رضا نازه.. لُؤَيْ صُبْح.. أحن لخبز امي وقهوتها

رضا نازه

وقف منصف عند سِكةٍ عتيقة وتأمل “الرُّومْبْلِي”. قَرنٌ من أتربة وفحم تراكمت وتكوَّمت وصارت جبلا زائفا قريبا بعيدا مُقبلا مدبرا، جِبِلـَّتُهُ الضخمةَ السوداءَ تستوقف العابر، وكذا خيوط الدُّخَان التي تنبعث منه عند الغروب وعند الشروق، كأنه أنف كبير. لا تحبه المدينة الجرداء ولا يحبها، وتتمنى لو أنه كان كافورا ليغرب عن وجهها..

ولاهُ منصف ظهرَه وقصدَ موقعَ المنجم. عبَرَ قنطرة على مجرى نهر جافٍّ. ربما يتذكره الماءُ يوما، حين يستعيد كلُّ شيءٍ ذاكرتَه في هذا البلد الأمين. ألقى التحية على أناس هناك ليكسر حدَّة نظراتِهمُ الفاحصة. هل يذكرونه؟ هل يعرفونه؟ سنواتٌ بينه وبين آخر زيارة هنا حين كانت ترسله أمُّه بإلحاح ليُؤنس وحدة أخته. كانت أستاذة قُذِفَتْ هناك بمنجنيق تعيين إداري. وهناك صار صديقا للراحل مصطفى، بسبب سوء تفاهم لغوي. كان مصطفى طالبا في مدينة أخرى ويعود لمدينته الجرداء السوداء في آخر الأسبوع. سأله منصف بلهجته: “إِمْتَى جِيتي؟” أجابه مصطفى بخشونة، كأن رجولتَه سيهدمها اختلافُ لغوي جهوي: “إمتى جيتْ!! جيتْ!! أصاحبي جيتْ!!”

اقترب منصف من مدخل المنجمِ المهجور وقرأ: “الداخل مفقود والخارج مولود.” منذ سنين توقف الاستخراج لأن المحطة الحرارية، زبونَ المنجم الأصلي قررت أن فحمَ بولونيا أقلُّ تكلفة. لكنَّ الحفر في أنفاق الموت لم يتوقف. الفحمُ الرومي للمحطة الحرارية، والفحم البَلـَدِي للبيوت والسوق السوداء.. أطلَّ منصف في النفق. لا يظهر أحد. لكنهم هناك في صمت، يُخفون سوادَ هيأتهم في سوادِ المغارة. لن يكلموه. لعله مخبر أو في أحسن الأحوال صُحُفي أناني طموح أتى لأجل سبق إعلامي قد يقطعُ أرزاقهم المتفحمة..

لا هذا وذاك. منصف أتى ليرى أين قضى صديقُه مصطفى نحبَه وفي أية ظروف. مسكين. لطالما تهرب من حرفة أبيه، وفي الأخير لم يجد بدا من النزول إلى بطنِ الوحش واللبثِ فيه إلى يوم يُبعثون.. وضعَ منصف على جبهته بطارية منجمية كان قد أهداها له مصطفى وهو يتفكه ويمزح حاكيا كيف أن أمه منذ صغره كانت تدعو له: “سِيرْ أوْلِيدِي الله يْجْعْلْ ضْوّْك دِيمَا بِينْ عِينِيكْ!” كأنما استجيب دعاؤها. حين أتم دراسته دخلَ الأنفاق وصار ضوؤه دوما بين عينيه..

وجدَ منصف سكةً وقاطرة صغيرة صعِدها وقادها فانقادت. رويدا رويدا غاص في الحُلكة دون توجس حتى غلفتْ منهُ كلَّ شيء. مضى شطرٌ من ذلك الليل البهيم المُعجَّلِ الذي يُحوِّل كلَّ حركة طيرانا، حتى بدا له نور بعيد في آخر النفق. فرح فرحا غامرا. ظنَّ نفسَه قد بلغ الجهة الأخرى، وزاد اطمئنانُه حين سمع غمغمة أصواتٍ آدمية. مر قربه أشخاصٌ يحملون سلعا وأنبوبات غاز ولم تكن عليهم آثار الفحم وسوادُه الذي بدا عليه. حين اتَّضحتْ هيئاتُهم رأى عليهم كوفيات فلسطينية وكانوا يتحدثون لهجة مشرقية. وحين التفت إليه أحدهم، فوجئ منصف بصديقه مصطفى. يا للهول. هل عبر برازخ الموت دون أن يعي؟ لكنَّ مصطفى عامله معاملة الغريب. قال له منصف: “أنا منصف.. صديقك.. جئتُ منجمَ مدينتك السوداء الجرداء كي أرى مكانَ وفاتك فإذا بك حيٌّ هنا؟ أين نحن بالضبط؟” شردَ الرجل كأنه غاص في ذاكرة بعيدة عنيدة لكنه عاد وأجاب: “والله يَاخِي هَايْ غزة.. وأنا مُو مصطفى.. أنا اسمي لؤي صبح..” صرخ منصف: “غزة؟ لؤي؟ مستحيل؟” لكن لؤي كان يبدو مشغول البال وطمأنه رغم ذلك ورحب به ثم ضمه بسرعة لثلةٍ من أصحابٍ كانوا يتداولون أمرا أكبر من حضوره الخارق. الإشكال المُلِح هنا الآن أنَّ مُولد كهرباء غزة قد توقف بفعل نفاد الوقود ولا بديل. فورا خطرت لمنصف فكرة. سأل لـُؤَيًّا إن كان المُولدُ يشتغل بالفحم. أجل، هناك محرك احتياطي لم يشتغل منذ سنين لكنه فعلا يعمل بالفحم. فرح منصف واستبشر. أخيرا سيقدم شيئا ملموسا ليصمدَ ما تبقى من فلسطين. قال لهم:” لدي الحل.. اتبعوني ..” استسلموا له استسلامَ من ينتظر خارقة. ضَمُّوا جميع المقطورات المتوفرة هناك وانطلقوا من حيث أتى منصف. غاصوا في الحُلكة واستسلموا لمادتها السوداء. ليس السواد دوما نذير شر. بعد ساعة من السير عبْر الزمان الحالك سمعوا نقْر عمال المدينة الجرداء. تحت شعاع البطاريات نظر هؤلاء في أشباح أولئك، ثم سرعان ما تعانقوا وتضاموا كأنهم يتعارفون منذ الأزل. كأنهم من كوكب فلسطيني واحد.. لكنهم قطعوا فرحهم وباشروا شحن الفحم ونقله جيئة وذهابا عبر التاريخ والجغرافيا. وكان منصف يرافق الشحنات جيئة وذهابا دون كلل. الحماس سيد تلك الظلمة المضيئة بمصابيح قلوبهم. أين جوعُهم من جوعِ ما تبقى من فلسطين.. لكنْ ..

عند نقطة من النفق جاءت دفقة كبيرة من ماء البحر فأخذت منصف. هُم تفادوها بحكم استئناسهم بتوقيت وتكتيكات إغراق الأنفاق، لكنه كان طارئا جديدا هناك. جرفَه المد ثم أعاده الجزر فإذا به يُلقى في العراء على شاطئٍ فيه كتيبة من الأجناد. فورًا سمع كلمات سبٍّ ولعنٍ وطقطقةَ بَيَّادات وطلقاتِ رصاصٍ أصابت أطرافَه. ثم رُمِي به ثانية في النفق المُغرَق إنذارا لمن معه. طفا في الماء والملح يُحرق جروحَه. كان ينزف لونين وهم يضحكون. حمرةً وسوادا. دماً ومدادَ فحم. كأنه جثةٌ وكتابٌ رماهُ المغولُ في نهر دجلة..

غاب عن وعيه ثم أفاق على صراخٍ ظنَّه النهاية. الأجناد سيُكملون ما تبقى منه وسيطلقون النار على القلب والكبد هذه المرة. لكنه وجدَ نفسه محمولا على أكتاف تركض به نحو مشفىً قريب ولؤي يواسيه. اطمأن وغاب من جديد. الغَزِّيُّون من فرط جِراحِهم صاروا جراحين مهرة، وليسَ عبثا أن ابنَ الجراح هو مَن فتح فلسطينَ. أفاق ليجد نفسَه مُضمدا كالمومياء. وبدل الهدوء الذي كان مخيما سمع قصفا قريبا من مكان بعيد. عدوانٌ جديد قد بدأ، ولأول مرة يسمع القصف الرهيب عن قرب، لا كالفضائيات التي تنقل شحنة الصوت مُفرَغة من شحنة الرعب. زاره لؤي شبيهُ صديقه مرارا وكل مرة يشكر له صنيعه. مخزون الفحمِ يكفي لزمن حرب أو حربين.. لكن منصف قال له:

 – أريد أن أعود يا صديقي مصطفى.. أمي لا خبر لديها وأحن لخبزها وقهوتها..

لم يصحح له لؤي اسمَه وقال له:

– صديقي منصف.. أنت بقيةٌ مِن مَدد المنصور المُوحدي لصلاح الدين الأيوبي.. ثم إننا جميعًا فلسطينيُّو أحدٍ ما في هذا الكوكب.. فابق معنا صديقي لعلك تحضر وعدَ الآخرة..

المغرب

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. قصة رائعة سيد رضا . سفر روحي عبر الزمان و المكان . مزيدا من الإبداع الموفق بإذنه.

  2. سافرت بي من حيث لا ادري…أسلوب قصصي عجيب مع الأحداث والاماكن عبر التاريخ والجغرافية احسنت استاذ رضا مزيدا من التألق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here