لماذا يستثني الرئيس الأميركي “ترامب” (إسرائيل) من المطالبة بدفع الأموال مقابل حمايتها نشأة ورعاية؟

ali-darbouli-.jpg66

علي الدربولي

بداية لا بد من الاعتراف بأن ظهور الشخصية (الترامبية) في أميركا ومنها على الساحة الدولية، قد شكل فرقا بالنسبة لمسارات التحكم بقيادة العالم، سياسيا واقتصاديا وفكريا، كيف؟:

سياسيا وجدنا، وكما يثبت “ترامب” يوما بعد يوم أنه ذلك الرجل الكاوبوي القادم من الغرب الأميركي، والذي يرسم لنفسه صورة الأميركي الحريص على رفاه شعبه، وهو يسير في حقول من الألغام التاريخية التي زرعتها أميركا في كل مكان من العالم، مع إيمانه (التجريبي) الكامل بأنه الوحيد، الذي يحتفظ بخرائط تلك الألغام التي وضعت في فترة ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة. لقد بدأ مسيرته بروحه الرأسمالية، انطلاقا من منطقة الخليج أغني بقعة عربية وإسلامية، ليضمن وقود تلك المسيرة المادية في طرق آمنة، يوسعها في كل اتجاه متى شاء-هكذا يؤمن- عبر تفجيرها وإعادة تفخيخها  بحسب مصالح أميركا  الاستراتيجية، في السياسة والدين معا، بقصد الوصول إلى تزعم العالم قطبا أوحدا، انطلاقا من شعاره الانتخابي” أميركا أولا” في هذه اللحظة التاريخية من عمر الأرض التي سيتقرر خلالها، ربما المصير النهائي للعالم المثالي، في بلاد الشام، وهو كان قد حضّر للمعركة عبر أدواته، وفي ساعة الحقيقة حضر بنفسه، لأنه يعلم تماما أن حضوره عبر حلفائه، أولاء التماثيل المتحركة من دول وأجسام إرهابية، على خطوط الحرب في سورية، لم يعد آمنا، بحيث يؤمن لأميركا ذلك الحضور العالمي تكون فيه الآمرة الناهية، لعلة أوجدتها بنفسها ظاهرها الإرهاب، وباطنها وجود (إسرائيل) لأنها بيت قصيد الرئيس “ترامب” حتى الآن…لماذا؟ الجواب يكمن بنشوء قطب عالمي جديد تمثله روسيا الاتحادية، لا يعتمد الأيديولوجيا المعلبة في حركته التاريخية، ويحارب دونها طبقا لمعايير(أخلاقية) على شاكلة المبادئ الماركسية، ، بل يعتمد مصلحة ما فوق تلك الأيديولوجية الوضعية التي كانت حاكمة في زمن الاتحاد السوفييتي السابق، لصلة هذا الأمر بهواجس النفس الإنسانية المتطلبة، سنّة حركة الإنسان عبر التاريخ، والتي يعتقد كثير من الفلاسفة والعلماء، وحتى الآن، أنه لا يمكن تعليق وجودها من عدمه فقط على المقدس، بدلالة التجارب الصراعية التاريخية، التي كان من أهم نتائجها إعلام الإنسان بأن لعالمه نهاية مهما طال الزمن. من هذه النقطة، وعلى هذا الوتر راح الأميركي، يعزف لحن وجوده، ومعياره فقط مصلحة النخبة التي يؤمن أنه يمثلها، لتأتي، إذا ما وضعنا السياسة جانبا، دولة (إسرائيل) ببعدها العقائدي رؤية راجحة على  ماعداها بالنسبة لكثير من الأميركيين (المؤمنين) من حيث اعتبار انتصارها على التاريخ في فلسطين، أرض الأجداد(الدينيين) المقدسة، هو انتصار الإنسان في معركة انبعاث(قيام) ما يؤمن من يذهب هذا المذهب، بأنه المخلص المنتظر.

 هذا ما يسعى إلى تظهيره الأميركي المتاجر بعقائد الناس لقاء الإيحاء لكثير من الحكام في العالم عامة، وفي المنطقة العربية خاصة، بأن مصيرهم يرتهن لمصيره، ومصيره (كهيئة)يحتاج إلى وقود، لا ينفع إلا إذا كان مزيجا من الدماء والمال. أليس هذا عين ما حصل ويحصل في العالم، وعلى وجه الخصوص في منطقتنا العربية؟

*عندما تكون المصلحة دنيوية يسعى الإنسان إلى تغليب هوى النفس فيكون المال ثقل كفة ذلك الراجحة، أما إذا كانت المصلحة دينية، فإننا نجد هوى الروح هو الغالب، فتغلب على الإنسان التضحية بكل شيء، من ماله إلى نفسه، على طريق الرب.

أميركا بما أسس له فكريا أولئك الذين تسموا بالمحافظين الجدد أو المسيحيين الذين ولدوا من جديد، أو المسيحية-الصهيونية، تسير ما استطاعت على تجسيد هذه الرؤية، وبشتى الوسائل، تمهيدا لطريق القيامة المؤملة للسيد “المسيح”، وثمن ذلك باتفاق حملة لواء المسيحية-الصهيونية هو إعادة بناء الهيكل، هيكل بني (إسرائيل) الذ ي هو شرط القيامة، مثلما تقول نبوءات أنبيائهم. هناك فارق عقيدي واحد، اتفق على تأجيل الخلاف عليه، ممن يسعى إلى تحقيق رؤية الوعد بالقيامة، وهو أن المسيحيين يؤمنون بقيامة المسيح المخلص للمرة الثانية، بينما اليهود يؤمنون بأن قيامة السيد “الماشيح أو المسيا” إنما ستكون بعثا للمرة الأولى.

أمام هذا التصور لا يرى (الكاوبوي الترامبي) الأميركي المؤمن، والمحاط باليهود، أن عليه واجب الطلب من (إسرائيل) ثمن حمايتها، نشأة ورعاية، كما راح يطلب، ويحصل تباعا، ثمن حماية أميركا لحلفائها على امتداد زمن وجودهم، حتى لو كانوا مسيحيين، كما في أوروبا الكاثوليكية، فما بالك لو كانوا مسلمين، ليكون، من أسف، في مقدمتهم دول النفط العربية المسلمة، ليكون من تداعيات هذه الرؤية (الترامبية)، قرار منع مواطني سبع دول إسلامية من دخول أميركا؟! حرصا على أمن أميركا القومي؟!

*الجدير بالذكر هو وجود ما نسبته حوالي 40% من الشعب الأميركي (البروتستانت) تشترك واليهود بعقيدة قيام معركة “هر مجدو” فوق أرض فلسطين. إذن هي عقيدة إيمانية تسقط عندها قضية الربح والخسارة على المستوى المادي، لتتحول إلى تحصيل ربح (إيماني) ذي صلة بتنفيذ وعد الله، عبر العودة إلى أرض فلسطين المقدسة، ومواجهة الدجال والقضاء عليه وحكم الأرض مدة ألف عام من العدالة والسلام بقيادة المسيح القائم للمرة الثانية (مسيحيا) والمبعوث للمرة الأولى (يهوديا).  هذا الفكر لا تجد ما يوازيه في أوروبا الكاثوليكية، برغم وجود شخصيات دينية وسياسة في أوروبا كانت سباقة في تأسيس وتنفيذ فكرة عودة اليهود إلى أرض الميعاد المزعومة في فلسطين وإنشاء دولتهم هناك، بموجب وعد “بلفور”.

أعطيت الصهيونية المسيحية بعدها السياسي الأيديولوجي للمرة الأولى فيبريطانيا عام 1655 عندما دعا “أوليفر كرومويل” رئيس المحفل البوريتاني بين عامي 1649 – 1659 لعقد مؤتمر يسمح لليهود بالعودة للسكن والإقامة في المملكة بعدما تم نفيهم منها بقرار من الملك إدوارد الأول عام 1290.

 من هنا يهون علينا فك لغز ارتباط أميركا (البروتستانتية)، بعد انتقال صفة(العظمة) البريطانية إليها على المسرح الدولي، بالصهيونية-اليهودية التي سوقت، وتسوق على مدى طويل، حتى قبل وجودها كدولة، أنه على يديها سيقوم السيد “الماشيح” وشرط ذلك إعادة بناء (هيكل بني إسرائيل) على أنقاض المسجد الأقصى؟! من سيقاوم ذلك؟ المفترض أن المسلمين، هم من يقومون بذلك حماية للمسجد الأقصى ومعراج الرسول محمد. ولكن أنظر إلى موقف أغنى الدول العربية والإسلامية-من خلال المؤتمر العربي الإسلامي الأميركي الأخير- تجاه هذا الحلم الإسرائيلي-الأميركي، الذي قطع هذا الثنائي مسافة طويلة على طريق تحقيقه؟!!

*هل على العالم الجلوس انتظارا ليوم القيامة، كما يرسم لذلك فئة من الناس مقدمات ذلك اليوم بأسنان نووية؟ أم على هذا العالم أن يقاوم ذلك، طالما كانت قضية من هذا النوع ليست سوى قضية (إيمانية) تعوزها الأدلة العلمية، من حيث أنها محصورة بعلم الله، وطالما كان الطريق إلى تحقيق تلك الرؤية مفروشة بدماء الناس، جميع الناس، ظلما؟!

*أرجو أن يكون ما تقدم بتفصيلاته، ربما يجيب أو يشير على الأقل إلى سبب إحجام الرئيس البروتستانتي “ترامب” عن طلب المال من (إسرائيل) مقابل حمايتها إلى يوم يبعثون؟ بينما لا يرف له جفن حياء في المطالبة بثمن حماية

أميركا لجميع حلفائها ترغيبا وترهيبا، ما عدا (إسرائيل)؟!

مؤيدات وهوامش:
-معركة “هرمجدو” التي تحدثت عنها النبوءات: استقرت كي تكون جزءا مهما من العقيدتين المسيحية، واليهودية، التي تقول بمجيء يوم يحدث فيه صدام بين قوى الخير والشر، وسوف تقوم تلك المعركة في أرض فلسطين في منطقة أو “وادي مجدو” قوامها مئات الآلاف من الجنود يأتون لخوض حرب نهائية، ولسبر مدى عمق إيمان الشعب الأميركي بحدوث ذلك، جرى استفتاء مهم في عام 1984م من قبل مؤسسة”يانكلوفينش”  أظهر أن 39% من الشعب الأمريكي أي حوالي 85 مليون منه يعتقدون أن حديث “الإنجيل”عن تدمير الأرض بالنار – قبل قيام الساعة – بحرب نووية فاصلة.
-هنالك مقاربة أخرى للمشترك بين العقيدتين المسيحية واليهودية جاءت تصريحا على لسان “يوحنا بولس الثاني” عام 1986، والذي يعتبر جزءًا من التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية. قال قداسة البابا في تصريحه: “بالنسبة إلينا، ليست الديانة اليهودية ديانة خارجية، بل إنها تنتمي إلى قلب ديانتنا، وعلاقتنا بالديانة اليهودية مختلفة عن علاقتنا بأي دين آخر. أنتم إخوتنا الأحباء ونستطيع القول ما معناه، أنتم إخوتنا الكبار (يقصد اليهود)”.
-قال النبي “يوئيل” عن هذا اليوم: (انفخوا في البوق في “صهيون”، اهتفوا في جبلي المقدس، ارتعدوا يا جميع سكان العالم، يوم الرب مقبل، وهو قريب، يوم ظلمة وغروب، يوم غيم وضباب).
-هذه الاعتقادات ظهرت عند السياسي اليهودي “تيود ور هرتزل” حيث يقول: (إنه ظهر لي ـ في عالم الرؤيا ـ المسيّا ـ المسيح ـ الملك على صورة شيخ حسن وخاطبني قائلاً: اذهب وأعلم اليهود بأني سوف آتي عما قريب لأجترح المعجزات العظيمة وأسدي عظائم الأعمال لشعبي وللعالم كله).
-من أشهر السياسيين البريطانيين الألفيين اللورد آرثر بلفور المعروف بإعطائه اليهود وعد الحكومة البريطانية بإنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين التاريخية (وعد بلفور 1917)بالرغم من مواقف بلفور المعروفة بمعاداة اليهود، ليكون هذا الوعد من صلب المصالح الدنيوية البريطانية، وبريطانيا في أوج عظمتها، والذي تحول لأن يكون، من صلب المصالح (الدينية) الراجحة لدي شرائح مهمة من النخب السياسية-الدينية-المالية في أميركا الآن.
-في هذا المعنى تحدث الرئيس الأمريكي ريغن عام 1980م مع المذيع الإنجيلي جيم بيكر في مقابلة متلفزة أجريت معه حيث قال: (إننا قد نكون، أو إننا هذا الجيل بالتحديد الذي سيشهد معركةهرمجدون).
-شارك في هذا التوجه تقرير لمنظمة حقوق الإنسان صدر في قبرص عام 1990م يقول: (توجدهيئات وجمعيات سياسية وأصولية في الولايات المتحدة وكل دول العالم تتفق في أن نهاية العالم قد اقتربت، وأننا نعيش الآن في الأيام الأخيرة التي ستقع فيها معركة هرمجدون، وهي المعركة الفاصلة التي ستبدأ بقيام العالم بشن حرب ضد دولة إسرائيل، وبعد أن ينهزم اليهود يأتي “المسيح”ليحاسب أعداءهم ويحقق النصر، ثم يحكم “المسيح” العالم لمدة ألف عام يعيش العالم في حب وسلام كاملين).
-كان اليهود أكثر تشوقاً لهذا اليوم الموعود الذين يسمونه “يوم الله”، فقد نقلت وكالة الصحافة الفرنسية نبأً من القدس المحتلة أثناء حرب الخليج عام 1991م للحاخام “مناحيم سيزمون” الزعيم الروحي لحركة حياد اليهودية يقول: (إن أزمة الخليج تشكل مقدمة لمجيء المسيح المنتظر).
الآن وهو الأهم بنظرنا:
-نيكي هيلي: ممثلة أميركا في الأمم المتحدة، أي (لسان حالها الأممي) تدافع بشراسة عن حق (إسرائيل) في بناء هيكل اليهود المقدس فوق أنقاض المسجد الأقصى، الحدث الوحيد الذي يتوقف عليه مجيء المسيح الحقيقي لليهود. لنقرأ ما يلي:
في مكتبه يخاطب وزير الجيش الإسرائيلي “أفيغدور ليبرمان” السفيرة نيكي:
“نحن نتذكر بتقدير كبير حين قلت إنك وصلت بحذاء كعب عالي حتى تضربي به كل من يهين ويشوه اسرائيل، لذلك وفي اشارة احترام وتقدير أقدم لك هذا التذكار وانا أدعوك .

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. لن يطلب ترامب من “اسرائيل” دفع الجزية مقابل حمايتها كما دفع الأعراب لان مصالح أميركا تعتمد على وجود كيان يقوم بأعمال خسيسة لصالح أعظم دولة وهو سبب تعزيز قوتها وقواعدها وإدرار الأموال عليها بفعل إحتلاله لأراضي الغير وتشريدهم والإستيلاء على أوطانهم ومقدراتها حيث ان الدولة العميقة في اميركا بمعظمها تدين بالولاء للصهيونية .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here