“لُغز الخميس الأسود” في الأردن: طائرات بلا طيار فوق رأس المحتجين والحكومة حاولت تجنيبهم صدامَاً مع الأمن.. حراك 2011 والمحافظات “الابن الضالّ”.. لماذا خرجت رسائل المؤسسات الأمنية عبر الوزيرة غنيمات؟ وأي خيارات أمام الشارع قبل “الذبول”؟

 

 

برلين – “رأي اليوم” – فرح مرقه:

كصندوق المرايا متعارضة الوجه ومختلفة الحجم، يمكن رؤية “أوجه الرسالة” المتعددة، التي قررت المرجعية الأمنية الأردنية توجيهها بالعنف ضد حراك يوم الخميس الأخير، ولعل أخطرها أنها قررت تحمّل تبِعات ما يُطلق عليه أمنياً “إطلاق النار على القدم”، بدلاً هذه المرة من التعامل مع مطالب الحراك الأردني.

الرسالة بهذا المعنى هي الأخطر، وليس كل ما سواها، بما في ذلك الإصابات والاعتقالات.

حيث لا يمكن اعتبار المؤسسات الأمنية التي وصلت لفكرة “إنزال قوات البادية” للتعامل مع محتجين سلميين “سلفاً” الخميس، غير مدركةً لأن هذا التحرك يؤذي الصورة الأمنية الأردنية، ويزحزح الصورة المثالية التي انطبعت حول حراك الرابع في حزيران الماضي. والتي (أي الصورة ذاتها) نسخت الصور القديمة في حراكات عام 2011 وفي المحافظات الأردنية بعده حيث احتجاجات شابها العنف والاعتقالات السياسية.

الصورة التي جهدت المؤسسة الأمنية للاحتفاظ بها في حزيران الماضي، والتي أسهمت لخروجٍ آمنٍ للجميع ومرضٍ لكل الأطراف (عدا الحكومة الزائلة)، ها هي اليوم تبدأ بالزوال، والاهم والاعمق انها تختفي برسالة مقصودة من المؤسسات الأمنية ذاتها، وبقرار مسبق ومقصود، يمكن رصده منذ ما قبل الاستنفار في مكان الاحتجاج ونزولها قبل حدوث ما يستوجب ذلك.

تحليل وفهم الرسالة بصورة أفضل، قد يحتاج قبل أي شيء السؤال عن المتلقّي المتوقع لهذه الرسالة، قبل فهم ما تريد الدولة إيصاله للجميع، وكيف سيتلقاها المُستقبلون.

أولاً: الحراك.. “لكن أي حراك؟”

بمجرد ظهور الناطقة الإعلامية باسم الحكومة جمانة غنيمات صباح الخميس، كان يمكن تلمّس ان مؤسسات الدولة وتحديداً الأمنية منها أرادت أن تطلق تحذيراً لشباب “الخميس” الذين يفضلون لأسبوع ثالث النزول إلى الدوار الرابع ليلا، التحليل يقول بوضوح “أنها لم تعد تراهم بعين الرأفة والحقّ والبراءة تماماً ولم يعودوا خارج دائرة الشبهات.”

حديث الوزيرة رغم كل تنميقه واجتهادها محاولةً إطفاء نوع من الدبلوماسية عليه، حمل مغزيين أساسيين: الأول ان الدولة ستلعب ورقة الشيطنة عبر تمرير رسالة “معارضة الخارج”، لتميّز بذلك بين “مطلبٍ مُحقّ وآخر تخريبي” وبذلك تبدأ مرحلة شقّ الصفوف بصورة أوضح وبطريقة لها من يشتريها في الداخل الأردني، خصوصا وان الحراك هذه المرة ذو نزعة “سياسية” قاسية وعالية السقف.

مطالب الحراك السياسية أسهمت في تحويله لابن ضالّ بأعين الجميع، حيث لا حزب ولا جماعة قادرين على تبني مطالبه بحكم القانون، وفي أفضل الأحيان يطالب المخضرمون أمثال الدكتور مروان المعشّر والشيخ زكي بني ارشيد بالتعقّل في التعامل معه، دون أن يضع أحدٌ نفسه كناشطٍ فيه ولا متحدّثٍ عن مطالبه الشاملة.

طبعاً في الصورة الحالية التي تطالب بإعادة تسمية كل الدوائر السياسية في الدولة وشكلها وأسلوب اختيارها، فالنواب الممثلين للشارع والاعيان الذين انتصروا لمطالب الحراك الأول وكذلك النقابات كلهم يتركون الشباب في الشوارع “عارين تماما” من الاغطية السياسية، ما يسهّل بالضرورة المهمة الأمنية في تقسيمهم.

المغزى الثاني، في مؤتمر غنيمات وفي الحديث عن “إحساس الملك والحكومة بالشعب” توصل المؤسسة الأمنية أيضاً عبر الوزيرة بالدرجة الأولى أن الحكومة هذه المرة لن تكون الحلقة الأضعف (وهو ما يمكن اعتبار ان العفو العام الذي اوعز الملك بإصداره الخميس أيضا وبعد مؤتمر غنيمات الصحفي المستعجل عزّزه بالدرجة الثانية)، كما بالتأكيد لن تكون صلاحيات الملك كذلك.

هناك ثار المحتجون على بعض الإجابات التي لم تَرُق لهم من قبل الوزيرة، وتجاهل الجميع ما أرادت أن تُحذّر منه. فنزل الحراك واضعاً اسم الوزيرة بين الهتافات عالية السقف بدلاً من مراجعة الحسابات على وقع التحذير الذي عملياً لم يكن خفيّاً.

الابن الضالّ..

بهذا المعنى، تتأكد رؤية “رأي اليوم” السابقة للمشهد، فالمؤسسة الأمنية تفصل بين حراك عام 2011 وحراك عام 2018، وبوضوح تفرّق في التعامل معهما، وحين تشير الوزيرة لمُعارضة “ستوكهولم” وغيرها من العواصم الغربية فمن المعروف ايضاً للحراك ان الشخصيات التي تقصدها هي “المهاجرة واللاجئة” إثر الحراك “العتيق” والمعارضة السياسية رغم ما قد يصرّ كثيرون على أنه تهويل من خلال تسميتهم بالمعارضة، حيث لا تنظيم يجمعهم، ولا حِراكٌ يستجيب لهم فعلاً.

كما لا يخفى على الأردنيين أن حراك عام 2011 يمكن تأطيره بأكثر من إطار لإيضاح “شكل المشهد”، فهو أبناء المحافظات الذين حشدوا أنفسهم تحديداً الخميس المذكور ونزلوا للعاصمة.

وأساساً، هؤلاء هم من يميّزون قوات البادية، وهم من يعرفون جيّداً دلالات نزولها وما تستعد له، ولا يميزها أبناء حراك الرابع الماضي الذين قبّلوا الامن وهتفوا له.

تقصّد أبناء المحافظات في الحراك الأخير كان واضحاً، وهو ما يفسّر ما استمعت اليه “رأي اليوم” من مصادر ثنائية حكومية وحراكية عن وجود “طائرات بلا طيار” ترصد “مشارب ومنابع” القادمين للرابع يوم الخميس وعلى غير عادة.

الدولة بشقّها التنفيذي الممثل بالحكومة وتصدّر الوزيرة غنيمات وغيرها من الوزراء لم تُرد أن تمثّل “تماهياً حكومياً أمنياً” قدرما أظهرت “سطوةً أمنية” على كل التفاصيل على الأقل المتعلقة بالدوار الرابع والحراك. هنا تُبرز الدولة العميقة “مخالبها” بوجه الجميع، وتقرّر “الاستنفار” لحماية خطوطها الحمراء العريضة، التي لم يراعيها حراكٌ تداخَلت مطالبه عن “يأسٍ وخذلانٍ” سببتهما الدولة على الأغلب وليس عن “أجندات” خارجية ولا تصنيفات مُعلّبة.

من وجهة النظر الأمنية، فأسوأ ما قد يجري في أي حراك هو التحام العاصمة بالمحافظات، وهذا ما بدأ في الخميس الماطر (6 ديسمبر)، وتقرر ان يكتمل في الخميس الأخير الذي أسماه الناشطون بالاسود بينما تراه الدولة أنه بداية استعادة هيبتها. (هنا وللتاريخ أيضاً يمكن تذكّر ان الدولة تصرّفت ايضاً بعنف في آخر يوم لحراك حزيران ولذات السبب، حيث التحام الحراكات ونزول المحافظات على العاصمة، وهو اليوم الذي خرج الدكتور الرزاز في صباح يومه التالي ليُعلن سحب قانون ضريبة الدخل في ذلك الوقت وبالتالي انتهاء الاحتجاجات).

على مستوى الحراك إذن، تتوقع المؤسسات الأمنية أن يعيد الحراكيون قراءة المشهد، ويطالبوا بالمستطاع، حيث نزول القوات الأمنية الأخيرة يعني بوضوح أن على الجميع نسيان المطالب السياسية بدءاً بالملكية الدستورية وليس انتهاءً بملفات الفساد التي لن تُفتح.

ثانياً: الحكومة.. قبل الحراك

ظهور غنيمات كمتحدثة بلغة أمنية، لا يُظهر عملياً “تضارباً في الرؤى بين الحكومة والمؤسسات الأمنية، قدرما يُظهر أن الحراك لم يعُد بعهدة الرئيس المدني الدكتور عمر الرزاز، ورسالة “عدم احترام الرئيس” في الحوارات مع الشباب التي اوصلها المؤتمر الصحفي ذاته، تفيد بوضوح أن “بساط الحراك” بشكله السياسي سُحب من قائمة صلاحيات حكومة، رئيسها لا يؤمن بالإصلاح في القتال والذود عن الصلاحيات، قدرما يؤمن بإصلاحٍ مُتسلّلٍ بطيء.

بهذه الحالة تعمد المؤسسات الأمنية لاستعراضٍ ناعمٍ في المؤتمر الصحفي وخشنٍ على الأرض، يذكّر أيضاً الرئيس ذو نظريات “الانتقال من الريعية للإنتاج” بأن الخطوط الحمراء، تبقى حمراء وعلى الجميع. الرسالة هنا تحديداً وحسب مصادر مقرّبة جداً من المؤسسات الأمنية لشخص الرئيس فيما يتعلق بمعارك يخوضها خلف الكواليس عنوانها المحاسبة والمساءلة عن ملفات فساد مُقدّرة.

المؤسسات الأمنية تخشى انفراط عقدِ شخصياتٍ كثيرةٍ في الدولة، ليس حُباً في الشخصيات في هذه المرحلة، ولكن خشيةً واضحةً على ما تقدّر مؤسسات أمنية انه سيضر بهيبة الدولة ككل.

التقدير هنا سواء اتفق معه الرئيس الرزاز او لا، هو المُحرك الأساسي للدولة، ويفترض الرئيس ان بإمكانه التعامل معه لو كان لديه وقت أطول قليلاً، ودون اصطدام بالمؤسسات الأمنية وغيرها من القوى في الدولة.

القوى المختلفة هي من يتقدّم لها الرزاز بقانون الجرائم الالكترونية كقربان وبادرة حُسن نية للبدء في التحرك، الأمر الذي كان من الممكن ان يفهمه الحراك جيداً لو لم يسبقه قانون ضريبة الدخل الذي جعل الاقتصاد والسياسة في حالة تعطّل مزدوجة تزيد من انفعالات مختلف المؤسسات.

ثالثاً: القصر ورجاله..

لعل أخطر ما في حراكات الخميس الثلاث المتتالية، أنها ومن قلب العاصمة الأردنية طالت صلاحيات الملك عبر المطالبة بملكية دستورية، وانتخاب مجلس الاعيان وغيرها من التفصيلات، هذه الرسائل تقول المؤسسة الأمنية انها غير مسموحة، فتوصل بهدوء رسالتها للقصر بأنها تحميه ولن تترك مجالاً لغير ذلك.

بهذه الصورة تستعيد المؤسسات الأمنية مرحلةً من التقارب مع القصر كادت تخفت أضواؤها مع الرغبة الملكية الأردنية بإفساح المجال الكامل للحكومة للعمل، وهو ما كان الكلّ يلاعبه ويقلّصه حسب الحاجة. اليوم تتدخل المرجعية الأمنية لاسترجاع عملها وهامشها بوضوح وبرسالة توجهها للمرجعيات الأخرى بأنها لا تزال قوية وقادرة، وتوجه مثلها للحراك الأردني.

في هذه الحالة، وبعدما بات أوضح للجميع أن الجميع “تسلّق السنديان” فعلاً وعلق على الأشجار، لا بد عملياً من صيغة تسوياتية “حراكيّة- حكومية” تحديداً ، تعود لمربّع الإصلاح الاقتصاديّ ولو الى حين، لتفوّت على العقلية الأمنية إعادة ماكان يسميه الراحل الدكتور محمد الحباشنة ” ذبول الشارع البطيء وتفويت الفرصة” وهنا قد يكون تسليط الضوء بصورة واسعة على هتافات إنقاص ضريبة المبيعات للنصف مع التشبّث بتصريحات الرزاز نفسه ومن قبله كتاب التكليف الملكي حول العبء الضريبي مسوّغاً واضحاً، ومن ثم الانتقال لإزالة ضريبة المبيعات بالتزامن مع المطالبة بقانون انتخابات عصريّ قد يوصل الحراك لمجلس نواب أقوى.

في الأردن، تتماهى اليوم رؤية رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز حول الإصلاح البطيء مع الرؤية الأمنية وتتبعها التشريعية حول كلفة الإصلاح الشامل. هنا حصراً يبدو أن الحراك هو الأقدر على “الملاعبة والتغيير” ولكن على قاعدة أكثر تنظيماً وحكمةً ونعومة مما حصل خلال الأسابيع الماضية، وبهامش محسوبٍ بدقّة مع تجاوبٍ حكوميًّ سريع وضروري في القضايا الاقتصادية على الأقل (ومن ثم اطلاق سراح المعتقلين الحراكيين)، لتجنيب الجميع “صداماً محققاً في الأيام المقبلة”.

Print Friendly, PDF & Email

11 تعليقات

  1. والله يا اخت فرح مقالك موجه وبعيد عن الحقيقه واستغرب تلميع زكي رشيد و مروان المعشر !؟

    مقال مسيس لا يتكلم عن الواقع

    لؤي الرحاحله

  2. الهدف افشال تجربة رئيس وزراء هو من افضل من تولوا رئاسة الحكومة في الأردن . كفائة و نزاهة وتواضع ازعج الحرس القديم.

  3. بعيدا عن نظرية المؤامرة والجهات الخارجية وغيره، اعتقد ان كلمة حراك كبيرة جدا فعدد المشاركين قليل جدا جدا ولا يمثل ظاهرة او توجه شعبي او غيره ويبدو ان الاعلام يؤجج الموضوع كالعادة فقط لا غير .. مطالب المتاظهرين معروفة للجميع و من عقود والكل يتحدث عنها في المنازل والمناسبات الاحتماعية وغيرها وبالتالي لا يضيف التجمهر شيئا سوا التسبب بأزمة سير.

  4. لا استطيع ان افهم سر هذا التحليل الذي في باطنه يشكك بعمر الرزاز الذي دخل مواجهه مع الدوله العميقه في الاردن

  5. من المحزن جدا ان الامور تتجه نحو الهاوية في الاردن وهذا تعرفه الحكومة وتعلم به فهي عاجزة عن إدارة دولة بنيت بأسلوب فاسد ونتج عن هذا الفساد ٤٠ مليار مديونية

  6. من هي الجهه الخارجيه التي تقف وراء الحراك ؟ الصومال ام موريتانيا ؟

  7. مرة اخرى مقال يشوبه الافتراضات والتهويل والبمالغة في قراءة المشهد … خروج ٣٠٠٠ شخص للاعتصام في الاْردن يساوي خروج ١٠٠ شخص في امريكا للاعتصام … حشو عنوان المقال بطائرات بدون طيار مُضلل … اَي دولة لها الحق باستخدام جميع أشكال التكنولوجيا تراه مناسبا للتعامل مع هذه الأحداث

  8. استميحك عذرا ولكنى أرى أن الحراك لا لون له ولاطعم ولا رائحة بل هو مسدوس هدفه ممحاكة واعاقة أي إصلاحات لحكومة الرزاز

  9. فساد كبير في كل الدول العربية اين تذهب اموال الشعوب نحن نعرف اين تذهب ولاكن ؟؟؟ يتبع سلاااام

  10. التظاهر السلمي حق للمواطن اما ان تنخرف من سلميه الى بلطجه فلا. اذا كان الحراكيون يريدون تغير الواقع الى احسن فيجب عليهم ان لا يعطلو اي شي من شاىنه مس امن الاردن مهما كانت المطالب. وعلى الحكومه ان تبدا فعليا بمحاربه الحرامييه والخونه وكفانا الام

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here