لم نقرأ كيسنجر قبل 43 عاماً واليوم عن الكونفدرالية يتحدثون

د. شهاب المكاحله

كنا صغاراً حين كنا نسمع أجدادنا يقولون عبارات تشبه إلى حد كبير ما تحدث به الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن حكم كونفدرالي مع الأردن. وفي الماضي ولأن أجدادنا في الأردن لم يكونوا على دراية بمعنى الكونفدرالية والديمقراطية والغوغائية والعملية السلمية والمفاوضات، كانت تقودهم فطرتهم وفراستهم إلى الحكم على الأمور قبل حدوثها لأن الحياة علَمتهم ودعكتهم بالتجارب المريرة.

فمختصر ما كانوا يقولونه أنه على الأردنيين أن يعرفوا أنهم سيكونون يوماً ما أقلية في بلد يتعدد فيه المقيمون على أرضه من عرب وعجم. وفي النهاية سيتم تصفية القضية الفلسطينية بترحيل السكان الأصليين من موطنهم في فلسطين وسوريا إلى الأردن ولبنان.

تلك الكلمات كانت في الثمانينات من القرن الماضي. واليوم ومنذ بداية شهر أيلول، انشغلت النخب السياسية في الأردن بالحديث عن نظام حكم كونفدرالي، بين المملكة الأردنية الهاشمية ودولة فلسطين، بعد أن أثار عباس تلك المسألة القديمة الحديثة حين قال: “الإدارة الأميركية طرحت عليه إنشاء دولة كونفدرالية مع الأردن”.

ليس المهم الفكرة أو المبدأ بل المهم أننا لا نقرأ التاريخ ولا نقرأ حتى نعرف ما تعنيه الكونفدرالية في هذا الوقت بتاريخ الأردن وفلسطين. إن الموضوع باختصار تصفية للقضية وإلباسها ثوباً ناصع البياض بضم ما تبقى من دولة فلسطين إلى كيان سياسي معترف به دولياً للحصول على طابع سياسي دولي للخروج من مأزق حل الدولتين وعودة اللاجئين الذين تقول إسرائيل إن عددهم لا يتجاوز الـ 80,000 في الأردن والـ 20,000  في لبنان.

إن قراءة متأنية للمقابلة الشهيرة التي أجراها وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر في 15 يونيو 1975 في فندق بيير بمدينة نيويورك أمام قادة يهود (مجموعة كلوتزنيك) تقطع الشك باليقين أنه لا حل لدولتين بل لدولة واحدة وكونفدرالية. حينها قال كيسنجر بالحرف الواحد عن الحرب بين العرب وإسرائيل ما يلي:  

 

“هل أدت كل تلك الحروب إلى تسوية النزاع المتفاقم ؟ في غياب أي مؤشر على استعداد إسرائيل للانسحاب من بعض المناطق المتنازع عليها على الأقل  مع إصرار الفلسطينيين على عدم القبول بأقل من دولة مستقلة، هنا ما الذي يمكن التحدث عنه؟”

في هذا السياق، هل هناك أي دبلوماسية واقعية يمكن أن تتجاهل الأسئلة التي طرحها هنري كيسنجر آنذاك: “ما هي الأراضي، إن وجدت، التي ستعوضها إسرائيل؟ من سيحكم هناك؟ وما هي الترتيبات الأمنية التي ستسود بعد الانسحاب الإسرائيلي؟ هل يمكن مطالبة إسرائيل في نفس الوقت بالتخلي عن الأراضي والسماح بتأسيس دولة فلسطينية بحكم ذاتي؟”

كل هذه تساؤلات طرحها كيسنجر آنذاك. ولكن تم العمل على ترجمتها إلى أرض الواقع من خلال اتفاق أوسلو.  لا توجد إجابات واضحة حتى الآن على أي من هذه الأسئلة والنظرة الحالية قائمة على الشواغل الرئيسية الثلاثة: عملية السلام نفسها، ومسألة التمثيل الفلسطيني، وطبيعة الحل الدائم. ومع ذلك، بدأ المسؤولون الإسرائيليون والزعماء الفلسطينيون في الواقع يرسمون صوراً مبدئية وغامضة لما قد يبدو عليه الحل الدائم. على الرغم من أن هذه الصور غير ملحوظة إلى حد كبير، إلا أنه في خضم اندلاع الأحداث الدرامية التي سببها اندلاع الربيع العربي والاضطرابات الاقتصادية التي عصفت ببعض الدول العربية، فإننا ما عدنا نشهد حديثاً عن صراع عربي- إسرائيلي بل عن صراع فلسطيني- إسرائيلي وليس إسرائيلي- فلسطيني على اعتبار أن العرب ما عاد لهم دور في الصراع وأن المشكل الرئيس للصراع هم الفلسطينيون.

كان كيسنجر في السبعينات من القرن الماضي يسعى إلى كونفدرالية ثلاثية: أردنية -فلسطينية – إسرائيلية. واليوم ووفق صفقة القرن باتت تلك الصيغة أقرب إلى أرض الواقع نظراً لوجود قواسم كبيرة مشتركة بين الأردن وفلسطين رغم محاولات إسرائيل تغيير المعالم التاريخية والجغرافية.

يقول كسينجر: “سعينا إلى تفكيك الجبهة العربية الموحدة. كما أردنا ضمان ألا يتدخل الأوروبيون واليابانيون دبلوماسياً لحل الصراع العربي – الإسرائيلي. وبطبيعة الحال أردنا إبقاء السوفييت خارج اللعبة الدبلوماسية حتى لا يكون لهم يد في الشرق الأوسط. كما سعينا من خلال تقوية الجيش الإسرائيلي إلى الضغط على الدول العربية للابتعاد عن الشيوعية. حين اندلعت حرب 1973، كان علينا أن نفكر في عدة أمور منها:  أولاً، ماذا سيكون تأثير أزمة النفط على أوروبا الغربية واليابان؟ ويجب أن أخبركم بأن كل زعيم أوروبي رأيته قد أخبرني أنه لن يسمح لأية دولة أوروبية تحت أي ظرف من الظروف بالتعرض لكساد اقتصادي بسبب الحظر النفطي. ثانياً، إنطباعنا هو أن إسرائيل يجب أن تكون قوية، لكن القوة الإسرائيلية لا تمنع انتشار الشيوعية في العالم العربي. القوة الإسرائيلية توفر الأمن لإسرائيل. فأفضل دفاع ضد المد الشيوعي في العالم العربي هو تقوية الحكومات العربية المعتدلة. لذا من الصعب الادعاء بأن إسرائيل قوية وأنها تخدم المصالح الأميركية بل هدف واشنطن هو دعم إسرائيل لمنع انتشار الشيوعية في العالم العربي مقابل ضمان أمن إسرائيل.”

ولتحقيق ذلك لا بد من استخدام الإعلام، حسب قول الوزير الأميركي، للتمهيد للسلام بين العرب وإسرائيل بخطوتين. الأولى فك ارتباط الدول العربية بالقضية الفلسطينية، وللأسف هذا ما تم الآن عبر تطبيع سري وعلني مع تل أبيب. والثاني، وفق تعبير كيسينجر يكمن في التسويف وتأليب الشعوب في إطار التسوية النهائية لمعرفة أهداف أطراف الصراع وإبعاد كل من هو راديكالي عن المفاوضات تمهيداً للوصول إلى صيغة ترضي إسرائيل وتريح واشنطن من تبعات السلام الدائم.

أليس هذا هو ما تحقق وما سوف يتحقق في المستقبل القريب؟ نحن أمة لا نقرأ ما يكتبون ولا نستمع لما يقولون. بل نلبس ما يحيكون ونُقر ما يُخططون.

كاتب عربي مقيم في واشنطن

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here