لماذا لا يكون السيّد الحريري الأكثر حِرصًا على زيارة دِمشق من وزير خارجيّته جبران باسيل؟ وهل ينتظر أن يزورها حُلفاؤه السعوديّون والإماراتيّون أوّلًا.. وكيف سيَحُل أزمة النّازحين بدون الحِوار معها؟

يَصعُب علينا أن نفهم هذه الهجمة الشّرسة التي يشنّها السيّد سعد الحريري، رئيس وزراء لبنان، على جبران باسيل، وزير الخارجيّة اللبناني، بسبب تصريحاتٍ أدلى بها أمس وأعلن فيها رغبته في زيارة دمشق “لإعادة السوريّين إلى سورية”، فالسيّد باسيل يُريد الذّهاب إلى دِمشق وليس إلى “تل أبيب”، أيّ إلى دولةٍ عربيّةٍ جارة قدّمت الكثير للبنان، وحافَظت على استقراره، ودعمت مُقاومته، وهو الدّعم الذي لَعِب دَورًا أساسيًّا في تحرير الأراضي اللبنانيّة وطَرد الاحتلال الإسرائيلي.

الرئيس الحريري هو الذي يجِب أن يَشُد الرّحال إلى دِمشق، وفي أسرعِ وقتٍ مُمكنٍ، لأنّ مُعظم التطوّرات في المِنطقة تصُب في مصلحة الدولة السوريّة، وتُثبِت أنّ صُمودها طِوال السنوات الماضية في وجه مُؤامرات التّدمير والتّفتيت عكَس بُعد نَظَر، وسياسةً صائبةً.

لا نعرف كيف يَقرأ السيّد الحريري هذه التطوّرات، ولكن عندما تقود مِصر والمملكة العربيّة السعوديّة والإمارات، حُلفاؤه الأبرز، تَوجُّهًا في الجامعة العربيّة لفك التّجميد عن عُضويّة سورية، ويُدينون التدخّل العسكريّ التركيّ في شِمالها، ويُؤكّدون تضامنهم معها في مُواجهته، فإنّ هذا الموقف من المُفترض أن يدفع السيّد الحريري وتيّاره لتغيير مواقفه السبّاقة تُجاه سورية، ويتبنّى سِياسات جديدة تمد جُسور اللّقاء والتّعاون مع الدولة السوريّة حتى لا يكون الزّائر الأخير لدِمشق التي لا تَبْعُد عن مكتبه إلا ساعةً بالسيّارة.

السيّد باسيل، رئيس التيّار الوطني الحر، إلى جانب رئاسته للدبلوماسيّة اللبنانيّة، كان مُصيبًا عندما ضمّ صوته إلى جانب أصوات زملائه وزراء الخارجيّة العرب الذين أعلنوا تضامنهم مع سورية، وأدانوا التدخّل العسكري فيها، مُعبّرًا في الوقت نفسه عن مشاعر مُعظم اللّبنانيين في هذا الخُصوص، وهو موقف يستحق الإشادة والتّنويه من رئيس الحُكومة وتيّار 14 آذار، وليس شن حملة عليه في “السوشال ميديا”، وبعض الصّحف النّاطقة باسم السيّد الحريري وتيّاره، وبعضها خرج عن آداب الحِوار والاختلاف.

المُشكلة الأكبر التي كانت وما زالت تُقلق السيّد الحريري وتيّاره هي تلك المُتمثّلة في وجود حواليّ مِليون ونصف المِليون نازح سوري، لأنّها تُشكّل عِبئًا ضَخمًا على الاقتصاد اللبناني المُنهك، (حجم الدّيون حواليّ 100 مِليار دولار)، مثلما تُشكّل أيضًا عِبئًا أمنيًّا، ولكن لا يُمكن حلها إلا بالحِوار مع الجهة المعنيّة، أيّ الحُكومة السوريّة.

فإذا كان الأكراد عادوا إلى الدولة المركزيّة السوريّة، وفتَحوا جميع معابرهم أمام الجيش العربي السوري، وسلّموا له المُدن الكُبرى مِثل القامشلي والحسكة، بعد أن تخلّى عنهم الحليف الأمريكي وطعنهم في الظّهر، ألا يَشِي كُل هذا بالكثير للرئيس الحريري، ورُموز تيُاره، وبِما يدفعهم للتّراجع عن سِياساتهم الخاطِئَة هذهِ؟

قراءة السيّد باسيل لهذه التطوّرات المُتسارعة ورغبته في الانفتاح على سورية من مُنطلقاتٍ أخلاقيّةٍ وعربيّةٍ واقتصاديّة، قراءة صحيحة وعلميّة، وتَصُب نتائجها في مصلحة لبنان بالدّرجة الأُولى، لأنّ سورية هي رئة لبنان الاقتصاديّة فِعلًا، وقد تكون أحد أهم المخارج من أزمته الاقتصاديّة الحاليّة.

سورية تتعافى بسُرعةٍ، وأكثر من 300 ألف لاجِئ سوري في الأردن عادوا إلى بلادهم في الأشهر الأخيرة، لأنّهم لا يُريدون البقاء في مُخيّمات اللُّجوء، ويُدركون جيّدًا أن معركة الإعمار باتت وشيكةً، وأنّ الأيّام الصّعبة قد أوشكت على نهايتها، ولا نستعبد أن يُقدِم النّازحون السوريّون في لبنان على الخطوة نفسها أيضًا في الأيّام والأشهر المُقبلة، وبوَتيرةٍ أسرع.

معبر البوكمال السوري العِراقي عادَ إلى صُورته السّابقة، وبدأت التّجارة تزدهر بين البَلدين في الاتّجاهين، ممّا سيؤدّي إلى كسر الحِصار الخانق على سورية، مُضافًا إلى ذلك أنّ عودة الجيش العربي السوري إلى شِمال شرق سورية، وإعلان ترامب عن سحب القوّات الأمريكيّة من المِنطقة، كُل هذا يعني أنّ استعادة السيادة السوريّة على آبار النّفط والغاز والتُّربة الأخصب باتت وشيكةً والشّيء نفسه يُقال عن مُحافظة إدلب.

نتمنّى أن يَقرأ السيّد الحريري هذه الافتتاحيّة، وكُل المقالات والتّغريدات الأُخرى التي تَصُب في الهدف نفسه، أيّ مصلحة لبنان، ولا تقتصر قراءاته على مقالات مُعيّنة لا يُريد كتّابها الخير والأمن والازدهار للبنان بتعليماتٍ من جهاتٍ خارجيّةٍ.

باختصارٍ شديدٍ لا نُريد أن يكون السيّد الحريري آخِر زوّار دِمشق، وبعد أن يزورها حُلفاؤه وخاصّةً السعوديين والمِصريين والإماراتيين، حتّى لا ينطبِق عليه المثل الذي يقول “يذهب إلى الحج والنّاس راجعة”.. واللُه أعلم.

“رأي اليوم”

Print Friendly, PDF & Email

15 تعليقات

  1. الحريري رجل فاشل في السياسة و الاقتصاد و لولا أولياء أمره و مكانة أبيه لكان في خبر كان

  2. استغرب من الحريري الا يفكر في انه غير مناسب للسلطة وانه يوجد من هم اجدر منه ، لكن انا اقول انه مفروض فرض من السعودية ، رئيس الحكومة اللبنانية مفروض من السعودية .

  3. ربما المشكل يلقى تفسيرا بمايلي
    1- يعتقد السيد الحريري انه موظف عند ال سعود برتبة رئيس حكومة
    2 – تفكيره في مصالحه الشخصية قبل مضلحة لبنان

  4. نعتقد ان السيد الحريري يلاقي حرجا قبل زيارة اولياء امره في الخليج ويبقى السيد باسيل يحمل تاج ارز لبنان الخالد فهل ترفع القبعات للابطال كي ينظر لها الاخرين”

  5. الحريري تلميذ سياسة فاشل لم يرثها من والده ولم يتعلمها من ولاة امره وبالتالي فقراره رهينة بيد غيره ومن كان كذلك فلا تتوقعوا منه شئ

  6. سيزور سوريا السيد الحريري.
    ليس من أجل لبنان ولكن لأجل الرياض.
    فقط انتظروا قليلا.

  7. آلى اخواني في سبيل الله
    المغترب و الزيودي و العم احمد الياسيني و كل الشرفاء . اذا اردتم ان تعرفون الحقيقه عن الصهاينة العرب و الصهاينة غير الغرب يجب عليكم روئية فلم Everything Must Go و هذه هو الحاصل معهم و اتمنى ان لا يكون فيه حدف
    لا اريد اقول المزيد خوفاً من حذف راي اليوم و اني متفاهم شروط الصحيفة المحترمين
    و ارجو النشر .

  8. هل تريدون التسبب للحريري بعلقه سخنه جديده ؟!.
    الا يكفيه ما عانى في المره السابقه من ضرب وشتم وإذلال ؟!.
    الحريري على ما يبدوا ممنوع عليه ان يتعاطى بالسياسه !، فالامر لولي الامر فقط !.

  9. لاشك ان صاحب القرار بانفتاح لبنان على سوريا واعادة العلاقات ليس في بيروت. ربما ينتظر الحريري الإذن من السعودية او من باريس او من امريكا.
    عل كل سياتون طواعية عاجلا ام اجلا

  10. تارة يتهمون جبران باسيل بأنه يعيد سيرة الانعزالي بشير الجميل، أي أنهم يتهمونه بكونه طائفيا، ومناهضا لعروبة لبنان، وتارة يتهمون باسيل بأنه سوري الهوى وبعثي وقومي أكثر من اللزوم حين يريد زيارة سورية، يا ناس باسيل، في موقفه من سورية، يجسد المصلحة اللبنانية الصرفة أولا، فسورية هي رئة لبنان الاقتصادية، ولو كُتب للتكفيريين تدمير سورية وتقسيمها وتفتيت كيانها، لكان قد حصل للبنان نفس الشيء وربما أكثر، فلا أحد يزايد على باسيل والرئيس ميشيل عون وتياره حول لبنانيتهم، فهي فوق أي حساب ومزايدات فارغة، العونيون ينفتحون على سورية لأن انفتاحهم مصلحة وطنية لبنانية، وهو مصلحة عريبة أساسا.. فحين اقتضت الضرورة السياسية لكي يقول العونيون لا للوجود السوري، فلقد قالوا ذلك، وأدوا الثمن غاليا بسبب تعبيرهم عن رأيهم، في وقت كانت فيها دمشق قوية ومسيطرة وموجودة في لبنان، وكان جل(( السياديين)) الحاليين تحت نفوذها، ويصطفون في الطوابير ليستقبلهم رستم غزالة، ويأخذون منه التعليمات وينفذونها صاغرين، واليوم لأن سورية خارج لبنان، وهي في حاجة لأشقائها، فإن العونيين يمدون اليد إليها لمساعدتها على تجاوز محنتها، ولعمري هكذا هي أخلاق العرب النبيلة، وهذه هي شهامتهم وفروسيتهم التي تربينا عليها.. أنا كمغربي أرفع القبعة لجبران باسيل ولميشيل عون ولإميل لحود الرئيس النظفيف والنقي الذي رفض بيع ذمته بالدولار..

  11. معقول ان يزور الحريري سوريا بدون الضوء الاخضر من اسياده في السعودية ….. ولووووو

  12. الأمور واضحة ولا مجال للعب بالالفاظ لو سمحتم
    السعوديين ليسو حلفاء سعد الحريري انما ولاة امره !!
    لانه الحليف لا يعتقل حليفه ويجبره على تقديم استقالته تحت التهديد

  13. باختصار شديد لا نريد ان يكون السيد الحريري آخر زوار دمشق، وبعد ان يزورها حلفاؤه وخاصة السعوديين والمصريين والاماراتيين، حتى لا ينطبق عليه المثل الذي يقول “يذهب الى الحج والناس راجعة”..

    عل اش يزور سوريا ما فيها عارضة أزياء و مرتدية جلد و في يدها كرباج الحلب

  14. كل هذا مسجل في تاريخ الشعوب و لا شيئ ببلاش .و بالفبركات

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here