ليبيا: فكرة للتدبر والنظر..

ابراهيم محمد الهنقاري

حكمة بالغة فما تغني النذر. !؟

“أيها الناس اسمعوا وعوا. واذا سمعتم شيئا فانتفعوا. انه من عاش مات. ومن مات فات.. وما هو ات ات.!!”

قيل لنا ان تلك كانت جملة مفيدة وحكمة بالغة قالها الاخٌ المرحوم “قس بن ساعدة الإيادي” من حكماء العرب في قديم الزمان وقبل نزول القران.

اعلم انه اذا انطلق الرصاص وانطلقت الراجمات رجما والقاصفات قصفا لا يبقى بعد ذلك مكان لا العقل ولا للحكمة ولا للكلام. ولكننا لا نستطيع مع ذلك ان نصمت ونحن نرى الخطر وهو يحيط بِنَا من كل جانب و نرى الموت يتربص بِنَا من كل مكان . فكانت هذه الفكرة لزاما علينا و ليس من لزوم ما لا يلزم. !!

فهل ما فات فات ومات يا ليبيا وما هو ات ات!؟

هل يمكننا حقا ان ننسى ما فات الذي لا يبدو انه قد مات كما تقول تلك الحكمة العربية. وان ننتظر ما هو ات حتى ياتي. !؟

تذكرت تلك الحكمة العربية الإيادية القديمة وانا اتابع بين الخوف و الأمل والرجاء ما يجري في الوطن الحبيب بين فئتين ليبيتين لا شك ان احداهما هي الفئة الباغية .!!

ولا شك انه لابد من وقف هذا البغي الذي تجاوز كل الحدود و داس بإقدامه الهمجية و بسلاحه غير الشرعي على كل مكارم الاخلاق التي عرفها الليبيون و الليبيات عبر تاريخهم الطويل.

ولا شك ان الليبيين و الليبيات يعرفون من هي الفئة الباغية ولكن بعضهم لا يريد ان يعترف بذلك لحاجة في جيب او في قلب “يعقوب”. !!

ولكن المنطق السليم يقول ان الفئة الباغية لا يمكن ان تكون هي قوات الجيش الليبي النظامية ايا كان اسمه بقياداته وضباطه وجنوده.

ولا شك ان الجيش الليبي ألذي رفض أوامر الطاغية الذي تعرفونه و انحاز الى ثورة الشعب في ١٧ فبراير ٢٠١١ لا يمكنه ولا يتوقع منه أحد ان يخون هذا الشعب مرة اخرى أو أن ينقلب عليه . كما لا يمكن لهذا الشعب ان يسمح بالعودة لتلك الأيام السوداء التي عاشها بين القهر و الذل و المهانة او ان يسمح بظهور طاغية عسكري جديد.

وقد يقول قائل ان تلك مجرد امنيات وان الجيوش العربية التي شبت على الانقلابات العسكرية لابد ان تشيب عليها. !!

ولكنني ارى استحالة ذلك في الحالة الليبية الخاصة. خصوصا وان اسرار و خفايا انقلاب ايلول الأسود عام ١٩٦٩ لا تزال مجهولة ولم يتم الكشف عنها .!!

ولاشك ان ما فات معروف لدينا جميعا. ان مجرد التذكير به مؤلم و يثير كثيرا من الشجون المؤلمة و القاسية أيضا. ولكن الحقيقة الباقية هي ان ما فات قد فات في كتاب التاريخ ولكنه لا يزال حيّا في قلوب الليبيين و عقولهم!!ولعل ابرز ما يذكرهم بجرائمه التي تجاوزت حدود الحصر هو هذا اليوم السابع من ابريل بكل ما يحمله من الماسي ومن الدماء ومن الظلم ومن الذل و من الهوان.

ان “ما فات” قد ترك جرحا عميقا داميا في قلب و ضمير الوطن. هذا الجرح ادى الى ضياع الدستور والقانون والحكم الرشيد والعقل السليم في بلادنا وجعل منها قبلة للمجرمين والافاقين وملجأ للصوص و خريجي السجون و بقايا كهوف “تورابورا ” من كل بلاد العالم حتى أصبحت طرابلس الجميلة درة وعروس البحر الأبيض المتوسط ملاذا ومستقرا لكل مجرمي الارض من المتاجرين بالدِّين و الدنيا تحت حماية من لا شرعية ولا دين لهم فكان لابد من اجراء عملية جراحية دقيقة لإنقاذ الوطن من كل هؤلاء و تخليصه من كل شرورهم و آثامهم. ولاشك ان اؤلئك هم الفئة الباغية في الأحداث الجارية حاليا في العاصمة. أعلم انه لا احد يريد حكم العسكر ولا احد يثق او يطمئن الى حكم العسكر ولكن عسكر اليوم ليسوا كعسكر الامس ولا أتصور ان هناك ضابطا من قواتنا المسلحة شاهد تلك النهاية التي انتهت بها حياة الطاغية القائد الزعيم الرسول المهندس المفكر المنظر القائد الأممي ملك ملوك افريقيا وعميد الملوك والأمراء العرب من بني أمية الى حسن البشير، لا أتصور ان اي ضابط ليبي شاهد ذلك الشريط المرعب بمكن ان يفكر في القيام باي عمل خارج واجبه العسكري في ثكنات الجيش. !!

لقد مرت تسع سنوات عجاف ونحن نفقد كل يوم خيرة شبابنا و خيرة رجالنا و خيرة نسائنا ونفقد اموالنا و ودائعنا في الخارج على أيدي لصوص المال من اتباع تلك الفئة الباغية حتى لم يعد بالإمكان السماح لهذا الوضع بالاستمرار ايا كان الثمن.

أجل. ان ما يجري من القتال حاليا في العاصمة والمناطق المحيطة بها يثير الكثير من القلق و الخوف لدى معظم الليبيين والليبيات. القلق على مصير الوطن والخوف على حياة المواطنين وممتلكاتهم. ولابد من حسم المعركة بأسرع ما يمكن حتى تتخلص العاصمة من المجرمين الذين يتحكمون فيها وفِي مصير سكانها وهم نصف سكان الوطن، لانهم يتحكمون فيها بالباطل و بالجريمة و بالسلاح غير الشرعي الذي نهبوه من مخازن الجيش الليبي او حصلوا عليه من الجهات المعادية لليبيا و لتقدمها و لاستقرارها.

ليس في صالح الوطن ولا في صالح العاصمة ان تطول معركة تحرير طرابلس من المليشيات والعصابات المسلحة . ان كل يوم يمر دون تحرير العاصمة إنما يزيد من معاناة سكان العاصمة و يهدد سكانها بالمزيد من المخاطر في حياتهم وفِي ممتلكاتهم. فيا ايها الضباط الليبيون المنتمون للجيش الليبي تعالوا الى كلمة سواء بينكم من اجل الوطن وليس من اجل الأفكار المستوردة و الدخيلة علينا وعلى ديننا وعلى ثقافتنا وعلى تربيتنا الوطنية. ولا من اجل المال الحرام والدعم الأجنبي لمن لا يريدون الخير لليبيا. تعالوا الى كلمة سواء من اجل الوطن ومن اجل شرفكم العسكري ومن اجل شعبكم المقهور والمظلوم وأنتم تعلمون ان مهمتكم الاولى هي الدفاع عنه وعن مقدراته.

المطلوب من كل منتسبي القوات المسلحة الليبية من الضباط و ضباط الصف و الجنود الذين يحملون رتبا وأرقاما عسكرية من كل المدن والقرى الليبية ان يلتحقوا فورا بمواقعهم في الجيش الليبي ولا اقول جيش فلان وان يقطعوا كل صلة لهم بالعصابات و المليشيات الخارجة عن القانون ومن يقف معهم ممن يدعون انهم من السياسيين وهم مجرد أدوات تسيطر عليها و تقودها و توجهها تلك العصابات و المليشيات الخارجة عن القانون.

واذا كان الخيار الوحيد المتاح امام الليبيين والليبيات اليوم هو ان يختاروا بين البقاء تحت حكم و ابتزاز المجرمين والقتلة او دعم قواتهم المسلحة لإنقاذهم و إنقاذ الوطن من هذا الواقع المؤلم والظالم الذي طال مداه فان الخيار لابد ان يكون هو نصرة الجيش للقضاء على الفئة الباغية. فالحق بين والباطل بين.

سئل الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه : ” هل يعقل ان يكون طلحة و الزبير و أم المؤمنين على باطل. ! ؟” اجاب الامام : ” لا يعرف الحق و الباطل بأقدار الرجال. أعرف الحق تعرف أهله. “!

فمتى يعرف الليبيون والليبيات الحق .!؟صحيح ان الذي فات فات ولكنه لم يمت ولكنه يحثنا في كل لحظة على العمل الجاد لوقف هذا الظلم وهذا الباطل الذي يجثم على صدورنا والبدء في النظر الى ما هو ات من الاستقرار والامن و الأمان وحكم الدستور والقانون.

اقول قولي هذا وانا اتحسر وأتألم لما يجري في الوطن الحبيب.

اللهم اهدنا جميعا الى سواء السبيل.  اللهم احم ليبيا و اَهلها واحم عاصمتنا الجميلة من كيد الكائدين وحقد الحاقدين و حسد الحاسدين.

” قل اعوذ برب الفلق. من شر ما خلق. ومن شر غاسق اذا وقب . ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد اذا حسد. “

صدق الله العظيم.

كاتب ليبي

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. ثوارالحرية العرب استعانوا بالغرب الاستعماري وببمجرمي التعصب الديني …..فكان الدمار استحقاقا للمغفلين…..فخق عليهم منطق التاريخ

  2. انا جزائري لدي سؤال الى الى السيد ابراهيم صاحب المقال واتمنى الرد
    لو قام القذافي بالتنحي واجراء انتخابات نزيهة ويفوز من يفوز حتى وان كان الشيطان سيفوز بها هل كان سيكون الوضع مختلف هل كانت حفظت دماء واموال وثراوت الشعب الليبي ام ان الوضع سيكون اسوأ

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here