ليبيا وحربها الداخلية والخارجية وتداعيات ذلك على دول الجوار والعالم بأسره

 

 

وجيدة حافي

   مضت سنة وجاءت أُخرى مُحملة بالحروب والتهديدات، وعلى ما يبدو أننا سنبدأ العام الجديد من منطقة الساحل  بحرب شرسة في ليبيا بطلاها حكومة الوفاق المُعترف بها دُوليا واللواء المُنشق خليفة حفتر عميل فرنسا وأمريكا وخادمهما المُطيع، حرب ليبية لم تُخمد من2011  رغم محاولات التهدئة والمؤتمرات العربية والغربية ،مازالت لحد كتابة هته الأسطر تشتعل وبشدة، وطبعا المُتضرر الوحيد من كل هذا هو الشعب الليبي البسيط الذي لا حول ولا قوة له، فليبيا أصبحت خرابا ومقبرة، وملعبا لكل اللاعبين الرسميين والاحتياطيين، فرغم بُعد المسافة بينها وبين تُركيا والمُقدرة ب 2186 كلم، إلا أن الرئيس طيب رجب أردوغان لم يكسف حكومة السراج وقبل بالمُشاركة في الحملة العسكرية ضد حفتر، طبعا ليس لعيون ليبيا وإنما لحاجة في نفس يعقوب، السيد أردوغان رغم المُعارضة الكبيرة من الأحزاب والتركيين الذين لاموه على هذه الخُطوة لأسباب كثيرة منها بُعد المسافة بين الدولتين، وعدم الرغبة في الدخول في حروب أُخرى استنزفت الخزينة والكادر البشري، وشوهت سمعة تركيا في العالم، لكن الرجل أصر على رأيه ورأى أن عدم الإستجابة لنداء الليبيين وصمة عار في جبينه وجبين بلده، إلا أن ما خفي أعظم وأردوغان بهذه الخُطوة لن يختلف عن باقي حلفاء ومُؤيدي حفتر، يريد حقه من الكعكة الليبية ومشاريع لتطوير إقتصاده في بلد مُنهار ومحطم يحتاج إلى إعادة تعمير، بالإضافة إلى أنه ينتمي لحلف الناتو وهو بهذا يكون يخدم مصالح أوروبا وكل من ينتمون إلى هذا الحلف، ونحن هنا لا نلوم أردوغان فقط فحتى حكومة الوفاق مُخطئة في هذا التوجه، فهي تركت دول الجوار كالجزائر وتونس، وارتمت في حضن تركيا بشروط وصفقات، فالأحرى من السراج أن يستشير أولا جيرانه ويُنسق معهم لحل القضية سلميا وعبر الحوار، ربما معرفته بمبدأ الجزائر الثابت الداعي إلى عدم التدخل في شؤون الأخرين هو ما جعله ييئس ويذهب إلى تركيا، تركيا بقيادة زعيمها رجب أردوغان الحالم على ما يبدو بإمبراطورية عثمانية جديدة حدودها البحر الأبيض المُتوسط، وإلا كيف نُفسر تدخله في كل الحروب العربية، فتركيا إذا حدث ووضعت قدماها في ليبيا لن تخرج في إثني عشر شهرا كما فوض برلمانها، بل ستبقى وتبحث عن مصالحها في بلد بترولي مائة بالمائة، لكن المُشكل الذي سيواجهها هو الدعم المالي، فهي في حربها ضد سوريا كانت مُدعمة من قطر ماليا أما الان فلا أظن خصوصا مع دخول ترامب على الخط ورفضه هذا التدخل التُركي، وكلنا نعرف مدى تأثير ترامب على بعض الدول العربية والخليجية بصفة خاصة، فهل ستتحمل خزينة الرئيس أردوغان كل هذه المصاريف؟ وهل سيقبل شعبه بهذه المُجازفة؟ ضف إلى ذلك فتركيا شاركت في حرب سوريا بمُرتزقة سوريين مُعارضيين ولم تستعمل جنودها كثيرا، لهذا لم تكن الخسائر البشرية التُركية كارثية ولم نسمع بخروج التُركيين للشارع تنديدا بما يفعله أردوغان بأبنائهم.

   أما الذين لامونا وعابوا علينا عدم المُساعدة والإكتفاء بالإنسانية  التي على حد قولهم لا يحتاجونها، فنقول لهم أن العُنف لا يُولد إلا العُنف، والسلاح سيزيد من تأزم الأمور ويُعقدها على كل الأصعدة، فبهكذا خطوة سندخل في تحالفات ونجد أنفسنا في دائرة الحرب ونُصبح طرفا فعالا في اللعبة التي أُريد لنا أن ندخل فيها، فشعارنا واضح في هذا الأمر وتدخلنا العسكري سيكون في حالة واحدة فقط وهو إنتهاك حدودنا وأرضنا، أما عذا ذلك فلا أظن أن الدولة الجزائرية سترضخ وتقبل بمثل هكذا مطالب مهما كلف الثمن، فالجزائر في فترة نقاهة وتُحاول الان بناء نفسها وإرجاع هيبتها الداخلية والخارجية، فتح الحدود الجزائرية أمام الليبيين في الوقت الراهن كذلك من الأمور المُستحيلة لأنه لا توجد ضمانات من الطرف الثاني، وليبيا لا تملك جيشا وطنيا مُعترف به، فما يحدث داخل أرضها لأكبر دليل على اللاأمن والخطر، لذا فالشيء الوحيد الذي نستطيع تقديمه هو الحل الدبلوماسي والحوار مع كل الأطراف خصوصا مع عودة دبلوماسيتنا إلى الواجهة بعد غياب من 2016 تقريبا بسبب تحكم جهة في الحُكم وبعدها أتت الأحداث التي مررنا بها والتي قلصت دورنا وأبعدتنا عن الساحة الدولية ومشاكلها، مع أننا للبعض جد متأخرين وكان من الأفضل لو تحركنا من قبل أن يُصادق البرلمان التُركي على قرار التفويض، على كل حال نعرف أن الأُمور ليست سهلة مع دخول تُركيا، لكنها فرصة لنا للعودة من الباب الواسع، والتأكيد على قوتنا عسكريا ودبلوماسيا.

  فتصريحات رئيسنا بعد زيارة كل من السراج ووزير خارجية تركيا تدل على أن الجزائر ضد حفتر ومع الحلول السلمية والحوار مع كل الأطراف، فمشكلة ليبيا للأسف ليست داخلية بحتة والصراع فيها يتقاسمه كل الأطراف الذين لا يريدون سقوط طرابلس لأن هذا لن يخدم أحدا وخاصة أوروبا التي تسعى جاهدة لإيجاد حل توافقي، فأوروبا مُحاذية للجزائر وخطر المُهاجرين الغير شرعيين واللاجئين سيثُقل كاهلها، نفس الشيء لدول الجوار وعلى رأسهم تونس والجزائر، فنحن لن نتضرر إلا في حالة واحدة وهي دخول مصر الحرب وتوسع تركيا في ليبيا، فهنا سيتوافد كثير من المُهاجرين إلينا طالبين الحماية، أمريكا لا تريد لروسيا المتواجدة بقوات فاغنر الغير حكومية أن تكون اللاعب الوحيد في ليبيا وبالتالي ممكن أن تتراجع عن قرارها وتسمح لتركيا بالمُشاركة لخلق نوع من التوازن، مصر كما هو معروف خارج اللعبة وما تقوم به لا يعدو مُجرد إتباع وتنفيذ لأوامر أمريكا الحامية لها ولرئيسها السيسي الذي مازال يقبع في الحكم، إذن بالمُختصر المُفيد الكل له مصلحة في ليبيا ولولا ستر الله ستتحول إلى سوريا ثانية، مع أن عديد الدول تتمنى هذا لخلط الأوراق أكثر وإحكام سيطرتها عليها، وجر بلدان المنطقة إلى صراعات لا نهاية لها، فالمشرق الان إنتهى ولم يبق إلا المغرب العربي، فكان الله في عون إخواننا هناك، وحظا سعيدا لكل من يتبنى الحوار كطريقة لفض النزاع، فثقة الليبيين بالجزائريين كبيرة لهذا تجدهم يطمئنون للدور الجزائري أكثر من التركي، كذلك الجزائر وتونس هما الدولتنان الوحيدتان اللتان يُمكنهما من دخول المُجتمع الليبي والتفاهم مع القبائل لتقارب العادات واللهجات والمصالح، فلا للحرب والدمار وإعادة تكرار التجارب العربية الأخرى، على الأقل لحفظ ماء وجهنا وحماية مُقوماتنا وثرواتنا والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

كاتبة من الجزائر

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. مأساة ليبيا يتحملها الربيع العربي الذي بشر البلاد والعباد بالجنة فوق الأرض ، و وعدهم بالرفاهية و الازدهار ، وبالحرية و الديمقراطية وحقوق الإنسان . الربيع العربي هو المسؤول الأول والأخير على مآسي الوطن العربي ، لقد كان خنجرا قتاكا في جسم الأمة العربية من محيطها إلى خليجها . لقد أعاد إلينا الاستعمار بكل ألوانه وأنواعه و أشكاله ، وفتح له الأبواب مشرعة ، وقدم له مفاتيح الأوطان العربية ليعيث فيها فسادا وخرابا ، وينهب ثرواته بكل اطمئنان و أرييحية بدون أدنى مقابل . فواجب الوجوب محاسبة الربيع العربي محاسبة شديدة و وضع حد له ، وعدم التسامح معه ، بل استئصاله من الوطن العربي ، ورميه كما ترمى الأعشاب الضارة في النار .وصدق الله العظيم حين قال: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)}-النحل. وقال في سورة البقرة : { …. وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)}.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here