لمباركية نوّار: الملف المغربي والخذلان العربي.. والتسيس الإسرائيلي لكرة القدم: متى يتوقف إدرار ألبان ضروع الرياضة في أواني السياسة؟

لمباركية نوّار

بدأت الرياضات عند أفراد المجموعات البشرية البدائية التي جمعها صعيد واحد كوسائل للتسلية واللهو والترويح عن النفس في أوقات الفراغ وفي المناسبات والأعياد. وبعد أن تعددت وتطورت أساليب ممارساتها، وشرّع لكل صنف منها قوانين تتحكم في مزاولتها، انتشرت وأصبحت جسورا للتقارب والتعارف بين شعوب المعمورة من خلال إقامة اللقاءات والمنافسات والدورات والمباريات.

طغت لعبة كرة القدم بسحرها العجيب على اهتمام الناس، وكادت أن تستأثر بشغفهم كاملا. وامتلكت قلوب أعداد هائلة من المحبين والمتتبعين. وغدت الرياضة الأكثر شعبية بين كل الرياضات؛ لأن ممارستها تجري بين فريقين يتقابلنان في ميدان فسيح، ويتباريان ،عادة، في جو تشتعل فيه نار الاحتدام لمدة ساعة ونصف الساعة من الزمن. وهي لعبة جماعية تستقطب جماهير غفيرة من المتفرجين الذين أصبحوا يقدرون في مدرجات الملاعب بعشرات الآلاف من الجنسين. كما أن أهازيج وصيحات المناصرة التي لا تنقطع تزيد من متعة الفرجة وفي تهويل المشهد. وفضلا عن ذلك، فإن البروز والتألق في مداعبة كرة القدم ليس وقفا على طبقة اجتماعية دون أخرى. فكم من لاعب برع فيها وعلا كعبه، وخطبت وده الفرق الشهيرة وهو قادم من الأحياء الفقيرة ومن زمرة الكادحين في الأرض وخاصة في أمريكا الجنوبية وإفريقيا.

لما كانت السياسة فعلا متجردا من عقال الشرف الأخلاقي الذي يلجمها ويخفف من جموحها وطيشها، فقد سطت على الاقتصاد ووظفته لصالحها في حالتي الحرب والسلم، وجعلت منه أداة لحشد المؤيدين والأنصار من بعد شراء الذمم بمال الرشاوى المغري. والتقطت كل تقدم في المجال الصناعي التكنولوجي وجذبته لجانبها، وسخرته للمناورة ولكسب الظهائر المساندة. كما لجأت السياسة في أوقات جنونها إلى القوة للوصول إلى تحقيق مآرب الساسة المتغطرسين، وانتزاع ما يريدونه عنوة وغصبا من بين أيدي أبناء الدول الضعيفة والمقهورة.

مع ظهور مايسمى بـمفهوم “القوة الناعمة”  Soft power الذي نحته جوزيف ناي، وقصد به القدرة التي تعمل على جانبين اثنين كما يعمل هرمون الأنسولين في الجسم، وهما جانب الاكتساح والانتشار والتوغل والتسلل في رفق، وجانب تحقيق الغايات والوصول إلى الأهداف بأقل التكاليف، مع ظهوره رمت السياسة عينها على الرياضة، وجعلت من جاذبيتها تابعا ناعما يأتمر بأوامرها في الخفاء وفي العلن. وغدا الساسة لا يجدون للمشكلات العويصة تفسيرات أو بوارق حلول إلا في ميدان الرياضة.

لا شيء يعلو على صوت الساسة في محافل الكبار إلا حرارة الأهازيج المرافقة للمنافسات الرياضية كما في دورات التنافس على نيل كأس العالم في كرة القدم. وكم حاولت السياسة بمنطقها المراوغ قبل الدورة الأخيرة التي ماتزال تجري في روسيا أن تلبس قناع رياضة كرة القدم. وكم سعت الدوّل الكبرى للاستقواء بها وإحراز انتصارات في معارك التدافع، واستغلال الفرصة لتصفية حساباتها البينية. وهذا ما يعني أن ظلال الحرب الباردة التي عمرت طويلا بين المعسكرين الشرقي والغربي ما تزال مستمرة بوجه جديد.

قبيل انطلاق بطولة كاس العالم في روسيا، أخذت قصة محاولة تسميم الجاسوس الروسي سيرغي سكريبال وابنته في جنوب بريطانيا منعرجا آخر. إذ اتهمت بريطنيا، ومن أعلى مستوى، روسيا، وحملتها المسؤولة المباشرة في محاولة اغتيال هذا الجاسوس. وأقدمت على طرد ثلاثة وعشرين ديبلوماسيا روسيا. وتبعتها دول غربية أخرى لإرباك روسيا قبيل هذا الموعد الرياضي العالمي. وأرفقت قراراتها بحزمة إجراءات أخرى منها مقاطعة وزراء أو أفراد من العائلة المالكة لدورة كأس العالم التي تستضيفها روسيا. وسارت هذه المشكلة على نحو مشكلات سبقتها، إذ بدأت سياسيا وانتهت رياضيا؟.

لم يكن تنظيم دورة في بطولة كأس العالم لكرة القدم عملا تطوعيا تقدمه روسيا كخدمة مجانية للآخرين تظهر فيه تعلقها بالرياضة. وإنما أخفت فيه أهدافها غير المعلنة كما يعمل غيرها باستمرار، والتي من أهمها محاولة إثبات أنها دولة عظيمة. إذ ورغم انشغالها بحرائق الحروب التي اندلعت بعيدة عنها كما في سوريا، فإنها أرادت أن تؤكد  مقدرتها على إقامة دورة رياضية ذات مستوى عالمي عال، ويتابع مجرياتها مئات الملايين في أركان المعمورة الأربعة. ومنها كذلك تحريك السياحة لجلب موارد أخرى لمداخيلها مع محاولة منحها صفة الديمومة. ومن جانب آخر، رغبت روسيا في استغلال هذه الفرصة لتحسين صورتها، وإنضاجها في الأذهان لطمس الصورة المتورمة التي يروجها الغرب عنها، وربط حاضرها بمجدها الماضي. وقبل كل ذلك، فإن هناك أهدافا ضيقة وذات أبعاد داخلية يسعى النظام الروسي إلى تحقيقها من خلال هذه البطولة.

أرى أن الدّول العربية لم تتمكن على المستويين الانفرادي والجماعي من استغلال الرياضة في مجال السياسة الخارجية إلا بقدر هزيل. وقد أظهرت مباراة التصفية التي جرت بين الجزائر ومصر في سنة 2009م فجاجة وقصر نظر من الجانبين. حيث تمزقت وتلاشت روابط الأخوة القوية التي دامت قرونا، وبرزت خشونة في الحديث، وانحدر الكلام العتابي إلى السباب والتنابز والتهجم بسبب أن السياسة أبعدت المقابلة ـ المعركة عن أجواء التنافس الرياضي الخالص.

استغل الكيان الصهيوني المعروف بمكره وخبثه ودهائه ظروف الاستعداد التي سبقت انطلاق بطولة كأس العالم الأخيرة، وسعى إلى تهويد القدس الشريف رياضيا بعد أن شرعت أمريكا في تهويدها ديبلوماسيا وسياسيا وإضفاء شرعية الضم غير القانوني عليها، ودعا الفريق الأرجنتيني لكرة القدم ذي السمعة العالمية لإجراء مقابلة ودية مع الفريق الإسرائيلي في ملعب تيدي الواقع في قرية المالحة يوم التاسع جوان الماضي. وقرية المالحة هي واحدة من بين خمسمائة قرية هدم الكيان الغاصب مساكنها في عام 1948م بنية طمس معالمها. إلا أن الصيغة الاحتجاجية الرزينة والمدروسة والقانونية التي تحلت بها الديبلوماسية الفلسطينية في ذكاء وفعالية ممثلة في رئيس الإتحاد الفلسطيني لكرة القدم وبمساعدة بعض الدول العربية كللت بالنجاح. وبعد إقناع الأرجنتين، أقدمت على إلغاء هذه المقابلة البئيسة رغم حجم المناورات والتوسلات من جانب إسرائيل. وبعد أن استسلم الكيان الصهيوني للأمر الواقع، ردت وسائله الإعلامية الخبيثة أسباب إلغاء هذه المقابلة إلى ضغوط سياسية، كمن يريد أن يلقي باللوم على السياسة التي حشرت أنفها الأفطس في مباراة رياضية؟، وكأن غرضها كان منذ البداية رياضيا صافيا وبريئا من أي خلفية سياسية؟.

لم يكن موقف بعض الدول العربية مشرفا لما اختارت الوقوف ضد الشقيقة المغرب التي تقدمت بطلب استضافة نهائيات كأس العلم لعام 2026م رغم التزامها بمناصرتها مسبقا. ولم تتعلم الدرس من الحادثة السابقة، وقبلت أن تطعن بلدا عربيا في الظهر بخنجر ملوث بعد أن فضلت الانحياز إلى الثلاثي الأمريكي الشمالي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية. وقد وصل الأمر بالرئيس الأمريكي إلى استلال سيف التهديد من غمده متوعدا بقطع المساعدات المالية عن كل دولة تنتظر فتات عطاياه المصحوبة بالمن والأذى إذا ما صوّتت لصالح المغرب. ووجد من حلفائه الأذناب من يقف إلى جانبه. وصبت حمم الخذلان ساخنة على رأس المغرب من طرف إخوانه قبل مناوئيه. وكانت الصدمة موجعة وعنيفة؛ لأن سهام الغدر جاءت من السعودية والعراق والبحرين والكويت ولبنان والإمارات والأردن بعد أن سلبت منها إراداتها، وأظهرت ولاءها للبعيد بدل القريب. وكان المنتصر الأول في هذا التصويت هو الجزائر التي نظرت إلى القضية بعين الحكمة، وكظمت غيظها، وعفت بعد المقدرة، وترفعت وتعالت على الأحقاد، ومنحت صوتها لشقيقتها المغرب. واستطاعت بذلك أن تكسب تقدير واحترام الشعوب العربية، وفي مقدمتها الشعب المغربي الكريم.

يربط المفكروين والفلاسفة والمؤرخون بين السياسة والأخلاق، ومنهم العلامة ابن خلدون. وعندما تنبذ السياسة الأخلاق، وتتعرى من كسائها الذي يستر عوراتها تكسب صفات الكائنات المتوحشة التي لاتعرف سوى النفاق والاعتداء والفساد وضرب نواميس الاعتدال التي تقوم عليها الحياة. ولم تترك السياسة مجالا من المجالات إلا ورمته بدائها الخبيث، ولم تنسل. وقد فعلت فعلتها البذيئة مع الفكر والمال والاقتصاد. ولم تتوقف من زرق سمها الزعاف في عروق التربية، فأوهنتها وشوّهت مخرجاتها، وأوقفت مستقبل أمم كاملة في مهب الرياح الوافدة عليها بدعوى الانفتاح والتحديث. ولم تستح من الارتماء على براءة الرياضة، فحرفت أهدافها الإنسانية الشريفة صوب إتجاه معاكس إلى درجة أنها دفعت دولا إلى الاقتتال في ساحات الحرب.

لن ينتهر جموح وطيش وعدوانية السياسة، ولن تتراجع عن تسييس الرياضة. وفي المقابل، لن تتوقف من الغرق في بركة غيّها طالما أن تفكير رجال السياسة لا ينظر إلا إلى المصالح الضيقة. ومن يعتقد خلاف ذلك يكون حاله كمن يستسهل رد الشخب إلى الضرع.

الجزائر

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here