لماذا لا نختلف مع الوزير ظريف بأنّ تشكيل الحُكومة اللبنانيّة إنجازٌ كبيرٌ.. ولكنّنا نعتقد أنّ الإنجاز الأكبَر مُقاطعة لبنان مسجد الضرار في وارسو؟ وهل سترُد إيران الجميل بتَسهيل عودة النّازحين السوريّين؟ وما الذي يمنع زيارة الوزير اللبناني المُكلّف بالمِلَف مِن زيارة دِمشق لحَل الأزَمة؟

عادت دِماء الحياة مُجدّدًا إلى الشرايين السياسيّة اللبنانيّة المُتصلّبة بعد انتهاء الأزمة الحكوميّة والاتفاق على توزيع الحقائب الوزاريّة بين الكتل السياسيّة المُتنافسة بطريقة سلميّة عبر الحوار، مما يؤكد مجددًا على “الخُصوصيّة” اللبنانيّة “التعايشيّة” في مُحيط عربي ملتهب، ولهذا لم يكن مفاجئًا أن يصف السيد محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني، أول زائر كبير للبنان، هذا التّشكيل الحكوميّ بأنّه “إنجاز وطني كبير”.

تحيّة لبنان للزائر الإيرانيّ كانت لافتةً في أهميّتها ومعانيها السياسيّة في هذا التّوقيت الحسّاس، ونحن نتحدّث هُنا عن القرار اللبنانيّ الوطنيّ الشّجاع بمُقاطعة قمّة وارسو الأمريكيّة “للسّلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط”، الذي يبدأ أعماله بعد يومين (الأربعاء)، لأنّ هذا المُؤتمر سيكون مُكرّسًا لتكوين تحالف سياسيّ وعسكريّ ضد إيران أوّلًا، واعتِماد “صفقة القرن” التي تَهدِف إلى تصفية القضيّة الفلسطينيّة وتكريس التّطبيع العربيّ الإسرائيليّ، وسيكون “نجمه” بنيامين نِتنياهو وتلميذه النّجيب جاريد كوشنر صِهر ترامب.

السيد جبران باسيل، وزير الخارجيّة اللبناني، كان واضحًا في مؤتمره الصحافي الذي عقده مع نظيره الإيراني الزائر اليوم، عندما قال صراحةً أنّ لبنان لن يُشارك في هذا المؤتمر الذي ستَحضره دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتكريسًا لسياسة النّأي بالنفس عن سياسة المَحاور وأزمات المنطقة.

هذا الموقف اللبناني المُشرّف يجب أن يَلقى التّجاوب من قبل الدولة الإيرانيّة من حيثُ تلبية طلب الرئيس ميشال عون في المُساعدة لتسهيل عودة النّازحين السوريّين في لبنان الذي يَزيد عددهم عن مِليون ونِصف المليون نازِح.

الضّيف الإيرانيّ، وحسب ما جاء على لسان الوزير باسيل، أكّد دعم إيران للعودة الآمنة والسريعة للنازحين السوريين إلى بلادهم، ولكنّه لم يُعطِ أيّ تفاصيل في هذا الإطار، خاصَّةً تُجاه المَطلبين اللبنانيين الأساسيّين: الأوّل، ضمانات سوريّة حول حُقوق الملكيّة للنّازحين، والثّاني، الخدمة العسكريّة التي تنتظرهم.

لا نُجادل مطلقًا في هذه الصحيفة “رأي اليوم” في صحّة ما قاله الرئيس عون من أن هذه المسألة (النازحين السوريين) تُشكّل ضغوطًا على الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة في لبنان الذي يُواجه ظُروفًا اقتصاديّةً صعبةً (الدين اللبناني العام تجاوز مئة مليار دولار)، ولا نعتقد أن الحُكومة السوريّة التي بدأت تتعافى بشكلٍ مُتسارعٍ من ذيول مؤامرة التدخل الخارجي، ستُقصّر في فهم هذا القلق اللبناني المشروع، والتّعاطي معه بإيجابيّة.

عندما جادلنا أحد المسؤولين اللبنانيين الكبار بأنّ الأوضاع السوريّة الأمنيّة والاقتصاديّة لم تستقر بالقدر الكافي بعد، حتى تستوعب الحُكومة ملايين النازحين من لبنان والأردن وربّما تركيا أيضًا، قال إنّه يتفهّم هذه “المُرافعة”، ويدرك جيّدًا أن التّعافي السوري لم يكتمل مئة في المئة، ولكن هُناك مناطق مُستقرّة في سورية، وربّما أكثر استقرارًا من لبنان، فلماذا لا تُشجُع الحكومة السوريّة عودة هؤلاء إليها؟

النازحون السوريون في لبنان والأردن، بدأوا يعودون إلى مناطق سوريّة آمنة، ولكن ليس بالعدد والسرعة المطلوبة، وربّما يعود ذلك إلى ضخامة حجم الدمار، وعدم وجود الوظائف والخدمات العامّة الكافية، من ماء وكهرباء وطبابة ومواصلات وتعليم، وهذا الوضع سيتغيّر حتمًا مع بِدء عمليّة إعادة الاعمار، واستعادة ما تبقّى من أراضي سوريّة ما زالت خارج مظلّة سيادة الدّولة، مِثل إدلب وشمال سورية وشرق الفُرات.

السيّد باسيل وزير الخارجيّة اللبناني في عجلةٍ من أمره، ولا يُريد أن يربط بين عودة النازحين والحل السياسي للأزمة السوريّة، ويتعرّض لضُغوط مكثّفة من بعض الكتل السياسيّة ذات الطابع اليمينيّ المُتشدّد التي لا تكن أي ود لسورية ومواطنيها، داخل سورية أو في دول اللجوء، ومن منطلقات عنصريّة في مُعظم الأحيان، وبالتّالي يرفض كثيرون مقولتنا التي نكررها دائمًا التي تؤكد أن سورية شعبًا وحكومةً فتحوا أبوابهم وقُلوبهم لأكثر من 250 ألف نازح لبناني لجأوا إلى ارض الشام أثناء العُدوان الإسرائيليّ عام 2006، ولم تقم الحُكومة السوريّة مُعسكرًا واحدًا لإيوائهم، وسكّنتهم في بيوت أسر سوريّة في واحدة من أروع صور الضّيافة والكرم، وقيم العُروبة والدّم الواحد.

سورية المُستقبل، سورية الإعمار والاستقرار، ستكون حتمًا مختلفةً، ومفتوحةً للبنانيين من مُختلف الطّوائف والأعراق، وسيكون النّزوح اللبناني باتّجاه دِمشق كثيفًا من اتّجاه واحد في السنوات المُقبلة، وستَصدُق نبوءة الدكتور بشار الجعفري، مندوب سورية في الأُمم المتحدة في هذا الإطار التي أطلقها ردًّا على بعض المُضايقات الرسميّة والشعبيّة التي واجهها بعض النّازحين السوريّين في لبنان.

الحُكومة اللبنانيّة تضُم وللمرّة الأُولى وزيرًا مُكلّفًا بمُتابعة ملف النازحين السوريين وعودتهم، وهذه خُطوة تعكس أهميّة هذا الملف، وسُؤالنا هو عن أسباب عدم ذهاب هذا الوزير إلى دِمشق وفتح قنوات الحوار مع السّلطات السوريّة وشرح وجهة النّظر اللبنانيّة؟

خِتامًا لا يسعنا في هذه العُجالة إلا الانحناء تقديرًا واحترامًا للحُكومة اللبنانيّة والرئيس ميشال عون بالذّات، على وقفته الشّجاعة في مُقاطعة “مسجد الضرار” في وارسو الذي أقامته أمريكا تمهيدًا للعُدوان على إيران، وتصفية القضية الفلسطينيّة، ورفض الجُلوس مع الإسرائيليين تحت سقفه، هذا هو لبنان الوطنيّ العربيّ الشّريف الذي نعرفه ونُقدّره ونحترمه ونُحبّه.

“رأي اليوم”

Print Friendly, PDF & Email

7 تعليقات

  1. اذا كان النظام السوري غير مستعد للسماح بعودة النازحين,لماذا سن قانونا يستولي بموجبه على املاك النازحين اذا تاخروا عن التصريح بممتلكاتهم.لماذا لاينتظر حتى تستقر الأوضاع, وتتم السيطرة على نصف الاراضي السورية التي لازالت خارج سيطرته.
    المسؤوول الاول عن ماساة الشعب السوري هو االنظام الذي قصف المدن السورية بالبراميل والكيماوي ,مما دفع ملايين السوريين الى النزوح.لم ينزح احد من المدن التي سيطرت عليها المعارصة ,الا بعد ان هاجمها النظام او داعش. اذا تذكرتم هذه الحقيقة ستفهمون لماذا يتردد النازحون في العودة تحت حكم نفس النظام الذي قتلهم وعذبهم وشردهم.
    اما باقي كلام الافلام الهندية ,فاكل عليه الظهر وشرب.

  2. ، السبب الرئيسي لعدم عودة اللاجئين ، هو تهديد حياتهم من الامن السوري
    الامن يتغول بالمواطن السوري و لا يحترم اي حقوق ، لماذا لا تقولون الحقيقة كما هي؟
    السوررين سوف يعودن لو كان هناك فعلا تسامح من الدولة و لجم للامن السوري الذي كان السبب الرئيسي لما حدث ، و ان بقي على حاله لن تستقر سوريا

  3. الذي يسمع تباكي السياسيين اللبنانيين على وضع لبنان الاقتصادي الحالي، يظن ان الاقتصاد اللبناني كان افضل من الاقتصاد السويسري قبل الاحداث السورية.

  4. المندوبون الدائمون للدول العربية في المنظمات الدولية متواجدين تحت سقف واحد مع الاسرائيلي ، نتمنى ان ينسحب هؤلاء المندوبون العرب من القاعة عند القاء المندوب الاسرائيلي كلمته في المؤتمر ، وذلك اضعف الايمان

  5. مقتبس ؛ (هذا هو لبنان الوطنيّ العربيّ الشّريف الذي نعرفه ونُقدّره ونحترمه ونُحبّه.)،
    ( الوطني العربي الشريف ، نقدره ونحترمه ونحبه )، نتمنى ان تكون لهذه الكلمات القليلة والعميقة المعنى أن تكون ذات قيمة ومغزى لدى الدول المتهالكة على التطبيع المعيب مع الكيان الصهيوني . وليعلموا أن التأريخ لا يرحم أحداً ، فأما ذاكرة طيبة في كتب التأريخ او هوان لا يرحم في مزبلة التأريخ .

  6. ختاما لا يسعنا في هذه العجالة الا الإنحناء تقديرا واحتراما للحكومة اللبنانية والرئيس ميشال عون بالذات، على وقفته الشجاعة في مقاطعة “مسجد الضرار” في وارسو الذي اقامته أمريكا تمهيدا للعدوان على ايران، وتصفية القضية الفلسطينية، ورفض الجلوس مع الإسرائيليين تحت سقفه، هذا هو لبنان الوطني العربي الشريف الذي نعرفه ونقدره ونحترمه ونحبه.
    “راي اليوم” بعد اذن رأي اليوم ان اضيف نفسي كمان

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here