لم ينل رطل اللحم فكان نصيبه الخزي والعار الأبدي، فهل يخرج الليبيون من رمادهم ويعصفون ببرامج المؤتمرات وأحلام المتآمرين؟ إن خيمة جامعة في صحراء فزان أشد قوة من مؤتمر اللئام في عواصم الغزاة.

benhassen.sofiene@yahoo.fr

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here