لم أعد قادرة على مشاهدة التلفاز

samia issa1

 

سامية عيسى

كنت أصور منذ أيام عملية جراحية في القلب كمنتجة  لبرنامج فيتامين الذي يقدمه د علي سنجل الشهير ويبث على قناة دبي الفضائية . كان الهدف من الحلقة مساعدة الناس على تخطي ظاهرة الخوف النفسي التي تترافق مع التشخيص القائل أن ثمة مشكلة في القلب وأن المشكلة تحتاج إلى حل جذري هو الجراحة. يتعاظم الخوف لدي المريض وأهله حين يتطلب علاج المشكلة جراحة في القلب لا مفر منها. لكني وجدت نفسي أصارع نفسي كي أتمكن من البقاء في غرفة العمليات وأتحمل رؤية الدم الذي لا مفر من رؤيته..حين يتعلق الأمر بالجراحة أية جراحة.

كان الدكتورالإماراتي عبيد الجاسم استشاري جراحة القلب ورئيس قسم جراحات القلب والصدر في هيئة الصحة بدبي هو من يجري العملية,وأستطيع القول أنها كانت عملية نظيفة بالمعنى الطبي للكلمة.أي أن العملية تمت بأقل قدر من الدم. كان الطبيب يسيطر تماما على الأمر, ويجفف مصادر النزيف الناجم عن الجراحة باستمرار وبحركة هادئة متقنة بحيث أمكنني أن أنظر من حين لآخر من غير أن أتعرض للارتجاف الشديد الذي تسببه لي فوبيا الدم . ولكن ماذا عن الدم الذي أراه على شاشة التلفاز كل يوم , وما أكثره؟ سألت نفسي. وقلت في نفسي أنني إذا ما كنت أسعى لتبديد خوف المشاهدين وإشاعة الطمأنينة في نفوسهم التي هي شرط أساسي للشفاء, فإن من الأولى بي أن أبدد هذا الخوف المرضي في نفسي من الجراحات أو من رؤية منظر الدم.

لكن حين عدت إلى البيت وفتحت شاشتي ورفيقتي الدائمة وجدت نفسي أغلق التلفزيون مجددا,وكانت “شاشة العربية “حينها تبث مشهد أطفال سوريا: أطفال مرميون وسط الدمار غارقون في الدماء. أطفال مرميون وسط الدمار لا نقطة دم واحدة تلطخ أجسادهم ..لكنهم ميتون بسبب تعرضهم لغاز السارين. أطفال مرميون في مستشفيات ميدانية بنيت على عجل يموتون من الجوع وأجسادهم مجرد جلد على عظم كتطور دراماتيكي جديد للموت بأبشع صوره ومن دون دماء. هنا الأجساد لا تنزف دماء,بل تجف فيها الدماء وتزهق فيها الروح البريئة التي لم يسمح  لها الوقت والعمر الصغير أن تدرك أن ثمة شر في هذا العالم لا يمكن للكبار أن يفهموه فكيف والحال هذه بالصغار.

أقفلت الشاشة. لا أعدت فتحها..ثم أغلقتها مرتين وأنا أشعر بالخجل..بل بالعار. كنت كلما أغلقتها أو فتحتها أشعر بتدرج الألم والخجل والعار وامحاء المشاعر وتبلدها. أنا لست أنا. شعرت بالموت من غير أن أنزف نقطة دم واحدة. شعرت بالموت رغم أنني لم أشم خلال النهار سوى رائحة العطر والسبيرتو. انقبض قلبي وصرت حائرة. لا لم أمت ,وإلا لم ينقبض قلبي الآن؟ أشعر بضيق في التنفس ..حسنا. هذا يعني أنني ما زلت حية. لأتفرج إذا علي أجد ما يسر من أخبار..أملي ككل يوم أن أسمع أو أرى ما يسر. لكن لا. يجب ألا أفقد الأمل. ربما ثمة ما هو سار. ومجددا, تنقلت بين القنوات أريد أن أسمع وأشاهد الجديد من الأخبار,وفوجئت بتطور جديد على أحداث لبنان المملة وهي دخول الجيش اللبناني إلى الضاحية الجنوبية من بيروت لحفظ الأمن الذي لم يعد حزب الله قادر على حفظه بعد تدخله العسكري في سوريا لصالح النظام..وقبل أن أفكر بهذا التطور أو أطمئن إليه بدأت صور أطفال سوريا تتصدر الشاشة مجددا لتذكر الناس بمجازر النظام وتدخل حزب الله أيضا في الحرب الدائرة في القصير وغيرها.وبدأت أقاوم مشهد الدم مجددا الذي بدأته في الصباح. لكن مع فارق أن دماء المريض في غرفة العمليات لم تذهب هدرا فثمة قلب اصطناعي تذهب في معظمها إليه ليعاد ضخه في جسم المريض الملقى على السرير فيما دماء هؤلاء الأطفال تذهب هدرا في التراب بلا سبب منطقي واضح. المريض عاش وهو حي يرزق بينما هؤلاء الأطفال ماتوا بدم أم بغيره ماتوا..وبينما نحن من نحن في هذا العالم نواصل التفرج على مشاهد الدم ونموت أيضا ..من غير أن تنزف دماؤنا..من غير أن نختنق بغاز السارين,ونتشظى من غير أن تطالنا القذائف ..وتحتضر فينا الحياة حتى قبل أن نعيشها. فهكذا بدأنا منذ 1948 بنكبة فلسطين ومئات آلاف اللاجئين يتوزعون في دول الجوار..لنواصل اللجوء بلدا تلو بلد عربي من فلسطين إلى لبنان إلى العراق إلى سوريا وليبيا ومصر وتونس والجزائر:لاجئون على مد النظر ,لكن الآن ليس في دول الجوار وحدها,بل في جميع أرجاء الكوكب المهدد بحروب متنقلة وكوارث بيئية تطالعنا بها أيضا نشرات الأخبار فيما يعتقد أكثرنا في الدول التي لم تمسها الصراعات بعد أنها بمأمن,أو أننا سالمون فيها والحمد لله. فيما نحن في الحقيقة مجرد “حمقى” نركب في سفينة واحدة تغرق فينا جميعا ,نقصي أنفسنا عن قول كلمة”لا” فاعلة..غير “مفعول بها” ونجتر الكلمات الرتيبة ذاتها عن العرب والعروبة وهي منا براء.نجتر إنسانيتنا كي نتمكن من كفاف العيش كي نبقى أحياء ولو على جدار الوهم.

أغلقت الشاشة أم لم أغلقها,لكن الحقيقة أنني لم أعد قادرة على مشاهدة التلفاز أيا كان ما أشاهده:أخبارا أم أفلاما أم مسابقات رياضية..لا فرق. لأن العالم كف عن أن يشاهدني وأنا أشاهد ما يحصل عبر الشاشة الفضية ولا أقول كفى.

ننزف دما أم لا ننزف,لم يعد هذا يشكل دافعا لنا لنفعل شيئا..أقله لنوقف نزف الدم المسفوك في كل دقيقة فيما لا يزال البعض يطلق على هذا الطاغية في دمشق لقب النازي وهتلر حتى هتلر منه براء.

ننزف دما أم يموت أطفالنا بغاز السارين لم يعد هو السؤال حتما. السؤال الآن : ماذا عنا نحن؟ من يطلق علينا استعارة:أحياء؟من ذا الذي يجرؤ أن يعتقد أننا ما زلنا أحياء؟

ماذا عنا نحن؟ ودمنا ما زال في عروقنا؟

أغلقت الشاشة وذهبت إلى غرفة نومي أحتمي فيها.

أغلقت الشاشة وفتحت كتابا لمحمد أركون: كيف نفهم الأسلام؟

أغلقت الكتاب وعيني..لكني لم أنم. لم أصح. وصرت أشاهد كوابيس اليقظة,واسترجع ما علق في ذاكرتي من حكايات جدتي عن مشاهد اللجوء الأولى..لا ليس من فلسطين.

مشاهد كنا نسيناها ولكنها عادت لتحتل يقظتي منذ ما قبل فلسطين..منذ متى؟ منذ متى؟

الأندلس! نعم سأجرؤ وأقولها:إنها كانت بلادنا..أيضا.

منذ الأندلس يا ذاكرتي..وسيل اللاجئين لا يتوقف.

واللون الأحمر يزاحم فينا كل الألوان …

ويستفز فينا الحياة,كما دماء مريض غرفة الجراحة القلبية.

لكن لا حياة لمن نناديهم أن ينتصروا للحياة ..

وكأننا خرس..طرش..عميان!

روائية وكاتبة فلسطينية

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. وانا مثلك مقاطع للتلفاز لانه اصبح ميدانا للكذابين السياسيين

  2. بعض الأسباب: أستخدام قضيه أنسانيه ذات طابع طبي كمقدمه للدخول الى قضيه أنسانيه ذات طابع مأساوي بطريقه أدبيه. طرد عنصر الملل الذي يرافق القراءة لمواضيع مماثله. القابليه على التصوير دون كاميرا. شعرت كما لو كنتُ أنا المعني بالمآسي الوارده. الأهم مما ذكر: هناك احساس يزداد يوماً بعد يوم (اَمل وأتمنى أن أكون مخطئاً) مفاده ان المقال الرئيسي في هذا الموقع قد مالَ صوب محور ايران (المعروفه بالخبث والخشوع) ومشتقاتها مثل حكّام سوريا فوجود مقال من هذا النوع يوفر عنصر الموازنه وهذا أنجاز بحد ذاته. شكراً.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here