ليزا حسين اسحق: القيد العدنانية والأمانة القنيطرة ويأتي رجل من واشنطن ليقول الجولان لإسرائيل

ليزا حسين اسحق

من أنا إذا ولماذا كتب على هويتي قبل الزواج القيد الخشنية وبعد الزواج العدنانية ، وأنا التي يترأس البطاقة اسمي لم أعرف عن القريتين سوى الأحاديث والقصص من الأهل والأجداد التي تركت لخيالي حرية رسمهما كأماكن أسطورية، وربما كان ذلك خطأي فلم يكن علي السرد بالأحلام،  لو بقيت على الأرض لكان السقوط عدما.

نعم بكيتُ اليوم وبالأمس، صدمتُ خذلتُ غضبتُ ولكن الى أين أذهب بكل ما يغلي بداخلي من مشاعر؟ الأكراد يريدون أرضا من أرضنا وإن أخذوها سنطالب بها من جديد، لن يعيشوا بسلام ولن نعيش بسلام أيضا هل يدركون ذلك يا ترى ؟ ونحن نريد أرضنا من إسرائيل إنها بكل بساطة ليست لهم، إنها مسألة هوية أرفض أن أحمل هوية تحمل قيداً يحمله إسرائيلي، سيغيرون أسماء الأماكن لتصبح عبرية؟ إذا فأنا لم أعد موجودة!! المكان الذي تقيدني به هويتي إن لم يبقَ فقد أصبحت عدما ، ليس لي كيان! إذا لابد لي أن أبحث عن وطن! لابد ان انتمي وإلا سأموت.

بكيتُ وتذكرتُ دموع ابنتي عندما علمت أن لنا جذوراً في القوقاز وأغصانا في الجولان وأوراق ولادةٍ وبيت في دمشق خرجنا منه طلبا للأمان في ظل انعدامه !

طالبتني بيوم واحد أن أجد حلاً سريعاً لكل هذه العقد التي لم يستطع العالم أجمع على حلها مذ أخذ الطمع يعمي الأبصار ويمتد لثروات الغير وأرضهم – لماذا لم يخلق الله ثروات أكثر، وبلداناً أكبر! أو أناسا أقل طمعا ً وأقل إجراما و شراً –  لقد أخذنا كشعوبٍ نتوارث الأوطان المسلوبة جيلاً بعد جيل… يا ترى ماذا سنحملك أنت يا ابنتي؟ نحن محظوظون جداً قاطعت أفكاري لدينا ثلاثة أوطان وأرادت أن أمسك بيدها الصغيرة ونذهب لتراهم جميعا، كل تلك البلدان التي تشكل للإنسان ذاته وربما تكون حقيقته الوحيدة، تاريخه، أصله  ذاكرته التي لا تغيب لأنها صامدة هناك بانتظاره أن يعود.

 إن موضوع الهوية و الانتماء لم يشكل يوماً هاجسا بالنسبة لي أنا عربية سورية، مادامت الأقدام على الأرض،الأب والأم وطن لوحدهما، والقبلة فلسطين كنت أطمئن علي أخبارها يوميا عبر التلفاز لطالما لم تكن بخير لكنها لم تمت، ولكن بعد أن استشهد أبي تخلخلت أعمدة وطني الصغير وأخذ يتزلزل مع كل نسمة، أتراه كان هشا لهذه الدرجة؟! أم أن الذي قتله باسم الدين، حكم علي ألا دين لي هو الآخر! فأمست الأرض والحياة والله معادلة مستحيلة التعايش، كلٌّ على نقيض أحاول التوفيق بينهم! اتكأتٌ على أمي التي اثقلها الفراق.. وقد  نزحت من الجولان أيضا ،أحبت أبي منذ الطفولة فكان وطنها ولكنه رحل، وترك لها وطنا موجوعاً ينام على صبرها ويئن!!

ماذا الآن؟ ماذا سيحدث؟ ولم عساه القدر البشع يلاحقنا؟ أقسم أنّا آمنا بالله حتى اتُهمنا بالتخلف والتراجع والجهل والعصبية والانغلاق لكن لماذا لا يحبنا الله ؟ لماذا؟ بماذا أخطأنا؟ وبماذا كفرنا؟

أشعر أني أعيش أفكار النكسة لأيام خروجِ أبي وأمي من الجولان المحتل عام ٦٧ وما قيل عن أسباب الهزيمة من اتهاماتٍ متبادلة بين الإسلاميين و العلمانيين و اليساريين واليمنيين لا أدري!

 لكني أعرف أن أبي هجّر من بيتٍ في الصباح وبات في مدرسةٍ بالليل ولم يستطع استكمال حلم صغير بأن يصبح استاذاً في الجامعة لأن الفقر يتوارث أيضا بعد الاحتلال، فتطوع في الجيش العربي السوري ، وجد نفسه في حرب 83 مع أشقائنا في لبنان أصبح بطلا أسقط طائرة أمريكية، وجاءت الحرب على سورية .. قُنص أبي لكنه لم يمت، حمته قنبلة، ثم قُنص مجددا فأصيبت قدمه لكنه لم يمت، منذ خمس سنوات أصبح بطلا للمرة الأخيرة، استشهد أبي، وأمي مازالت بانتظاره في غرفةٍ صغيرة كانت وطن حبهما، ولم تكن تدري أن الحرب التي جمعتهما يوماً ستكون سبب فراقهما وسيأتي رجلٌ  قوي من واشنطن ليقول إن  “الجولان لإسرائيل”.

 ولكنه لا يعلم أن هويتي التي أمسكُ بها، مازال مكتوب عليها بخط واثقٍ… الأمانة: القنيطرة

كاتبة سورية

Print Friendly, PDF & Email

12 تعليقات

  1. البطولة الحق تجسدت بكل معانيها بسيدي الشهيد حسين اسحاق .. ليست مصادفة أن أقرأ ماكتبت سيدتي بهذا الاشتباك الزمني .. رأس القوة الباطل في العالم يعطي صكا لشايلوك بأرض -شهدت ولادتي وأنا ابن الساحل اذ كان والدي يربض مع مدفعه على ضفاف بحيرة طبريا – ثم اقرأ ماكتبتي عن الشهيد والدك وهو الذي امرغ أنف ريغان باسقاطه لاحدى طائراته والقبض على الطيار بيديه الجسورتين .. من هنا تبدأ الحكاية . والجولان هو كل الحكاية .. امنيتي الوحيدة هي ان اعود ألى مسقط رأسي (فيق) ولكن انا من صنو حسين اسحاق لن أعود الا قوي وقوي .. وسؤال آخر : هل انتقمت امريكا من والدك بعد مرور أكتر من ثلاثين عاما لاذلاله لها .. وبالواسطة . تحية لروح والدك انه ايقونة البطولة . وأنت سيدتي كل الأحترام لنبل فكرك

  2. إلى روح أخي الشهيد السلام ولك من القلب كل التقدير …وأعتقد أن روحه الغالية فخورة بك وهو الذي سطر بدمه كل مفردات ومدلولات الوطنية والوفاء والشجاعة. …بوركت يداك وإلى المزيد من ترحمة مشاعرنا بصدق ونزاهة ودقة. …( عمك سمير )

  3. اعذريني و لكن الوطن هو ليس مجرد فستان ولا حتى بدلة نلبسها حسب ارادتنا و بالموديل الذي نرغب فيه الوطن هو مكان واحد و ليس عدة أمكنة سيبقى الانسان متخبطا حتى يعود لاصله و يكون على يقين انه مهما مرت الازمان فلا وطن له غير وطنه الأم
    سياسة الوطن البديل اثبتت فشلها بكل دول العالم و مع كل الشعوب فلكل شعب وطن مهما قادته البوصلة بعيدا فهو مرتبط بهذا الوطن
    فوطنك ليس هو ما طبع على وثائقك بل ما كان جد جدك يحارب للدفاع عنه ثائرا ضد الاحتلال قبل ان يقرر العثماني ان يوطن ابناءه اللاجئين بالخشنية او بالعدنانية و كما يقول المثل المصري ( عالأصل دور)
    و في الختام كل احترامي لوالدك الشهيد البطل بطولته لم تكن بحادثة استشهاده فقط فبطولته بنظري هي طيبته و احترامه و حياته التي عاشها و فرض احترامه على الغير من نبل اخلاقه و حسن معاملته للجميع

  4. زرعت الخطوات الأولى من الجولان السوري المحتل إلى دمشق الأبية شقائق النعمان على طول الطريق مذكرةً إيانا أبناء الجولان بطريق العودة على مدى ٥٢ عام … هنا الارض… هنا الواقع …. ولايمكن لاستجداء الأمريكي للإسرائيلي أن يسلب لا الأرض والهوية بكلمات وهمية .. أضغاث أحلامهم لن تتحقق وسنعود لجولاننا ونزرع الورد وأحلام آبائنا لنصبح الحقيقة الوحيدة
    الف رحمة ونور لروحك الطاهرة يا سيد الشهداء وابن الجولان والخشنية البار لن تذهب دماؤكم سدىً بهمة رجالنا في الجيش العربي السوري سيرفع العلم السوري مجددا ً بإذن الله على قمم جبل الشيخ السوري

  5. رحمة الله على روح والدك ياسيدتي. وشكرا لك على هذا الموقف الرائع يابنت الأصل.

  6. مصممون على صنع تشرين آخر كانت كلمات من ذهب للشهيد البطل حسين اسحق ابن الجولان البار قبيل استشهاده فكيف لأمة أنجبت أمثاله أن تهزها تصريحات من هذا وذاك
    ليزا ياابنة البطل ستبقى الأمانة العدنانية لك ولي ونحن أمناء على جولاننا الحبيب

  7. رحمك الله سيدي اللواء حسين أيوب إسحق عرفتك صلدا كصخور الجولان والتي كانت بيوت قريتك الخشنية مبنية منها وكثيرا ماكنت تتحدث عنها في السهرات التي كانت تجمعنا بحكم عملنا وطيبا وكريما كنسمات الريح التي كانت تحمل رائحة تراب الجولان وجوه عندما كنا في خلخلة سيدتي رحم الله والدك كان الجولان في دمه وروحه كان الهواء الذي يتنفسه

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here