لينا أبوبكر.. بين ونوس وشكسبير ولوركا عبقرية السقوط في حرب القباقيب والورود والمدن

 hara

لينا أبوبكر

إنها طقوس (الإشارات والتحولات)، حيث تبدأ الأمور كما تريد لها الشعوب ربما! …. ولكنها تنتهي كالرياح  إلى عكس ما تشتهيه السفن!

النكسة الحقيقية ليست تلك التي تصيب الجيوش على مر التاريخ، فميزان القوى كشجرة ابن خلدون، له مواسمه ، في سُنّة العصور، وهو أمر طبيعي وله جاذبيته أكثر من قهره، ليس طبطبة على كتف الجيوش العربية التي لا موسم لها إلا خريف واحد، إنما من قبيل لذة النصر التي لا تؤتى سوى بعد تجرع مرارة الهزيمة!

في المسألة إحالة على تراجيديات وملاحم شعرية كانت الهزائم فيها ذروة القفلة التاريخية الأعظم، ولو كان النصر هو الحل، لما ظل الأبطال المهزومون رموزا لعبقرية السقوط و أساطير الخريف المجيد!

هناك أنفة وشموخ، شيء هو السمو، لحظة الانهيار، العواطف المشحونة في مشهد تهاوي أخيل عند هوميروس، هي التي عبقرت هذا السقوط، وأججت اللغة الملحمية، في وصف تداعيات وجدانية، وتاريخية في ذاكرة البطل الذي يترجل عن فرس الأولمب ، لحظة الصفر .

 الثورات في ملاحم الإغريق أنصفت السقوط، لأنه شحن التدفق الشعوري بكل متناقضاته في لحظة حاسمة من عمر التاريخ في مواجهة المعركة مع البطل وحده فقط ، فهل من سقوط ؟!

البطل ليس الشخص، إنما المعنى، في صندوق اللغة، لأن البطل هو كائن لغوي مشكوك في واقعيته التاريخية!

كل ما هو قابل للتصديق يجب أن يكون ملموسا، ومحاصرا أو محصورا في غرفة بلا جدران هي: المخيلة!

ولكن أين تكمن الكارثة؟!

إنها في هزيمة الإبداع أمام البطولة!

وهي مشكلة المثقف في عالمنا العربي، الذي ربط نفسه بمصير الجيوش الافتراضية، فهل من مجاز!!

منذ المتنبي رحمه الله وطيب ثراه (شاعر الجيش السوري في عهد سيف الدولة)، مرورا بالجواهري رحمه الله أيضا، ووصولا إلى أحفاد زكريا في مسرحية سعد الله ونوس “الفيل يا ملك الزمان” لم يتغير شيء سوى أن المثقف في عالمنا شقلب الباب كي يُعدل الرؤية من ثقب المفتاح!

طبعا صورة الجيش في الشعر العربي لها غواياتها، فالجيش في ملاحم المتنبي هو البطولة ” كمعنى دلالي ” التي تتجلى في كل إيحاءاتها برمز البطل، ولكن الإغراق في المديح على حساب نشدان غواية السقوط لإشباع اللغة بأحاسيس ودفق ملحمي حقيقي، لم تحضر في مدائحه…. مما أفقده الكثير من الإبداع الذي لم يُراعه بقدر ما راعى الرمز على حساب الرمزية!

اللغة التي تصنع الأبطال لم تكن على قدر اللغة التي التهمت لحم الخصوم بأنياب وجد إبليسي صاخب بالحقد والغليان والتحدي في ملكوت أبي الطيب الشرير!

من أين يأتي الشعر إذن؟

من العوالم السفلية، من بيت الشيطان، من عبقرية الجان في وديان الوحي السحيقة!

 

 

صلاح جاهين، لم يكن أوفر حظا مع الثورة، لأنه جمّل الحلم، على غير عادة الأحلام، فاكتشف أن الثورة كانت مناما جميلا لا أكثر، بعكس فلسفتها التي تقوم على الصحوة!

أجمل ما في الخيبات أنها تعين على الاكتشاف ، تحفزه ، تخض دمه الراكد في عروق الوهم، وهذا تحديدا ما أدى إلى انتحار الشاعر في أكثر من قصيدة ، كللها بالسقوط الملحمي الأجمل، انتحاره الواقعي في المجاز.

وبهذا ينتقل من الثورة كقول إلى الثورة كفعل، دون أن يغير في مواقفه ، إنما في سلوك تعاطيه مع الحلم .يعني بَدّلَ وجه الوسادة على صفعة الخد، مع الإبقاء على المنام طازجا ولذيذا كموت نيئ في حضرة جنازات لم يزل يحضر لها حتى اللحظة.

الموت القبيح… هو الذي ترتب له الجنازات أجمل مراسم الدفن!

هكذا نزجي مراثي المدن إلى أندلسيات الغجر في غورنيكا الإسبانية!

ألم يكن فرانكو الدكتاتور مقاتلا قوميا؟!

انضم إلى هتلر في معادلة الخروج من الحفرة دون إدراك السقوط الإبداعي، طالما أن أعظم صعاليك إسبانيا من الفنانين والشعراء كانوا يقفون على الجبهة المضادة لانقلاب فرانكو على الجمهوريين…

فرانكو الذي قتل لوركا!

كان جيش فرانكو هو الجيش الحر وقتها، أليس كذلك!

في عُرف التاريخ ، الشعراء هم البوصلة الحقيقة لتحديد ملامح الثورة ، وهؤلاء لا يجب أن يأتوا متأخرين على الثورة ، كشلة الأنس في حرب سوريا المعاصرة ، لأنهم لو فعلوا هذا سيؤكدون نظرية ركوب الثورة!

بين أن تؤسس لثورة بوعي المثقف المتمرد وبين أن تركب ثورة وتدعي التمرد في بكائيات على أطلال الدم الذي يصير ماء ، شعرة فاصلة هي : المؤخرة!

حينها فقط تصير الثورة بالنسبة للمثقف حمارا أو ركوبة “حشى السامعين”!

***

وزكريا الذي كان مثقفا منافقا في بلاط الفيل ، يبدل كتفه ليتبادل الأداور مع الحمار في طرفة جحا!

إن أردت أن ترى غورنيكا السورية فاذهب إلى متحف مركز الملكة صوفيا الوطني للفنون في مدريد، لأنك لست بحاجة لأن تزور المدينة حتى تستدل على خرائبية النفايات الوطنية في الحروب الأهلية!

هل كان بيكاسو وقتها يعبر عن موقف؟!

أم حقيقة!

لوحة غارقة بالأسى والمعاناة لم يُرق فيها ذاك العربيد الإسباني قطرة دم واحدة ، حتى دمعه كان أسودا وداكنا ، لكنه في كل أحواله ليس دمعا حياديا!

يا لغورنيكا!

أما ملحمة الورود ، فسل عنها شكسبير في ثلاثية الحرب الإنجليزية الأهلية: “الملك هنري السادس″، في حقبة الوردتين التي اشتعلت فيها حرب الورود  ـ 1485”  بين قطبي الصراع في إنجلترا: عائلتي لانكستر ويورك، حيث كان الشعار لكل عائلة هو الوردة، فالوردة الحمراء للانكيستيريين، والوردة البيضاء لللوركيين، ومسمى حرب الورديتن أُطلق رسميا على هذا التصارع  في القرن التاسع عشر أي بعد أربعة قرون تقريبا من مسرحية شكسبير، فقد استند السير والتر سكوت إلى مشهد من مسرحية شكسبير يظهر فيه مجموعة من النبلاء وهم يقطفون من الورود البيضاء والحمراء في حدائق الكنيسة كطقس من طقوس إظهار الولاء لكل عائلة!

رواية السير سكوت حملت اسم ” عذراء الضباب، وآن سيدة جييرستين” وهو جبل من جبال الألب .ودون الخوض في جدلية النقد التي دارت حول” آن “وسبب تسمية الرواية باسمها، إلا أن شكسبير أوحى لوالتر باسم الحرب الأهلية وهذا يكفي!

جاءت مسرحية شكسبير هذه حسب رأي النقاد لا ترقى إلى مستوى الدم، سطحية ركيكة، لا تغلي في عروقها دماء الملاحم العظمى في تاريخ هذا العبقري الإنكليزي، فلماذا يا ترى؟!

باختصار، شكسبير كان يوثق ولا يحس!

كان يريد أن يواكب مرحلة لم تلهمه سوى بوجد مزيف فضحته الخطابية المفتعلة، يعني كأنه كان يركب ثورة لورود ذابلة!

أليس في هذا تزييف للوعي وترويج للخديعة على صعيد “الإبداع″؟

هل نرحم الأدب أم نسامحه لمجرد أنه أوحى للزمن القادم بالمسمى فقط!

وماذا عن الأدباء!

أي هؤلاء يمكن أن يدلنا على مغفرة بلا صكوك ، لحرب بلا جيوش!

الأمريكي آرنست همنغواي ، الإنجليزي جورج أورويل ، الفرنسي آندريه مالرو ، انضموا إلى الصعلوكين الإسبانيين الحزينين حتى الثمالة : نيرودا ولوركا ، في معركتهما ” الإبداعية ”  ضد الثورة الفرانكوية المزيفة على الجمهورية الشرعية ، كثائرين لا كسلطويين!

سعد الله ونوس فهم الثورة بعد حزيران ، ولذا فإن تغير الوعي الثوري عنده لم يغير موقفه ، إنما وضعه في خانة الاكتشاف بعد أن ( تقوض بناء لغته الرملي صبيحة الخامس من حزيران ، فأصبح يبحث عن إنجاز الكلمة الفعل ) لا ردة الفعل المتأخرة عن ميقات المعنى!

لا يمكن للمثقف العربي المهزوم داخليا ووجدانيا وملحميا أن يطبخ ثورة في مطبخ غير موجود أصلا! ولا يمكنه حتى أن يقدم وصفة أو خلطة لها مادام يجهل مكوناتها!

إن الإبداع الحقيقي النبوغي هو الذي ينغسل من الوهم كما  عبر منيف عن أدب ونوس بعد النكسة ، فكيف ننضم إلى مستنقع الوهم الذي يغرق فيه المثقف العربي  ( دون تعميم ) في حرب سوريا ، وهو حتى ليس صانعه ، إنما مجرد مصفق له في جوقة المخبولين!

زكريا الانتهازي والمنافق ليس هو وحده الذي يعبر عن شخصية المثقف التابع للنظام ، إنما زكريا بحلته العصرية الآن هو انتهازي جديد يخرج من بلاط النظام ليدخل في المواخير الحمراء للفرانكويين الجدد ، ويطالب الدول العظمى بتسليح هذه المواخير  …

رأيناهم في كنف الطغاة ، والآن نراهم في كنف أبناء الطغاة ، لأن المنقلبين يعملون بتقنية الجريمة المضاعفة لمن انقلبوا على جرائمهم …والمثقف في هذه الحالة لن يكون جلادا كالطاغية  فهذا عهد مضى ، إنما سياطا وهذا أشد بلوى  …لأن الخنادق ستتحول إلى حارات  ” كل من قبقابه إلو ” وتنقلب الثورة إلى حرب قباقيب !

هل نهتف بعد كل هذا الانتكاس الثقافي المرير والأحمق في تاريخ الوهم النتن : عاش الطغاة يا عمي عاش الطغاة!

 

 

picasso-guernica2

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here