لماذا يحجم الأردن عن الإفصاح عن الدولة الخارجية المتورطة في زعزعة أمن البلد!

الأستاذ الدكتور أنيس الخصاونة

كشفت الأحداث التي مر بها الأردن على مدار أسبوعين عن تفاصيل كثيرة تتعلق بخطط سميت “زعزعة استقرار الدولة”، ولم يقدم رئيس الوزراء أو نائبيه على تسميتها بمحاولة انقلاب.والحقيقة أن معظم التوصيفات التي رشحت تؤكد ضمنا ومضمونا أنها محاولة انقلاب حقيقية، حيث هناك خطط، ومحادثات سرية ،وساعة العمل، وغير ذلك من المصطلحات. لست بصدد الحديث عن هذه التفاصيل والتلاعب بالمصطلحات الهلامية التي لن تتمكن من تغيير صفة الحدث وغاياته وأهدافه، فالتحقيقات بالتأكيد ستكشف عن تفاصيل كثيرة إذا أريد لها الاستمرار وعدم التستر لأسباب سياسية.

ما يهمنا في الحدث الكبير هي تلك الإشارات المتكررة من قبل جلالة الملك أو رئيس الوزراء ونائبيه إلى الطرف الخارجي المتورط في المؤامرة.كثير من الأردنيين والمهتمين اتجهت أعينهم نحو إسرائيل واعتبارها المقصودة في ذلك الطرف الخارجي ،خصوصا في ظل علاقات متأزمة ،أو أقل ما يقال فيها ،باردة بين البلدين .والحقيقية أنني لا أرى أن المقصود إسرائيل وإن كانت راغبة بمعاقبة الأردن على مواقفه من “الخطة الإبراهيمية”أو صفقة القرن التي رفضها الأردن في حين تواطئت بعض الدول العربية في قبولها أو على الأقل عدم رفضها. لو كانت إسرائيل هي المقصودة لما تردد الأردن في توجيه أصابع الاتهام لها، فهذا يخدم الاتجاه الشعبي الرافض لكل المعاهدات والاتفاقيات مع هذا الكيان، كما أن البوح بهذا الاتهام ربما كان سيرفع من عناصر تأييد الرأي العام للحكومة والنظام السياسي.

بناءا عليه فإن المقصود بضلوع طرف خارجي هي دولة عربية ترتبط بعلاقات مع الأردن، وتعتبره حليفا لها ،وتدعمه بين حين وآخر ماليا.ومن الواضح أن هذه الدولة هي المملكة العربية السعودية حيث أن أثنين من المتورطين في المؤامرة يحملون الجنسية السعودية إضافة للجنسية الأردنية ،ناهيك عن أن أحد هؤلاء الطرفين يعمل حاليا مستشارا لولي العهد السعودي ،وسبق له أن كان الأكثر قربا من العائلة الحاكمة في الأردن التي دعمته في الوقت الذي لم يكن مرغوبا من معظم شرائح المجتمع الأردني بسبب دوره في برنامج التحول الاجتماعي والاقتصادي وهدر أكثر من 450 مليون دينار دون جدوى أو عائد يذكر.

الدكتور باسم عوض الله كان الشخصية الأكثر نفوذا في الأردن بعد الملك، وتقلد مناصب ومواقع على مدار ربع قرن ما كان له أن يتقلدها لولا تبني ودعم العائلة المالكة الأردنية له.

قدوم الوفد السعودي برئاسة وزير الخارجية على عجل  للأردن بعد بضعة أيام على الأزمة لم يكن عارضا ،وإنما جاء بمهمة تتعلق بإطلاق سراح السيد عوض الله وليس لحل خلاف بين الملك وشقيقة الأمير حمزة ،فمثل هذا الخلاف حصل لدى العائلة السعودية وأزيح ولي العهد السعودي السابق محمد بن نايف .وهنا أتساءل هل من الممكن أن يترأس وزير الخارجية السعودي وفد يأتي على جناح السرعة ،ودون ترتيبات دبلوماسية مسبقة ،ويضم هذا الوفد شخصيتين رفيعتين هما مدير المخابرات السعودي ومدير مكتب ولي العهد محمد بن سلمان من أجل تقديم الدعم المعنوي للأردن وهو ما صرحت به الحكومة السعودية مسبقا ؟

أخطر ما يمكن أن يؤذي الأنظمة السياسية ،وخصوصا الملكية منها هي المحاولات الانقلابية المدعومة من الخارج ،وفي الحالة الأردنية نعتقد أنه حتى لو كشفت التحقيقات مع عوض الله أن المملكة السعودية ضالعة في أحداث الأردن فإن الأردن سيكون مترددا في إعلان ذلك رسميا لما يترتب عليه من قطيعة وتداعيات كبيرة على العلاقة بين بلدين متجاورين وعائلتين ملكيتين ترتبطان بعلاقات تاريخية .

 الأردن ربما سيختار بين الإعلان عن هذا التورط وتحمل تبعات وتداعيات هذا الكشف لنتائج التحقيقات والاتهام المباشر للمملكة السعودية بالتدخل في شؤون الأردن ،أو التعامل خلف الكواليس مع ما يمكن للسعودية أن تعرضه تكفيرا لهذا التدخل السافر في الشؤون الداخلية الأردنية .نعتقد أن الوفد السعودي وإصراره على اصطحاب عوض الله معه كان يهدف إلى الحيلولة دون الكشف عن معلومات حقيقية تتعلق بالدور السعودي في “محاولة الانقلاب”.إن تمسك الأردن الرسمي في عدم البوح باسم الدولة الخارجية المتورطة في المؤامرة لن يستمر طويلا وهو من قبيل التريث والموازنة بين ما يمكن أن يقدم للأردن ثمنا سياسيا وربما ماديا عن التورط بالمؤامرة أو الخروج على الملأ باتهامات يمكن أن تترك ظلالا وانعكاسات سلبية على العلاقة بين البلدين،وهذا الأمر ينبغي أن ينجلي قبل أن تعلن نتائج التحقيقات لأن نتائجها ستراعي المعطيات السياسية والتوجهات العليا في الأردن…

 

كاتب اردني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. ما هي مقتضيات المصلحة الوطنية العليا وفي نفس الوقت الحفاظ علي ما يسمي أخوة عربية؟
    ما هي تلك الاخوة اذا كانوا يطعنون بعضهم البعض من الامام ومن الخلف منذ اقيمت جامعة الدول العربية الي الان؟
    السؤال الاخطر هل عروبة المنطقة خطر علي اهلها كما ذهبت انا في تحليلاتي لوقائع الاحداث منذ اكثر من نصف قرن؟
    تبدو العروبة وكانها ستار وبتعبير اسلامي حجاب يتخفي وراءه الجميع ليمارسوا ما كان يجري قديما في صحراء العرب من قطع للطرق وغدر بالقوافل.

  2. الدولة المتدخلة هي السعودية وهذا واضح جدا ،،،لماذا يحجم الاردن ؟ هذه مشكلتنا منذ عشرات السنين مع كثير من النخبة السياسية والثقافية فالجميع يعلم ان السعودية هي ام الخراب والارهاب ولكن البعض يسكتونه بالدولار والبعض يسكت حتى لايقال عنه انه ايراني والبعض يسكت لانه يخاف من القتل. اعلنوها الموت للسعودية او كونوا جبناء كما انتم وتحية من عراق المقاومة لكل ام فلسطينية قادمون رغم انف الصهاينة العرب

  3. أتمنى على حكومتنا أن تستثمر هذا الحدث بشكل جيد يعود عاى الوطن بالنفع لا نريد من الحكومة أن تفصح عن الدولة الداعمة للانقلاب نريد مطالبة هذه الدولة بسداد ديون الأردن وإعطاء الأردنيين الأولوية في في التعيين والمساهمة في القضاء على البطالة .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here